منذ قرن ونيف ونحن أمة الإسلام.. في دوامة التحديات المستشرية والكيد الخفي.. وهذه الأيام تلاحقت في سبحة الزمن حباتها.. فاشتعل.. واستعر المسلمون غضباً وتأججاً من تلك الصور (الكاريكاتيرية).. التي تعكس جهالة أصحابها في بعض الدول الاسكندنافية والغرب.

فسارت مظاهرات.. وهوجمت سفارات وأحرقت أعلام.. أعقبتها مطالبات ملحة بالمقاطعة.

وان تسير مظاهرات في بلدان الفتها لابداء مشاعر.. فهو أمر لا بأس به لأنها أداة تعبيرية.. ولكن ان يلجأ إلى العنف.. في هجوم على سفارات.. وان تحرق أعلام فهذان أمران ليسا من شيم العقلاء! وهما من الأعمال التي لا يدرك فاعلوها رجع الصدى السيء المرير الناتج عن تلك الأفعال المفعمة بمشاعر العاطفة في أتونها في الدخان الخانق.. وغياب العقل الواعي المستنير.

أما كان الأجدى.. من خلال اظهار مشاعرنا تعبيراً لصوتنا في المظاهرات.. قبل ان نلجأ إلى التهجم على السفارات.. وحرق الأعلام والمطالبة بالحاح بالمقاطعات.. وحتى لا نتسبب في إحداث هوة بيننا وبين من نتظاهر شاجبين موقفاً له.. ان نتساءل فنقول؟

من المستفيد.. من وراء هذا الموقف؟ ومن يا ترى هو الرابض بخبث خلف الحدث الموقف؟

أليس في لجوئنا إلى مثل تلك الأساليب ما يردي بنا كدول وشعوب إلى العزلة والمقاطعة فيؤدي إلى الانكماش.. والانعزال؟

خاصة وان الدول التي نتهمها بمعاداة مواقفها.. تؤكد شعوباً وحكومات وخاصة في السنوات الأخيرة أنها باتت تربطنا بها صلات متبادلة من حسن التعاون في شتى المجالات الحياتية؟ والروابط الوثيقة؟ وان للاتحاد الأوروبي وبالذات الدانمرك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا وإيطاليا.. ومن سلك دربها إلينا ومعنا.. تقف مواقف سليمة في تعاطفها مع قضايا الأمة العربية والإسلامية المصيرية؟

ألم يحدث.. قبل سنتين.. كما أظن وأحسب.. ان عقدت في (كوبنهاجن) محكمة تاريخية كبرى حوكم فيها (شارون) سفاك الدماء العاتي في الأرض المباركة فلسطين؟ أو لم يعلم؟ العالم العربي والإسلامي؟ وقد علم كل العالم!!؟ ان المحكمة أدانت(شارون) مجرماً دولياً للحرب ورمزاً للشر والهلاك البشري في طغيانه؟ وأكدوا دحض الوهم الخاطئ.. والكذبة العالمية لجورج بوش الابن في فضيحته التي أعلنها أمام الرأي العام العالمي.. من ان (شارون) إنما هو رمز السلام ورجله الأول في العالم اليوم؟

ألم تخرج مظاهرات متتالية تشجب فيها وتدين كل مواقف أمريكا إزاء الدول وتدخلها السافر فيها.. وعملها اللا شرعي ومن حالفها.. كما في تدمير العراق وأفغانستان ومطالبين المنظمات الدولية كلها بما فيها (مجلس الأمن) و(هيئة الأمم المتحدة)! بايقاف الاعتداءات الغادرة تلك؟ الجماعية الموحشة؟ التي يقتل فيها المئات بحثاً عن إرهابي أو معاون لصدام؟ ألم تعلن حكومات تلك الدول صداقاتها الحميمة لنا.. ووقوفها إلى جانبنا في قضايانا العادلة؟

