كان هذا عنواناً لأحد كتب الدكتور محمد قطب، الأستاذ السابق في إحدى الجامعات السعودية، والأخ الأصغر لسيد قطب.

مفهوم الحاكمية كان هو الفكرة الرئيسية التي كان يدور عليها هذا الكتاب، والقارىء المتفحص لفكر الدكتور محمد قطب، يسهل عليه تبين أثر هذه الفكرة على الفكر الذي يطرحه، فهو بهذا ليس إلا متأثراً بأطروحات أخيه سيد، والذي أخذ هذه الفكرة وتأثر بها من مؤلفات أبي الأعلى المودودي.

والحاكمية، كما يعرف الجميع، كانت هي المصطلح الذي رفعته جماعات الإسلام السياسي في وجه مجتمعاتها، وجعلت منها حجة لتكفيرها والثورة عليها بحجة أنها مجتمعات جاهلية.

سيد قطب كان يرى أن مجتمعات الأرض كلها جاهلية، فيقول مثلاً في كتاب معالم في الطريق : (إن العالم يعيش اليوم كله في جاهلية) هذه القناعة شاركه فيها أخاه محمد، حيث يقول في كتاب جاهلية القرن العشرين : (وصارت الجاهلية في كل الأرض هي صاحبة السلطان).

ومن الملاحظ أن الأخوين يشتركان في قبولهما لتلقي المسلمين للعلوم الطبيعية أو باللغة القطبية كما يقول سيد : (العلوم البحتة وتطبيقاتها العلمية) من مصادر غير إسلامية، غير أنهما يقفان بشدة ضد أي تلقي للعلوم الإنسانية من هذه المصادر، وهما بهذا - بالطبع - يقفان موقف المخالف على طول الخط للمفكرين العقلانيين، أمثال طه حسين وسلامة موسى، فالأول يقول في كتاب مستقبل الثقافة في مصر على سبيل المثال : (إن سبيل النهضة واضحة مستقيمة ليس فيها عوج ولا التواء، وهي أن نسير سيرة الأوربيين ونسلك طريقهم لنكون لهم أندادا، ولنكون لهم شركاء في الحضارة، خيرها وشرها، حلوها ومرها، وما يحب منها وما يكره، وما يحمد منها وما يعاب)، والثاني كتب في مقال له شهير بعنوان "السلفيون والمجددون" : (إن الحضارة كتلة متماسكة فلا يمكننا أن نأخذ بعضها ونترك البعض الأخر). محمد قطب، كان يرى في الفكر التنويري والإرجاء أكبر الخطر الذي قد يهدد الإسلام الحركي في طموحه بالقفز على كرسي السلطة، وذلك من ناحية كون التنوير هو المرجعية الفكرية للكثير من المتعلمين في الغرب، والذين نهلوا من علومه وثقافته، دون أن يتأثروا بالمفاهيم السلفية، هذا من ناحية الفكر التنويري وهو الفكر الذي عرفه محمد قطب بأنه : (حركة الإصلاح على النسق الغربي، المستفاد من أوربا)، أما من ناحية الإرجاء فكان مصدر الخطورة في هذه الفكرة بتفسيرها القطبي المتطرف أنها تقف حائلاً بين المرء وبين تكفيره للنظام الحاكم، بمعنى أن التنوير حاجز فكري يتبناه الناهلون من غير الثقافة الإسلامية، بينما الإرجاء هو حاجز ينبع من الثقافة الإسلامية ذاتها.

لذا، كان من الطبيعي أن يصب محمد قطب هجومه على هاتين الفكرتين، وتوسع كثيراً في تفسير مدلولاتهما، وأدخل فيهما رؤى وأفكاراً أخرى لا تدخل في الحقيقة تحت دائرة هذين المصطلحين، وذلك بسبب ما تعرض له المصطلح الأول من تشويه في الثقافتين العربية الإسلامية، وما يحمله المصطلح الثاني من رواسب فكرية في ذاكرة الإسلام السني، أي أن محمد قطب وبعد هجومه على فكرتي التنوير والإرجاء، أدخل كل موقف مخالف لرؤى وأفكار الإسلام الحركي في إحدى الدائرتين السابقتين، وذلك على حسب الحال، فإن كانت الفكرة المخالفة تنطلق من أسس إسلامية، فإنه يصفها بأنها من الإرجاء، وإن كانت تنطلق من أسس عقلانية، فإنه يتهمها بالعلمانية.

يقول محمد قطب على سبيل المثال في كيف ندعو الناس : (وأيا كانت الأسباب التاريخية التي أدت إلى تفشي الفكر الإرجائي، فقد أحدث مفاسد عظيمة في بنية الأمة منذ أخذت تتفلت من التكاليف، ثم يوهمها الفكر الإرجائي أنه لا بأس عليها من هذا التفلت، ما دام قلبها عامراً بالإيمان ! وتتدرج الأمة في التفلت حتى تقع في الشرك الواضح الصريح، سواء شرك الاعتقاد أو شرك العبادة أو شرك الحاكمية، ثم يظل الفكر الإرجائي يوهم الناس أنهم ما زالوا بخير، وما زالوا مؤمنين).

