عودة إلى مضادات الاكتئاب، ولمن تصرف، وكنا قد تحدثنا قبل عدة أسابيع عن ابحاث طبية جديدة أجريت في الدول الغربية عن أن مضادات الاكتئاب، ليس كلها سلبي المنافع، بل أفادت هذه التجارب بأن الذين يتناولون مضادات الأكتئاب لفترة طويلة، قد يستفيدون منها في نمو خلايا جديدة في الجزء المعروف من الدماغ بالهيبوكامبوس أو قرن آمون في اللغة العربية، هذا أمر جديد كل الجدة، حيث إنه معروف بأن خلايا الدماغ لاتنشأ من جديد ولايعاد شفاؤها بعد أن تمرض أو أن تموت، ولكن البحث الذي تحدثنا عنه قبل عدة اسابيع و أجريت فيه دراسة على مضاد جديد للأكتئاب تبين أن هذا العلاج يعيد خلايا الدماغ في هذا الجزء المهم من الدماغ المعروف بالهيبوكامبوس، وهذا الجزء له علاقة وطيدة بالمزاج والتركيز ووظائف الدماغ المعرفية، فلذلك كان هناك أمل كبير لأن يكون هذا العلاج فاتحة خير للأشخاص الذين يعانون من الاكتئاب الشديد، وتتأثر معه خلايا الدماغ في الهيبوكامبوس. للأدوية المضادة للاكتئاب منافع كثيرة بلاشك فهي قد تعالج الاكتئاب وتغير حياة الانسان، والدليل على نجاحها هو استمرارية تعاطيها من قبل المرضى، بل وتزايد الأعداد من المرضى الذين يتعاطون مضادات الاكتئاب كل عام عن العام الذي يليه، وذلك نظراً لأن مرض الاكتئاب مرض مزعج، ومنتشر بصورة كبيرة بين الناس، حتى أن الكثيرين من الاشخاص يعانون من الاكتئاب لايعرفون بأنهم مصابون بهذا المرض المؤثر على حياة الفرد، خاصة في الدول النامية التي يعتبر الكثيرون من مواطنيها بأن هذا المرض، وأعراضه التي قد تقود إلى مضاعفات في غاية الخطورة مثل أن يقدم الفرد على إيذاء نفسه أو إيذاء من حوله، هو حالة من الاصابة بأمور غير طبية، مثل العين والحسد والمس ولكن المعروف علمياً بأن اعراض مرض الأكتئاب المعروفة، والتي تبدأ عادة باضطراب النوم عند المريض مثلاِ، ثم انخفاض مزاجه بصورة مرضية، حتى أنه يفقد الاهتمام بكل شيء بما في ذلك رعايته لأهله، وتغيبه عن عمله، وعدم رغبته في عمل أي شيء حتى أنه يفقد الشهية للأكل، ويفقد بذلك جزءاً كبيراً من وزنه، وقد يتضرر كثيراً من عدم تناوله للطعام بحيث تختل عنده المواد المعدنية في الجسم ويفقد الجسم كثيراً من المواد المهمة في تسيير عملية بقية اعضاء الجسم المهمة، فقد تتأثر الكلى بسبب نقص بعض المواد المهمة لعملها وكذلك قد يفقد الكبد بعضاً من وظائفه، ويصبح الكبد وهو من اهم الأعضاء في الجسم ضعيفاً، وأحياناً ينتهي الأمر بفشل في الكبد نتيجة عدم علاج الاكتئاب وكذلك يتأثر القلب بنقص المواد المعدنية والغذائية التي تساعده أن يستمر في عمله، من ضخ الدم إلى أجزاء الجسم حتى يمدها بالطاقة والحيوية، لذلك يصبح مريض الاكتئاب ضعيفاً، هشاً، وفي بعض الحالات لايستطيع الحركة من الهزال وعدم عمل أجهزة الجسم بشكل سليم وصحي.

