هذا التشكيك في هويتنا وفي دورنا الحضاري المتراكم والممتد على مدى قرون جعل الكثير منا لا يرى ما نملك من مخزون حضاري كبير وأساسي يفرض وجوده على التاريخ العربي بشكل عام

محاولة صنع هوية جديدة والتنكر للجذور لهما عواقبهما الوخيمة جدا، فمثلا لا يمكن أن أبحث عن منابع للهوية في الجزيرة العربية غير تلك المنابع التي شكلت الحضارة العربية وألهمت ثقافتها عبر العصور، فنحن لسنا بحاجة للبحث عن إثبات الوجود بقدر ما نحن بحاجة إلى تأكيد الجذور التي قامت عليها الحضارة العربية والتي أتت من هنا، من جزيرة العرب.

المسألة كما أراها هي في كيف يمكن تأصيل الهوية واعادتها إلى منابعها الأولى، فكل شيء له بداية ويجب أن نكون على قناعة تامة أن البدايات كانت من الأرض التي نعيش عليها، أما كيف نمت الهوية الحضارية وكيف ترعرعت في أماكن بعيدة عنا، فرغمم أهميته، إلا أنه لا يلغي البدايات التي ينبع منها الجديد دائما، فالأصل هو المصدر، ولا يمكن أن نبني هوية على ما ولد من الأصل وتشكّل منه.

هذا الحديث دار بيني وبين أحد الزملاء الذي كان يقول لي إنه يفكر في تطوير نمط خط بالعربية ويسميه تسمية محلية، فقلت له يا أخي إن كل الخطوط العربية خرجت في الأصل من هذه البقعة، ولدينا الخط الحجازي القديم الذي هو أصل كل الخطوط العربية، فلماذا نبحث عن نمط جديد ننسبه لأنفسنا وننسى الأصل؟ مثله مثل الشعر العربي الجاهلي الذي تشكل مخياله عبر جغرافية هذه الأرض وتشكلت صوره في صحرائها وسهولها وبين جبالها وسجل كل معالمها وأنماط الحياة فيها. فإذا كان نمط الخط الذي نفكر فيه سيولد من الأصل فمرحبا به، وضربت له مثالا لخط "المقلة" الذي طوره الفنان المصري أحمد مصطفى الذي يقيم في لندن، فهذا الخط يرتكز على نسب فنية عالية طورها في الأصل "ابن مقلة" ووضعها مصطفى في قالب فلسفي فني عميق، ومع ذلك فهو لا يستطيع الخروج من الأصل وسيبقى مخلصا له.

الهوية كمصدر حضاري لابد لها من نبع ورافد يحدد أصولها ويجعلها "مرجعا" يشكل المستقبل وهذا يتطلب بحثا وتعريفا لعناصرها بدقة وتأطيرها فلسفيا وفكريا، وبدلا من الالتفاف حول مكونها الأصيل وابتكار مكونات جديدة لها يفترض العمل على تعريف الهوية بوضوح، فعندما نعرف هويتنا يفترض أن نعرفها بدقة ولا نكون مترددين ابدا في هذا التعريف.

هذا كان مصدر الخلاف بيني وبين الزميل الذي يحاول أن يأتي بشيء جديد غير مرتبط بالاصل. قلت له أنا لست ضد التجديد فمن مؤشرات "حيوية الهوية" مقدرتها على التجديد والاستمرار واستيعابها لمعطيات العصر، لكن يجب الإبقاء على الاتصال بالأصل.

بينت للزميل أن الهوية كظاهرة إنسانية يجب أن تعكس جوهر الانسان نفسه، فبقاء الحضارات الإنسانية ومحافظتها على أصولها التي شكلتها منذ البدايات الأولى للإنسانية يكمنان في المكون "الجينومي" للحضارات، فكل حضارة لها مكونات ميزتها عن الحضارات الأخرى، وجعلتها ذات شخصية وتشكلت هويتها حسب "الجينوم" الخاص بها، والمفروض أن التجديد والتميز يرتكزان على فهم مكونات هذا "الجينوم الحضاري" وتحديد عناصره والعمل على تجديدها وتطويرها لا أن نقوم بتبني مكونات حضارية غريبة أو ضعيفة، وهذا لا يعني عدم التأثر بالحضارات الأخرى مثله مثل التزاوج بين البشر من الأعراق المختلفة الذي عادة ما يقوي الجنس البشري ويقوي الحضارات المختلفة وهذا ما حدث عبر التاريخ.

اعتقد أن هذه إحدى الأزمات التي نعاني منها فنحن، رغم أننا نحن من شكّل "جينوم" الحضارة العربية، إلا أننا نشعر بالنقص أو أننا صدقنا ما كان يقوله بعض العرب عنا "أننا من دول الهامش" أو "الأطراف" التي ليس لها فعل حضاري واضح وعميق.

هذا التشكيك في هويتنا وفي دورنا الحضاري المتراكم والممتد على مدى قرون جعل الكثير منا لا يرى ما نملك من مخزون حضاري كبير وأساسي يفرض وجوده على التاريخ العربي بشكل عام. ربما نحن بحاجة إلى ان نبذل جهدا أكبر للبحث عن الأصول التي اوجدت هذه الحضارة ونتبناها كما هي ونبدأ من جديد لكننا لسنا مضطرين للاستعجال فيما نقدمه للعالم، أي يجب ان نعمل بعمق وننضج أعمالنا بشكل يجعلها مؤثرة ومقنعة لا أن نستعجل في إخراجها فتكون سطحية ومشوشة مثل كثير من أعمالنا السابقة.

نحن نحتاج أن نؤمن أننا نمثل قلب الحضارة العربية لا طرفها ويجب أن نعمل على هذا الأساس.

لذلك كنت ضد فكرة البحث عن الجديد، ليس لكونه جديدا، بل لأنه لا يستند على الأصول التي أوجدناها وغيرنا تبناها وطورها وعمل عليها بجد وإخلاص فنقلها نقلات كبيرة أنست الناس الأصل، فأصبح من أوجد الأصل على الهامش وصار من عمل على التطور هو المصدر والمرجع.

عندما أعود للحضارة العربية في الجاهلية كانت في طور البناء والتكوين واكتملت أصولها وتشكلت معالمها في ذلك العصر وعندما أتى الإسلام كانت جاهزة كي تستوعب هذا الدين العظيم وتنتقل معه إلى جميع أنحاء الدنيا، لذلك لم يمض وقت طويل حتى استطاع الأمويون بناء هوية حضارية مختلفة عن كل الحضارات التي اختلطوا بها وسرعان ما تميزوا في العمارة وفي شتى الفنون والعلوم.

لم يكن هذا التميز في صدر الإسلام مصادفة بل كان نتيجة لوجود المكون الحضاري وعناصر الشخصية الحضارية الجاهزة التي تلقفت ما أتى به الإسلام لتنتقل به من الفعل المحلي المحدود في جزيرة العرب إلى التأثير الإنساني الذي عم العالم القديم.

ذلك الحدث التاريخي، إذا ما أردنا أن يتكرر مرة أخرى، يجب أن يخرج من منبعه الأصيل وهو جزيرة العرب. لقد بدأ من هنا ويجب أن يعاود الخروج من نفس المكان الذي تكون فيه، وأعتقد أن هذا الدور يجب أن نعيه بشكل عميق، نحن أبناء الجزيرة العربية، ويجب أن تكون لدينا الثقة في أنفسنا أننا قادرون على صنع الحضارة من جديد كما صنعها آباؤنا في السابق.