عاشت المرأة في وسط الجزيرة العربية وتكيفت مع ظروفها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية- لاسيما في القرون المتأخرة- ظروفاً استثنائية وأحداثا وصراعات متواترة، فعلى الرغم من أن التاريخ المدون والتراجم المتوفرة لأبرز الشخصيات الفاعلة في تاريخ بلادنا ظل طي الكتمان - كما هو الحال في كثير من مجتمعاتنا العربية- لاسيما فيما يتعلق بتراجم النساء اللائي حفظت لنا بعض دواوين الشعر والأدب الشعبي جزءًا ضئيلاً من تاريخ نضالهن ومعاناتهن جراء الحروب والظروف المعيشية الصعبة التي تمثلت بمعظمها في اختلال الأمن جراء تعاقب الدول والممالك بين فترة وأخرى كما تمثلت في الظروف الاقتصادية وضعف وندرة الموارد الطبيعية، والتي كان للمرأة حضورها الفاعل على مستوى المجتمع والقبيلة وحتى الدولة، بيد أن ذلك كان بعيداً عن أقلام ودواوين المؤرخين والرحالة الباحثين.

وتميزت نورة بنت عبدالله بن علي بن رشيد وهي إحدى نساء القرن الثالث عشر الهجري، وزوجة الإمام عبدالله بن فيصل بن تركي بالعديد من الخصال الحميدة والمكانة الاجتماعية ونشأت في بيت إمارة ومنعة.

والدها «أمير الجبل» والساعد الأيمن للإمام فيصل بن تركي وعمها «عبيد» أحد أشهر رجال المرحلة

النشأة

نورة بنت عبدالله بن علي بن رشيد إحدى نساء القرن الثالث عشر الهجري، وزوجة الإمام عبدالله بن فيصل بن تركي وقد آلت إمارة حائل إلى والدها الأمير عبدالله خلال الفترة من 1251 إلى 1263ه ووالدتها هي سلمى ابنة الأمير محمد بن عبدالمحسن بن علي ( ت 1234ه / 1819م) الذي كانت أسرته تتولى إمارة مدينة حائل، وكان مولد نورة في مدينة حائل أواخر العقد الخامس من القرن الثالث عشر الهجري على وجه الترجيح ولعلها سميت بنورة تيمناً باسم عمتها نورة بنت علي بن رشيد، شقيقة والدها كما تقول الدكتورة دلال الحربي.

نشأت الأميرة نورة في بيت إمارة ومنعة فوالدها كان أمير منطقة الجبل وعمها "عبيد" أحد أشهر رجال المرحلة والقادة والشعراء غير أن علاقتها الوطيدة مع شقيقها الأصغر محمد كانت إحدى ركائز حكمه ونفوذه حيث وصفها مبعوث روسيا إلى نجد عام 1310ه "البارون إداوارد نولده" بأنها" شقيقته المحبوبة ورفيقة صباه " لاسيما وأن الأمير محمد تولى زمام إمارة حائل وبدأ توسيع إمارته وكان كثيراً ما يعتزي بشقيقته نورة بقولة "أخو نورة" ولأن اسم نورة كان منتشراً بشكل كبير بين سكان الجزيرة العربية ولأن من عُرف العرب أن يعتزوا بالشقيقة الكبرى، فقد حمل هذه "العزوة" كثير من رجالات المرحلة لعل من أبرزهم القائد المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن.

بيت إمارة

وصفت الأميرة نورة – رحمها الله- بالجمال ويقول المؤرخ الدكتور عبدالله بن صالح العثيمين – رحمه الله- من "المرجح أن خصالها الحميدة وجمالها، ومكانتها الاجتماعية وشرف نسبها هي التي دفعت الإمام فيصل بن تركي صديق والدها الحميم إلى خطبتها لابنه عبدالله هذا مع عدم إغفال أنها سليلة بيت إمارة وشرف ويرجح أن زواجها كان قد تم بين عامي 1259 و 1260 على وجه التقريب كما تقول الدكتورة دلال الحربي وذلك حين كان الأمير عبدالله بن رشيد في زيارة للرياض حين وافق على طلب صديقه الإمام فيصل مشترطاً أن تتم مراسم الزواج في مدينة حائل فوافق الإمام فيصل حيث توجهت - فيما بعد - نورة إلى الرياض بصحبة أخيها الأكبر طلال، وفقاً لما ذكره ضاري بن فهيد الرشيد في نبذة تاريخية عن نجد، على أن هذا الزواج لم يكن الوحيد الذي يربط ويجمع بين الأسرتين فيذكر بعض الباحثين أن والد الأميرة نورة الأمير "عبدالله بن علي آل رشيد" تزوج ب"الجوهرة" بنت الإمام "تركي بن عبدالله"، كما أن "عبدالله" ابن الإمام "فيصل بن تركي" تزوج بعد وفاة زوجته نورة بنت الأمير "عبدالله بن رشيد"، من ابنة عمها "طريفة بنت عبيد بن رشيد" التي عرفت بأعمالها الإنسانية ومبراتها الخيرية التي بنتها في مدينة الرياض والتي ينسب لها الموقع المعروف بوسط الرياض والمعروف باسمها "طريفة" كما ذكر ذلك خالد السليمان في "معجم مدينة الرياض"، ولما توفي عنها زوجها الإمام عبدالله تزوجها شقيقه "محمد بن الإمام فيصل بن تركي، بيد أنها لم تنجب من الاثنين.