كما وأنها أعلنت أنها تقف دولاً مانحة مع الدول الإسلامية لبناء (لبنان) من جديد بعد حروبها الدامية الطاحنة؟ كما وأنها عقدت مؤتمرات دولية في عواصمها تحقيقاً لهذا الغرض؟

فلماذا؟ نخسرها.. بعواطفنا اللا معقولة.. والعنيفة.. ولماذا نعطي صوراً غير حميدة تتنافى مع أخلاقياتنا؟

أما كان الأحرى.. والأكفى؟ هو اظهار شجبنا.. واحتجاجنا لتصرف أرعن صادر عن جريدة قليلة الانتشار.. وصور لرسام كاريكاتير غير معروف.. عوضاً عن اللجوء إلى العنف، بأسلوب غير حضاري لا يقره ديننا فنلوذ إلى تحميل مسؤولية التصرف السيء اللا مسؤول من صحفي.. إلى كامل الشعب مع حكومة؟ ونتغاضى عن كافة مواثيق التعاون واعراف الصداقات الدولية.. ألم يقل الله سبحانه وتعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى}.. صدق الله العظيم.

وهل جزاء الاحسان؟ غير الاحسان.. إنهم كشعوب وكحكومات يشاركوننا أحاسيسنا نحو رموزنا ومقدساتنا؟ وكما نحن ملزمون في شرائعنا باحترام دينهم والإيمان برموزهم الدينية السماوية المقدسة؟

إن عدداً غير قليل من مفكريهم وفلاسفتهم والباحثين عن خلاص الإنسانية من آلامها يقرون ويعلنون جهاراً ان (محمداً) حبيبنا وسيدنا هو رسول الخلاص من الله العظيم رب العالمين.. وان (القرآن الحكيم) معجزة سماوية كبرى.. وتعاليمه.. وآياته.. كلها هدى ونور وشفاء ورحمة واحقاق حق.. وسيادة عدل وأنه في تشريعاته أعظم مناهج لمسوها وادركوا جلائل قيمتها.

لقد كان لزاماً على من لجأوا إلى العنف ويحاولون حث حكوماتنا على المقاطعات.. أية مقاطعات.. لقد كان لزاماً عليهم ان يدركوا في فهم صحيح الواقع الممارس في شتى الحقول الحياتية.. لشعوب (اسكندنافياً) سواء الدنمارك أو النرويج أو السويد أنها في كينونتها السياسية إنما هي دول تسودها الحريات المطلقة.. فهي لا توجد بها سجون البتة.. وإنما توفر دوراً لرعاية المجرمين والجانحين.. لتحويلهم.. بأساليب علمية وتربوية ونفسية إلى أدميين مثاليين يساهمون في بناء مجتمعاتهم الحضارية!!

وهم ليسوا كبعض الدول كلما دعت الحاجة الذاتية لزعمائهم أو كلما كانت هناك مواقف إزاء دولة أخرى سواء أكانت المواقف تلك فردية أو جماعية.. يبدلون دساتيرهم وأنظمتهم القانونية أو يغيرونها.. انهم لا يستطيعون تغيير مادة واحدة من مواد تلك الدساتير والأنظمة.. متى شاؤوا.. وانى شاؤوا. إنهم يقدسون يمين الولاء لدساتيرهم وأنظمتهم التي أدوها.. وهم مثاليون في حرصهم على ولائهم لإيمانهم المؤداة.. فلا يبيعون ضمائرهم كحكام يمثلون شعوبهم التي اختارتهم.

ولا يرضخون لترغيب أو ترهيب مهما كان حجمهما.. الحرية عندهم هناك ملزمة لكل فرد.. دستورياً ونظامياً.. باحترامها من قبل الجميع في كافة طبقات مجتمعاتهم.. وإنما على المتضرر اللجوء إلى المحاكم.. مهما كان ضرر المتضرر.