(بين النساء)

إن مرض الاكتئاب كما نتحدث عنه دائماً مرض يصيب حوالي 16٪ من السكان، وفي بريطانيا تقول آخر الاحصائيات بأن نسبة مرض الاكتئاب بين البريطانيين وصل إلى 17٪ ، ومن خلال عملي في المملكة العربية السعودية، فإني أرى بأن مرض الاكتئاب ينتشر بكثرة بين السعوديين، خاصة النساء..! وأعتقد أنه لو تمت دراسة مسحية للإصابة بمرض الاكتئاب بين السعوديين لكانت النتيجة بأننا قد نتجاوز النسبة التي ذكرتها سابقاً، وأعتقد بأن نسبة الاكتئاب بين النساء السعوديات قد يتجاوز أي نسبة في أي دولة أخرى، وأعود وأقول هذه مجرد ملاحظة من شخص عمل كطبيب نفسي في المملكة العربية السعودية لفترة تصل إلى حوالي عشرين عاماً..!! وقد أكون مخطئاً، لكن هذا إحساس نابع من مراجعات النساء السعوديات في العيادات النفسية، وربما يعود ذلك لأسباب كثيرة، في مقدمتها الظروف الاجتماعية التي فرضها المجتمع والتي هي بعيدة كل البعد عن الدين الإسلامي السمح والذي آسف كثيراً لأن بعضاً من يجهلون حقيقة المرأة في الدين يستغلون أموراً شخصية ويلصقونها بالدين والدين منها براء، براءة الذئب من دم ابن يعقوب..!! على كل حال، لا أريد أن أنصب نفسي حكماً، ولكن أعتقد بأن هناك الكثيرين ممن يشاركونني هذا الرأي من الأخوة الأطباء النفسيين وكذلك الاختصاصيين النفسيين وأيضاً علماء الإجتماع الذين أعتب عليهم كثيراً لعدم، دراسة ظاهرة إجتماعية مهمة وهي الاكتئاب وظروفه الاجتماعية عند المرأة السعودية. بمشاركة أطباء أو اختصاصيين نفسيين..! الأمر الآخر في انتشار الاكتئاب بين النساء هي الظروف الفسيولوجية التي تحدث عند المرأة من تغير في الهرمونات خلال الدورة الشهرية، كذلك الأعباء الملقاة على عاتق المرأة، دون دعم كبير وواضح من الرجال المحيطين بها، وكذلك قلة الفرص المتاحة للمرأة في العمل، وعدم حريتها الكاملة في اختيار شريك حياتها، وكثيراً ماتعيش المرأة حياة زوجية تعيسة ولكنها مضطرة إلى ذلك بسبب الظروف التي تجبرها على أن تستمر، حيث لايوجد بديل آخر في كثير من الأحيان.!!

ماذا عن الاكتئاب عند الأطفال وعلاج الاكتئاب عند الأطفال؟

أعود إلى دراسة أعدتها الهيئة القومية للصحة في بريطانيا، حيث يقول خبراء في مجال الطب بأن الأدوية النفسية لايجب أن توصف للأطفال والمراهقين المصابين بالاكتئاب..! وأظهرت دراسة أعدتها الهيئة القومية للصحة والدقة في بريطانيا إنه لاينبغي وصف الأدوية في الحالات البسيطة وإنما يمكن وصفها في حالات الأكتئاب المتوسطة والحادة فقط.! وتقول الهيئة إن صغار السن ينبغي علاجهم أولاً باستخدام العلاج النفسي لمدة لاتقل عن ستة أشهر..!

مكمل وليس بديلاً:

وأظهر البحث الذي أجرته المؤسسة الخيرية أن أكثر من ثمانين بالمئة من صغار السن المصابين بالاكتئاب يتم وصف الأدوية المضادة للاكتئاب لهم في حين لايتجاوز نسبة المراهقين الذين يمنحون علاجاً باستخدام الاستشارات النفسية نسبة ستة بالمئة. وشددت الهيئة الطبية على ضرورة أن يكون العلاج الدوائي مكملاً وليس بديلاً للعلاج النفسي الذي يتم تقديمه.

ويذكر أن أكثر من نصف أدوية مضادات الاكتئاب من أحد الانواع قد منعت بشكل كامل عن المراهقين في بريطانيا بسبب المخاوف من تسببها في ارتفاع نسب الانتحار بين صغار السن.

وحذرت الهيئة من أن نسبة كبيرة من المراهقين الذين يصابون بالاكتئاب لايتم تشخيص حالاتهم، مما يعرضهم لخطر إيذاء أنفسهم أو الانتحار في الحالات الحادة (كما ذكرنا في بداية المقال).

عالجوا الاهل أولاً:

وطالبت الهيئة أن يتم تدريب الموظفين الطبيين في المدارس الابتدائية على تشخيص أعراض حالات الاكتئاب وتحديدا الأطفال أو المراهقين المعرضين للخطر.

