تُعَدُّ الوثائق من أهم موارد التاريخ ومصادره وبخاصة في شقه الشعبي أي تاريخ عامة الأشياء كالعادات والتقاليد والمبيعات وسبل التعامل وتوثيق العقود أياً كان نوعها وما إلى ذلك من أمور تتم بين عامة الناس. وإلى جانب جهود المركز البحثية المتخصصة ذات النشاط الملحوظ والملموس مثل دارة الملك عبدالعزيز ومكتبة الملك عبدالعزيز ووكالة الآثار والمتاحف، ومكتبة الملك فهد الوطنية، ومركز الملك فيصل والمراكز الأخرى التي غابت عني لحظة كتابتي، هناك عدد من الباحثين الذين اهتموا بتوثيق تاريخنا من خلال استخدام الوثائق فمنهم من تصدى للوثائق الأجنبية كالتركية والانجليزية والأوروبية الأخرى، ومنهم من اهتم بالوثائق، ومنهم من اهتم بتوثيق وتحقيق الشعر الفصيح واستخدمه كمصدر للتاريخ كما هي الحال في ديوان أين المقرب العيوني الذي يعتبر من أهم مصادر تاريخ الدولة العيونية، ومنهم من اهتم بتوثيق الشعر الشعبي من أفواه الرواة ومن الوثائق المحلية كما هي الحال في أعمال الأستاذ محمد سعيد كمال، والشيخ عبدالله بن محمد بن خميس وموسوعة الشيخ أبي عبدالرحمن بن عقيل الظاهري (الشعر العامي في نجد) وأعمال الأستاذ الدكتور سعد بن عبدالله الصويان وأعمال الأستاذ الدكتور عبدالله بن صالح العثيمين وغيرهم من الباحثين في المجال ذاته، ومنهم من حقق المخطوطات التاريخية المحلية ووثقها وضبطها ونشرها لتُقرأ من عامة الناس ومتخصصيهم. ومن بين المهتمين بجمع وتصنيف ونشر الوثائق المحلية الأستاذ فايز بن موسى البدراني الحربي الذي يبدو من أعماله المنشورة أنه تخصص في وثائق منطقة المدينة المنورة أكثر من غيرها.

وبهذا الخصوص صدر حديثاً كتابان للأستاذ فايز الحربي، الكتاب الأول صدر بعنوان (أشهر القضاة وكتبة الوثائق في وادي الفرع بمنطقة المدينة المنورة 1000هـ - 1350هـ) في طبعته الأولى المنشورة عام 1425هـ/2004م في أربعمائة وستة وسبعين صفحة من الحجم العادي. اشتمل الكتاب على مقدمة، فمنهجية الدراسة، فتعريف بمنطقة البحث، فالوضع العام التعليمي في منطقة الحجاز خلال فترة البحث، فالوضع القضائي في منطقة الحجاز خلال فترة البحث، فأمثلة ونماذج للكتابات القضائية خلال فترة البحث، فتنبيهات مهمة لدارسي الوثائق التاريخية، واستغرق جميع ما ذكرت أربعاً وثلاثين صفحة من الكتاب.

وبعد ذلك جاءت مادة الكتاب وهي عبارة عن تراجم كتبة الوثائق موضوع الدراسة حيث ترجم المؤلف لثلاثمائة وواحد وعشرين علماً استغرقت تراجمهم أربعمائة وأربع عشرة صفحة من الكتاب، ثم جاءت المراجع، ثم الفهارس، ثم إشارة إلى ثمانية وعشرين قاضياً وكاتب وثائق عرف المؤلف عنهم بعد انتهائه من تأليف كتابه فرصد أسماءهم.

أما الكتاب الثاني فصدر في طبعته الأولى بعنوان (وثائق تاريخية من منطقة المدينة المنورة: القسم الأول، وثائق وادي الفرع، الجزء الأول 1000- 1180هـ). ظهر الكتاب بالحجم العادي وبتسعمائة وثلاث وتسعين صفحة، منها تسع وعشرين صفحة تطرق فيها الكاتب إلى عدد من المواضيع بدأها بكلمة شكر وتقدير، ثم مقدمة، ثم أهمية الوثائق الأهلية بين المصادر، ثم طريقة التعامل مع الوثائق في البحث، ثم تعريف بمنطقة البحث (وادي الفرع)، ثم دخل في موضوع الكتاب وهو الوثائق التاريخية والتي استغرقت من الكتاب تسعمائة وأربعاً وستين صفحة اشتملت على ستمائة وسبع وستين وثيقة. نشر الباحث الوثائق بلغتها ومفرداتها، وبوضع ترويسة أعلى بداية حديثة في الوثيقة يبين فيها رقم الوثيقة التسلسلي في دراسته، ثم تاريخ الوثيقة الفعلي، ثم مصدرها، ثم نوعها، ثم حالتها.

والكتاب كما يتضح من عنوانه يوثق لحقبة من الزمن من اغمض حقب تاريخ الجزيرة العربية عامة والمملكة العربية السعودية خاصة. فترجمة كتاب الوثائق والقضاة تُعَدُّ بحد ذاتها تاريخاً لجزء من تاريخ مفقود حيث إن الإضافة تشمل الجانب الاجتماعي، والجانب الاقتصادي، والجانب القضائي، والجانب السياسي، والكتابة، والمادة المستخدمة في الكتابة، والأدوات، وطريقة الكتابة، والألفاظ المستخدمة وأمور عديدة ومفيدة أخرى.

ويتجلى من دراسة تلك الوثائق أمور عديدة منها على سبيل المثال حرص أولئك الناس الذين عاشوا قبل أربعمائة سنة على تثبيت عقودهم وتحديد مباعهم ومشتراهم لكيلا يرتابوا، فتجد الكاتب يحدد الجهات إن كان المباع أرضاً ويحدد النوع والحالة إن كان المباع شجرة أو دابة ويبين الشروط والالتزامات من كلا الطرفين، البائع والشاري، ويثبت شهادة الشهود ويشهد أكثر من شاهدين وقد يكون هو شاهد على الصفقة بالإضافة إلى الشهود، فهناك حرص شديد على تبيين المبايعة وتوضيح التزاماتها لئلا يقع خلاف فيما بعد تدوين وثيقة المبايعة. وتشمل الوثائق توثيق مبايعات تتم على قدور أو أوان، ووثائق تدون بشأن الأوقاف والأسبلة، وإنهاء الخلافات الدموية وغيرها، وتوثيق الهبات، وتدوين المخالصات، وإثبات القسمة بين المشتركين في بستان أو أي عرض من أعراض الدنيا وغير ما ذكرت مما يتم بين الناس في حياتهم اليومية.

ويتضح من محتوى الوثائق أنواع النقود المستخدمة مثل الأحمر والقرش والحرف والأشرفي الفضي وغيره وربما حُدد نوع العملة بإضافة كلمة أخرى إلى نوع معدنه. ويتبين أن لشجرة النخيل أهمية قصوى في حياة إنسان ما قبل الوقت المعاصر إذ نجدها تسيطر على مبايعاته بل قد توثق الوثيقة الواحدة شراء نخلة واحدة أو أربع نخلات. كما أن هناك شراء الأراضي والتي يغلب عليها صغر المساحة إن كانت قريبة من أماكن العمران. ويتبين أن مزارع الأمس كانت صغيرة تتقاسمها أُسر عديدة.