وفي اعتقادي.. واعتقاد الكثيرين معي.. كما أحسب.. عندما يتدبرون حيثيات هذه القضايا المتعلقة بالمقدسات والرموز العظيمة، هو أنه ينبغي ان تشتمل دساتير أي دولة في العالم (مادة) تنص على احترام (المقدسات الدينية) و(الرموز العظيمة) في تاريخ البشرية وان تحترم لكل الشعوب مشاعرها ومواقفا إزاءهما وذلك عن طريق اللجوء إلى الدبلوماسية بأن تطالب مجموعات الدول الإسلامية في منظمة الأمم المتحدة وباقي المنظمات الدولية ادراج مادة رئيسية في دستور كل دولة تقضي بالالتزام بمراعاة المشاعر الدينية والمقدسات لدى جميع شعوب الأرض. وان تفرض عقوبات تجريم شديدة على أي مواطن أو متجنس بجنسية تلك الدولة لا يتقيد بهذه المادة الرئيسية في دستورها!

هناك.. اطروحة أراني ملزماً بولوج بابها.. إذ تحضرني بالمناسبة كلمة مأثورة خالدة لحكيم العرب والمسلمين اليوم كما وصفه بعض زعماء الدول الا وهو خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز.. إنها عبارات واقعية قالها في كلمة له ألقاها في مؤتمر القمة الإسلامية بطهران المنعقد قبل أكثر من عشر سنوات وكان وقتها يرأس وفد المملكة العربية السعودية.. إنه يقول:

أيها الاخوة قادة الأمة الإسلامية بادئ ذي بدء.. وقبل بحث أي موضوع من الموضوعات المدرجة في جدول أعمالنا.. علينا واجب مقدس الا وهو ان نصلح بيوتنا من الداخل!

وهي كلمة ملهمة تصيب كبد الواقع المجسد لأمتنا الإسلامية في شتى المعمورة وحقيقة تتجلى في اشراقة إسلامية متلألئة.. إذ ان المسلم الحق في ما أراه اليوم.. من خلال صيرورته التي يحياها.. عليه ان يكون أمثل من يتبع رسولنا العظيم سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم الذي رسمه الله عز وجل لنا اسوة حسنة لمن كان يرجوه سبحانه.

والتعاطف دفاعاً عن قدسية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم دليل حب وأكيد.. إلاّ ان الحب يكتمل بالالتزام بمنهاجه والطاعة فيما أمر به والاجتناب عما نهى عنه.. ولأن الله عز وجل أمر المؤمنين بقوله وهو خير قائل سبحانه {استجيبوا لله والرسول إذا دعاكم لما يحييكم} صدق الله العظيم.

وإيماننا لا يكتمل المرء منا.. فيه.. إلاّ ان يكون عليه الصلاة والسلام أحب إلينا من أبينا وأمنا ومن أنفسنا التي بين جنبينا. والحب له يلزمنا باقتدائه والتأسي به حيثما كنا وأينما وجدنا متمسكين.. بما ورثنا إياه.. الا وهي المحجة البيضاء التي ليلها كنهارها لا يغفل عنها إلاّ هالك.

ان على كل مسلم أياً كان.. لابد من حرصه على ان يكون عنواناً صادقاً تتجسد فيه مثالية الإسلام في كل ما ينسب إليه ويرد إليه ويصدر عنه.

يجب عليه وهو العنوان للمسلم ان يكون صادقاً في معطياته وفي دخائله وخوارجه مكتسياً خصائص وقيماً رائعة في مسيرته الحياتية وهي لا تتوفر لغير المسلم.. في صفائه ونور إيمانه.. فيجعل بما أودعه الله سبحانه لديه ومنحه إياه عز وجل.. وميزه به من المعاني السامية.. مسؤولية يلتزم بها فتكون مسؤولية عالمية مساهماً في آفاقها.. ليحتل مركز الصدارة والقيادة.. كإنسان مثالي.. وبهذا الاتجاه الإسلامي المثالي يقضي على تيارات الكراهية والتعالي وحب الذات التي تغزو في شعوبيتها باسم الإنسانية لتحقيق مكاسب سيطرة لها منطوية على سطحية جاهلة في مقاصدها السيئة.