كما أشارت الدراسة إلى أنه في بعض الأحيان يجب معالجة المشاكل النفسية للآباء والامهات بالتوازي مع المشكلة النفسية لأولادهم حتى يمكن علاجها.

وقال أندرو ديلان رئيس الهيئة القومية إن العلاج النفسي هو أفضل الوسائل لمعالجة الاكتئاب عند المراهقين والأطفال.

غير أنه حذر من التوقف المفاجئ عن تناول هذه الأدوية وقال:

لكنني لا أنصح بالاستمرار فيها ولكن ينبغي استشارة طبيب متخصص في المرة القادمة هل من الممكن الاستعاضة عنه بجلسات العلاج النفسي أو اللجوء اليها لتكملة العلاج.

ماورد في تقرير أو دراسة الهيئة القومية البريطانية للصحة والدقة، حول علاج الاكتئاب عند الاطفال والمراهقين، يطرح أسئلة كثيرة في الدول التي ليس لديها خدمات نفسية متخصصة في علاج الأطفال. فالاطباء النفسيون قليلون ولايكفون لعلاج الحالات الحادة في أكثر الدول النامية، رغم أن ليس جميع المرضى يذهبون للعيادات النفسية سواء الحكومية أو العيادات الخاصة.

اذاً كيف نواجه النقص المريع في الخدمات النفسية المطلوبة لعلاج الأطفال، خاصة ونحن في عصر تزداد فيه المشاكل الصحية النفسية بالنسبة للأطفال والمراهقين، خاصة في مجتمعنا وظروف التغير التي يمر بها مجتمعنا، في ظل الانفتاح الكبير على العالم الخارجي عبر القنوات الفضائية الخارجية والتي اصبحت خارج نطاق سيطرة الاسرة في كثير من الاحيان.

ثمة أمر آخر وهو تنامي سرعة الحياة الحديثة في مجتمعنا والذي جعل من المراهقين اقل مراقبة من قبل والديه، خاصة إذا كان الوالد يعمل والوالدة كذلك تعمل في الصباح وبعد عودتها تكون مشغولة في أعمالها المنزلية، رغم أن هناك كثيراً من الأسر تعتمد على المربية أوالخادمة، وربما قاد هذا إلى تشوش في تربية الطفل الذي يصبح مراهقاً، وقد يعاني من مشكلات نفسية ولايجد هناك من يأخذ بيده، ويساعده في حل هذه المشكلات قبل أن تستفحل. صحيح أن هناك فرقاً بين المشكلات النفسية والامراض النفسية اوالعقلية. ولكن كثيراً من المشكلات النفسية تتحول إلى امراض نفسية، خاصة الاكتئاب، والذي لاحظنا ايضاً إزدياد نسبة المصابين بالاكتئاب بين المراهقين والاطفال، حيث بينت دراسة في الولايات المتحدة الامريكية بأن نسبة الاصابة بالاكتئاب بين المراهقين يصل إلى 13٪، وهو رقم عال بكل المقاييس، خاصةً إذا علمنا أن اعراض الاكتئاب عند المراهق تختلف عنها عند البالغين، اذ تتخذ الاعراض نماذج سلوكية مزعجة للأهل مثل العنف واستخدام المخدرات والهروب من المدرسة، وقد ينتج عن هذا المرض مشاكل قانونية، ويعامل المراهق كمجرم وليس كمريض، وبالتالي تحدث هنا الكثير من المشاكل العائلية.

لدينا في المملكة نقص كبير في قطاع المتخصصين في العلاج النفسي، لذلك فيلجأ الاطباء إلى الادوية المضادة إلى الاكتئاب في حالة تشخيص الطفل والمراهق بالاكتئاب، وسيظل الأمر كذلك حتى يتيسر وجود مثل هؤلاء المتخصصين.. وحتى ذلك الحين سنبقى في الحال نفسه الذي حذرت منه الهيئة البريطانية الصحية.. ونأمل أن يكون للصحة المدرسية دور مهم، وحتى ولو تم بالتدريج، فهناك حاجة ماسة إلى أن يصبح الاخصائي النفسي او الاجتماعي (اذا كان مثل هؤلاء موجودين..!) في أن يتم تثقيفهم عن مرض الاكتئاب وكذلك بقية الامراض النفسية الأخرى..!