النص السابق يعتبر بتقديري نصاً كاشفاً، خصوصاً إذا انتبهنا لعبارة (شرك الحاكمية) الواردة في النص السابق، وراعينا أن الكتاب كان يدور حول فكر خلق (قاعدة صلبة) من المؤمنين بأهداف وغايات التيار الذي يمثله محمد قطب، تمهيداً للمرحلة الثانية، والحتمية في منظوره، المتمثلة ببدء الجهاد المقدس وإقامة الدولة الإسلامية المفقودة، مستعيداً بذلك تجربة الفترة المكية للدعوة النبوية، وما لازمها من كمون وسلم، والفترة المدنية للدعوة النبوية، وما لازمها من حرب وقتال.

وحتى لا يكون إطلاق الحكم على عواهنه فلا مناص من إيراد النصوص التالية من الكتاب المذكور :( إن وضع الدعوة الآن أقرب شيء إلى وضع الجماعة المسلمة في مكة، مع بعض الاختلاف، فإن اللجوء إلى العنف لا يخدم الدعوة، ويثير حولها من الغبش أكثر بكثير مما يوضح القضية ويبينها للناس).

ويقول أيضا: (في مرحلة من مراحل المسيرة يأتي دور توسيع القاعدة، عن طريق توجيه الدعوة للجماهير، وهذه المرحلة يمثلها في حياة الجماعة الأولى، جماعة الرسول صلى الله عليه وسلم، دخول أهل المدينة ومن حولهم من الأعراب في الإسلام، بعدما كانت القاعدة الصلبة قد تم بناؤها من المهاجرين والأنصار). ويجيب الدكتور محمد قطب على سؤال افتراضي فيما لو قدّر للصحوة الإسلامية أن تنتهج الأسلوب السابق في دعوتها فماذا سيحدث؟ فيكون الجواب : (سيحدث الصراع! وهو أمر لا مفر من حدوثه).

هذا من ناحية الإرجاء، أما من ناحية التنوير، فإن الدكتور في كتاب قضية التنوير، يقر بفضل هذا التيار في: (تذكير الناس أن لهم حقوقا على حكامهم، وهو أمر كانوا قد نسوه من زمن بعيد، منذ غابت الخلافة الراشدة) و(تخليص فريق من الناس من خرافات الصوفية وأوهامها وقعودها وتواكلها وإقناع الناس بالإقبال على العلوم الكونية والاشتغال بها) و(إخراج المرأة من عزلتها، وجهالتها، ومحدودية آفاقها، وتفاهة اهتماماتها)، مما نتج عنه إمداد الحركة الإسلامية (بشباب متنور متعلم) و(نساء متعلمات واعيات).

وهو يقر بأن موقف التيار التنويري كان موقفا إيجابيا يخالف الموقف الإسلامي في لحظة انطلاق حركة النهضة التنويرية، حيث يقول : (الطامة كانت حين توهمت الأمة- في تخلفها- أن الاشتغال بالعلوم الكونية نقص في الدين، وابتعاد عما أمر الله به! بل وصل الأمر ذات يوم بمعاهد العلم الكبرى- كالأزهر- أن ترى أن الاشتغال بالعلوم الكونية كفر أو كالكفر، وأن العلم هو علم الشريعة وحده ولا علم سواه)، ورغم إقرار الدكتور للتيار التنويري بفضله في النواحي السابقة، فإنه يؤكد وبصرامة في كتابه المذكور على أن التنويريين لن يستطيعوا أن يقدموا للأمة إلا : (مزيدا من الهجوم على الإسلام، ومزيدا من الفوضى الخلقية، ومزيدا من التبعية للغرب وبالتالي مزيدا من الضياع)، والسبب الرئيس في هذا هو عدم إيمانهم في فكرة الحاكمية!

وهو يجزم بأن التنويريين المعاصرين مثل طه حسين هم الامتداد الطبيعي لرواد التنوير مثل رفاعة الطهطاوي، مع تأكيده على أن حسن النية المتوفر عند السابقين لم يكن متوفراً عند اللاحقين، وهي قناعة لم يجد مبرراً علمياً لتبريرها.

كان هذا عرضاً موجزاً للغاية لفكر محمد قطب، الأستاذ السابق في إحدى الجامعات السعودية كما أسلفت، وأحد أبرز واضعي مناهج التعليم العام في السعودية، والذي كانت كتبه تفرض كمتطلب إلزامي في مادة الثقافة الإسلامية على أغلب طلبة الجامعات في بلادنا، والذي تخرج على يده العديد من الطلاب السعوديين، سواء كان هذا عن طريق التعليم النظامي أو عن طريق القراءة المباشرة لمؤلفاته، وهو بالمناسبة من المكثرين في التأليف.

ويبقى سؤال أخير.. هل يستغرب أحدنا الآن حين يعلم ماهو سبب اختيار أحد طلاب محمد قطب لموضوع العلمانية والإرجاء محلاً لرسالتيه الجامعيتين (أشرف عليهما محمد قطب بنفسه) في مرحلتي الماجستير والدكتوراه ؟

مع ملاحظة أن رسالة الدكتوراه المذكورة قال عنها يوسف العييري - القائد الأول لتنظيم القاعدة في السعودية - في أحد مؤلفاته: أن التكفيريين يستقون الكثير من آرائهم في التكفير منها !

كم من رسالة أشرف عليها هذا الرجل؟ وكم من مفهوم خاطئ زرع في عقل تلاميذه، وكم من متطرف خرج من عباءة هذا الفكر؟ هذا سؤال مازال يحيرني، وإن كان الجواب يقلقني بشكل كبير.