الأمير عبدالله

عرف والد الأميرة نورة بأنه أول أمراء أسرة آل رشيد من حائل وهو الأمير والشاعر "عبدالله بن علي بن رشيد" -أمير منطقة الجبل والساعد الأيمن للإمام فيصل بن تركي-، والذي وصفه "ابن بشر" بأنّه: "ذو رأي وشجاعة"، ووصفه "الفاخري" قائلاً: "كان صارماً مهيباً، أرجف الأعراب بالغارات حتى خافه قريبهم وبعيدهم"، وقال فيه "فالين" الذي أعجب بشخصيته "عبدالله" وأخيه "عبيد": "أضف إلى ما تقدم ذكره من صفاته الشخصية الفريدة وشجاعته ورجولته وعدله وعلى قسوته أحياناً، والمحافظة على وعده وعهده، لم يعرف عنه أنه نكث وعداً أعطاه".

وهو عبدالله بن علي بن رشيد بن خليل بن عطية من الربع –الربعية- من آل خليل من آل جعفر من عبدة"، سليل إحدى أكبر قبائل شمر التي تتفرع منها عدة بطون، ك"أسلم" و"سنجارة" و"عبده"، التي منها أبناء العمومة "آل علي" و"آل رشيد"، وتتفرع أسرة "آل رشيد" إلى ثلاثة فروع هم "آل عبدالله" و"آل عبيد" و"آل جبر"، ويلتقي "آل علي" بأبناء عمومتهم "آل رشيد" في الجد الخامس "عطية"، حيث إنّ "علي" جد "آل علي" و"خليل" جد "آل رشيد" إخوان، و"عطية" من "الربع" من "آل جعفر" من "عبده"، إحدى أكبر قبائل شمر من قبيلة "طيء" العربية، التي تعود إلى "كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان"

إمارة الجبل

سبق تولي الأمير "عبدالله بن رشيد" لإمارة (الجبل) أحداث يجدر بالباحث أن يطلع عليها، إذ مع نزوح بعض بطون "شمر" إلى (العراق) بقيادة شيخها "مطلق الجربا" -رحمه الله- عام 1205م -وفقاً لما ذكره "ابن غنام" في (تاريخ نجد)، وما ذكره "الفاخري" في (الأخبار النجدية)-، وعيّن الإمام "عبدالعزيز بن محمد بن سعود" الأمير "محمد بن عبدالمحسن بن فايز آل علي" أميراً على (الجبل) -وفقاً لما ذكره "راشد بن علي الحنبلي" في (مثير الوجد في أنساب ملوك نجد)-، إلى أن قتل الأمير "محمد بن عبدالمحسن -رحمه الله- أثناء حروبه مع قوات "إبراهيم باشا" عام 1234ه، وتولى بعده الأمير "صالح بن عبدالمحسن آل علي" في عهد الإمام "تركي بن عبدالله" -كما أورد ذلك "ابن بشر"-، ثم تولى الأمير "عيسى بن علي"، وكان الأمير "عبدالله بن علي بن رشيد" وأخوه "عبيد" قد تربيا مع "عيسى" ابن الأمير "محمد بن عبدالمحسن"، بل وتزوج الأمير "عبدالله بن رشيد" من ابنة الأمير "محمد بن عبدالمحسن" -وفقاً لرواية "ضاري الرشيد"-.

وبعد أن أثبت الأمير "عبدالله" شجاعته في صد إحدى الهجمات التي تعرضت لها إمارة (الجبل) في عهد ابن عمه "صالح بن عبدالمحسن آل علي"، انحدر هو وأخوه "عبيد" إلى (العراق) -أثناء ولاية "داود باشا"- بعد أحداث يطول شرحها، حيث نزلا عند الشيخ "صفوق الجربا"، وكان الوالي العثماني ل(لعراق) "داود باشا" قد أهدى الأمير "عبدالله بن رشيد" غزالاً من ذهب؛ نظير جهوده وبطولاته التي قاد فيها بعض الجيوش هناك، والتي حصل "داود باشا" من خلالها على حصيلة كبيرة من الغنائم، وقد أهدى "ابن رشيد" هذا الغزال للإمام "تركي بن عبدالله" عند عودته إلى (الرياض)، -كما ذكر "سليمان بن صالح الدخيل" في مخطوطه (القول السديد في أخبار إمارة الرشيد)، ومع "عودة عبدالله بن رشيد" إلى (الرياض) حظي بتكريم من الإمام "تركي بن عبدالله".

زواج استثنائي

تقول الدكتورة دلال الحربي إن البعض رأوا أن زواج الأميرة نورة من الإمام عبدالله بن فيصل بن تركي جاء استثناءً –على الرغم من حدوث حالات مشابهة - في أسرة آل رشيد، ذلك لوقوعه خارج إطار الأسرة والقبيلة ، إذ كانت المصاهرة تتم عادة في محيطهما وفقاً للتقاليد السائدة آنذاك ، وقد عزز هذا الزواج علاقة أسرة آل رشيد بآل سعود، كما أن علاقة الأمير عبدالله بالإمام فيصل بن تركي بن عبدالله ازدادت رسوخاً وقرباً، وقد رزقت الأميرة نورة بولدها "تركي" الذي اختلف المؤرخون في سنة وفاته حيث توفي قبل وفاة والده الإمام عبدالله بن فيصل كما اختلف المؤرخون أيضاً في انفصال الأميرة نورة عن زوجها الإمام عبدالله من عدمه ففي حين يثبتها "لوريمر" فإن ضاري بن فهيد الرشيد ينفيها ويرى أنها توفيت وهي زوجة له.


قصيدة ابن رشيد في الإمام فيصل بن تركي تؤكد العلاقة الوطيدة بينهما

اشتهرت نورة الرشيد عند قومها بطيب خصالها ومكانتها الاجتماعية

آلت إمارة حائل لعبدالله الرشيد(والد نورة)خلال الفترة من 1251هـ إلى 1263هـ

عرف والد نورة في حائل بالشجاعة والصرامه والقوة

منصور العساف