أثناء تحرك القافلة أو توقفهم للراحة كان المستشرقون الأوربيون ومنهم البريطاني جيرالد دي جويري يحرصون على التقاط ما يتم عادة تداوله من حكايات وروايات عابرة على ألسنة الأدلاء والمرافقين وهي وان كانت في نظر رواتها مجرد تسلية يملؤون بها فراغ الطريق الطويل ويقطعون بها روتين الصمت الممل الا أنها تبقى محل عناية واهتمام الأوروبي الشغوف بالمعرفة مهما كانت قيمتها وكثيرا ما تأتي لتفتح له آفاقا أخرى من الأسئلة والحوارات أو يكتفي بها كما جاءت على لسان رواتها ليجعل منها وجبة خفيفة تفصل بين ثنايا يومياته.

ومن هذه الناحية ووفقا لكتاب روايات غربية عن رحلات في شبه الجزيرة العربية للدكتور عبدالعزيز عبدالغني: يحكي الوزير البريطاني جيرالد جويري عن الحرب العربية أو بالأصح حرب القبائل العربية في الصحراء ويسند روايته إلى سالم العجمي دليل دربه عام 1935م وهم في الطريق من الهفوف للرياض فيذكر على لسانه ان حرب الفروسية التي تجري بين القبائل يحتفظون لها بعادة عربية قديمة حين بدأت تلك الحروب. فعادة ما ينتظم المحاربون حول عذراء من ذوات الحسن والجمال الفائق من بنات أحد شيوخ القبائل. ويقصد فيها ما تسمى بالعطفة أو فتاة عطفة الحرب تركب هذه البنت الشهيرة بجمالها كما قال بعيرا أبيض ( أوضح ) في هودج مكسو بالقماش القرمزي والأزرق. مزين بريش النعام, وتظل تجوب منطقة الجيش بين القائد وحامل راية الحرب جيئة وروحه وفي هذه الفترة تقوم الكشافة (العيون) من فرق الاستطلاع الذين يمتطون صهوات الجياد برصد مواقع العدو, وحين يتحققون ويعودون بتقاريرهم يعطي الشخ الأمر للمحاربين بالهجوم, بينما تقوم الفتاة المذكورة بإنشاد أغنية حرب خاصة بالقبيلة, فيندفع الشيخ منتفضا إلى المقدمة بينما تردد الفتاة وهي تصيح بأعلى صوتها " هل في القبيلة رجال يحتملون أن يقال عنهم أنهم تقهقروا في يوم النصر, وتأخذ الفتاة في تقريع الجبناء المتوهمين, ويتدافع الجميع خشية أن يظن بأي منهم أنه تقاعس وهو في حضرة أكثر البنات في عالمه جمالا ومكانة, وهذا أمر لا يستطيع أي رجل في القبيلة أن يحتمله, ويأخذ الراكبون في التقدم, كل منهم يبذل ما في وسعه ليسابق الآخر ويشهد له زملاؤه بذلك, ولتبصره تلك الفتاة الجميلة تراهم يتدافعون ويرددون ما يدفع عنهم سخريتها من الجبناء, وتتوالى قذائف الطلقات, وترى الشيخ أو العقيد أو المختار( هكذا يقول) تحيط به ثلة من خدمه ورجاله الأوفياء, ينتخي بنخوة القبيلة, وهو يشق الصفوف ويتقدم الخطوط ليلتحم مع العدو.

ويقول دي جويري على لسان سالم أيضا أن الجيش حين يتحرك ليلا يدلج ولا يستعمل أي مصدر من مصادر الضوء. وذلك لدواعي الأمن. ويجب أن يكون في الجيش منشد يطرد ما في قلب الليل من أسرار, ويدفئ برده كما يدفئ دماءهم, استعدادا لحرب اليوم التالي, بأناشيد وبمدائح من التراث تمجد الرسول صلى الله عليه وسلم. ويستمر الشاعر مدة سبع ساعات حتى منتصف الليل في أهازيجه وأناشيده ومدائحه. ويضيف الرحالة نقلا عن سالم أن العجيري - من أهل الحوطة – منشد الملك عبدالعزيز كانت أناشيده تأخذ بألباب القوم, وحين يصمت لا تكاد تسمع شيئا الا وقع أخفاف الإبل وجلبة السلاح, وما يلبث الملك أن ينادي على الرجل بصوت جهوري (علل الجيش يالعجيري..!) يطلب منه تعليلهم بروايات التراث وقصائد الحماس. هذا ما حكاه سالم, وربما حملت هذه الروايات آخر حكايات هذه الاحداث التي لن تتكرر بعدئذ على هذا النحو.

وبالتوقف عند العجيري فلعله يقصد الأديب الراوية عبدالله بن أحمد العجيري أحد الرجال الذين اختارهم الملك عبدالعزيز ليكونوا بصحبته في حله وترحاله ، وكانت وظيفته المميّزة القراءة واستعراض المختار من كتب التراث في الرّكب الملكي على ظهور العيص، ثم السيارات لاحقا وفي المجالس عندما يميل الرّكب إلى الراحة بعد الإدلاج والسهر ليلاً أو القيلولة نهاراً. وكان العجيري وهو من أهالي الحوطة بالفعل ضمن مجموعة من العلماء والقضاة والأئمة والمرشدين الذين كان يأنس بهم في مجالسه العامة، وفي غزواته الكثيرة إبان توحيد الجزيرة العربية وإرساء قواعد الأمن فيها،

يختم جيرالد بموقف طريف من حكايات الطريق مع مرافق آخر رواه على النحو الآتي: جاءني سعيد بعد العشاء يستفسر عن أوروبا فأخرجت له أطلسا, وراعني أنه أظهر اهتماما بالأمر يفوق توقعاتي. كتبت له أسماء بعض المدن الكبرى بالعربية, وأوضحت له أن الخط الأحمر على الخريطة يظهر حدود الإمبراطورية البريطانية, وقلت له: هي كما ترى شاسعة جدا. ألقى سعيد على الخريطة نظرة فاحصة, وجال ببصره عليها من أولها لآخرها, وكان تعليقه أن الخط الأحمر الذي يمثل الإمبراطورية البريطانية على الخريطة يجعلها تبدو كأن العالم لم يعان المرض. وقبل أن استفيق مما انتابني, أضاف الرجل انه لم يكن يدري قبل رؤيته الخريطة أن العالم مربع تقع الخرطوم في منتصفه, وما كان مني الا أن أخرجت مفكرة الجيب, واثبت فيها ضرورة أن تحدد الإمبراطورية باللون الأخضر, لون السلام ولون الإسلام, ثم رحت ابذل جهدا مضاعفا قبل أن آوي إلى سريري لأوضح لسعيد شكل العالم على الطبيعة.


العطفة تزرع الحماس في قلوب الفرسان

هودج العطفة يزين بالقماش وريش النعام ويشد على الجمل لتجلس فيه الفتاة