يهدف تأسيس هيئات التطوير للمناطق أو المدن، التي يبلغ عددها حالياً في المملكة خمس هيئات تطوير إلى إيجاد جهة اختصاص عليا، تتولى مسؤولية التطوير الشامل للمنطقة أو المدينة بكافة أبعاده، بحيث يتوفر لجميع الجهات العاملة في المنطقة أو المدينة القاعدة المشتركة التي تنطلق منها جميع أعمال هذه الجهات، بما يضمن كفاءة انجاز هذه الأعمال، واستيفائها لاحتياجات سكان هذه المناطق أو المدن، إضافة إلى التنسيق فيما بينها لتلافي أي قصور يمكن أن ينشأ، ومعالجة أي مشكلات قد تظهر وتكون في الغالب ذات أسباب متعددة ومتداخلة، يستعصي على جهة واحدة معالجتها بصورة منفردة.

مجالس هذه الهيئات للتطوير التي يرأسها أمير المنطقة وتتألف عضويتها في الغالب من جميع القطاعات الحكومية العاملة في المنطقة أو المدينة التنموية منها والخدمية والقطاع الخاص والأهالي تمثل القيادة الموحدة لأعمال التطوير لهذه الجهات، فمن خلالها تتسنى إمكانية تحقيق الأهداف من وراء تأسيس هذه الهيئات لاسيما حين يكون ضمن الهياكل التنظيمية لهذه الهيئات جهاز تنفيذي إداري وفني، يتولى تنفيذ مهام الهيئة سواء كانت تنظيمية أو تخطيطية أو تنفيذية أو ما تستلزمه تلك المهام من تنسيق مع أطراف أخرى.

قطاع الإسكان لدينا وإن كان محل اهتمام وعناية هذه الهيئات جميعاً بحكم أن الاسكان عنصر أساسي من عناصر الخدمات في المنطقة أو المدينة، يمكن وصف العلاقة المباشرة فيما يتعلق بشؤونه بين هيئات التطوير والمؤسسة المعنية بهذا القطاع بأنها غائبة أو لربما نقول إنها شبه غائبة، ليس فقط على مستوى التمثيل بمجالس هذه الهيئات التي اعتقد أنها مهمة باعتبار أنها هي من يحتضن نشوء هذه العلاقة المشتركة ويوطدها وإنما كذلك في المهام التي تمارسها الهيئات ضمن نطاق اختصاصها من تنظيم وتخطيط وتنفيذ، فالخبرة العميقة لبعض هذه الهيئات التي ربما تزيد عن الأربعة عقود في التطوير الشامل لبيئات عملها كما هو الحال في الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض هي في الواقع من انجبت لنا على سبيل المثال نموذجين مثاليين للحي السكني المتكامل في عناصره تخطيطاً وتنظيماً وتنفيذاً وإدارة وتشغيلاً بمدننا، هما حي السفارات وحي إسكان موظفي وزارة الخارجية، ناهيك عن الرصيد الغني من الدراسات التي أنجزتها والملتقيات العلمية التي نظمتها في شأن تطوير البيئة السكنية بمدينة الرياض تحديداً، ومناطق المملكة بوجه عام، فلماذا لم تنشأ هذه العلاقة المشتركة بينهما إلى الآن..؟ ولماذا نستمر في العمل والاهتمام بهذا القطاع ضمن نطاق جزر معزولة..؟ فنشأة هذه العلاقة وتجذرها واتساع مجالاتها سنجني منه بالتأكيد بزوغ فجر جديد لعملية التطوير الشامل للبيئة السكنية في مدننا، الذي يبني لها مستقبلا أفضل، ويوقف استمرار طوفان المنهج الحالي المكلف والمبعثر لهذه العملية والمشتت لجهود أطرافها.