سيرة الشيخ عبدالعزيز تصلح أنموذجًا كلاسيكيًا للعالم الذي اشتغل بالعلم بحثًا وتأليفًا وتدريساً، بجانب القيام بعمل الخطابة والإمامة والاحتساب بنوعيه: الإرشادي والوعظي، وخدمة مجتمعة،

"العلماء ورثة الأنبياء" جملة من حديث طويل ورد في مسند الإمام أحمد بن حنبل. وكلمة علماء الواردة في الحديث تشير بوضوح إلى حملة العلم الشرعي، وهم العلماء المناط بهم تمثيل الغيبيات وتأطير المعتقدات وضبط السلوكيات داخل المجتمع المسلم. وفي كل الأديان شيء من هذا الصنيع، وإن اختلف بعضها عن بعض في مكانة وصلاحيات العلماء الربانيين.

وفي المملكة أطلق الناس - لا المؤسسات الرسمية - على بعض المشتغلين بالعلم الشرعي، والذين لهم قدم راسخة في مجال التفسير والتأويل والفقه والتشريع، صفة عالم. ونجد في وثائق نجد في القرن الثاني عشر الهجري/ الثامن عشر الميلادي إبان الدولة السعودية الأولى مجموعة من المشتغلين بعلوم الدين يحملون أمام أسمائهم مسمى عالم. وهذا الأمر ليس بدعًا، فهو تقليد إسلامي يعود إلى القرن الثالث الهجري. بل وأضحى هذا اللقب يشير إلى دور اجتماعي واسع للعلماء الدينيين.

وقد انتشرت "المجاميع العلمية الصغيرة" في كل بلدة نجدية، وبعضها أضحت تورث العلم الشرعي لأبنائها، ما ولّد أسرا يتعاقب أفرادها من حملة العلم الشرعي ولو بدرجات مختلفة. ولكن مع الدولة السعودية الحديثة اختفى توريث الأب لابنه أو حفيده مهنة – إن جاز التعبير – الاشتغال بالعلم الشرعي. وأصبح العلماء يأتون من أسر متباعدة ومن طبقات اجتماعية مختلفة، وفي الآونة الأخيرة تشكلت في المملكة هيئة كبار العلماء التي اقتصر لقب عالم على أعضائها مع بقاء بعض الأفراد القليلين خارج الهيئة يحملون هذه الصفة.

وقد كثر عدد (القليلين) بسبب انتشار التعليم الديني في مُعظم بلدان نجد.

وقد قام أولئك النفر بخلق التجانس المذهبي في عموم نجد، بل وإنشاء نخبة دينية لتحصين المذهب ونشره متوازية في عملها مع العلماء الذين يشكلون عضوية في مؤسسات دينية رسمية. ومنهم في كل بلدة أسماء لامعة.

وفي هذا الحديث نستعرض لمحات من سيرة عالم قريب جداً من القليلين، وقريب من علماء المؤسسات الدينية والعلمية وهو الشيخ عبدالعزيز بن محمد السلمان المولود في عنيزة عام 1335ه والمتوفى في الرياض عام 1422 ه.

وهذا الشيخ الذي تُطلق عليه ألقاب دينية لعل أكبرها: علاّمة. والوارد في كتاب: أحمد القرشي الموسوم: مناهل العرفان في جهود الشيخ العلاّمة عبدالعزيز بن محمد السلمان، الصادر عن دار الموسوعة للنشر والتوزيع عام1435 ه سيرة تكاد تصنع أنموذجًا لسير علماء نجد في هذا القرن.

سيرة الشيخ عبدالعزيز تصلح أنموذجًا كلاسيكيًا للعالم الذي اشتغل بالعلم بحثًا وتأليفًا وتدريساً، بجانب القيام بعمل الخطابة والإمامة والاحتساب بنوعيه: الإرشادي والوعظي، وخدمة مجتمعة، كما قال لي ابنه الشيخ عبدالحميد، الذي نشر كتابًا عن والده: فتح المنان بترجمة العلاّمة الشيخ عبدالعزيز السلمان، ونشرته دار طويق للنشر والتوزيع في عدة طبعات آخرها الطبعة الرابعة عام 1414 ه. درّس الشيخ عبدالعزيز بعد أن أجيز من مشايخه في: الحلقات العلمية ثم في المعهد العلمي في الرياض. وقد اختير للقضاء ولكنه اعتذر.

وألف الشيخ عبدالعزيز حوالي 22 كتابًا. ومن استعراض مؤلفات الشيخ عبدالعزيز نجد ملمحا توارثه علماء نجد. وهذا الملمح هو تأليف كراسات تحوي أسئلة واجوبة، مما تُعد من باب الفتاوى، التي قد تكون اختيارات تُعرف باسمه، وكتب العقيدة، وكتب المنتقيات والحواشي والمختصرات، وفيها يقوم المؤلف بتلخيص أمهات الكتب الإسلامية، وكتب الإرشاد والتعليم التي تُقرأ في المساجد وموجهة للعامة. وله أشهر كتاب من هذا النوع في نجد وهو: المناهل الحسان في دروس رمضان. وأكاد أقول إنه لا يوجد مسجد في بلدات نجد لم يُقرأ فيه هذا الكتاب في شهر رمضان. انتشرت مؤلفات الشيخ موازية لما اشتهر به من صفات سامية مثل: التقوى وسمت العلماء وحُب الخير والبر والزهد والتزهد في ميدان السياسة، والصفة الأخيرة هي من أسس تعاليم المذهب الحنبلي، الذي يعد السياسة أداة ضرورية لحفظ الأمن وإقامة الواجبات الشرعية وحسب.

في هذا الملمح تجنبتُ سراب السيَر، التي تخلط بين التاريخ ورواية ذلك التاريخ على حد تعبير بيير بورديو Pierre Bourdieu، واقتصرت على المنشور عن الشيخ عبدالعزيز، ذلك أن سيرته حافلة، خصوصًا في الجانب التأليفي والفكري. وقد قال لي ابنه الشيخ عبدالحميد إن اختياراته الفقهية وتعليقاته على كتب العقائد الحنبلية، هي الآن موضع بحث أكاديمي لنيل درجة علمية عليا. ولا أشك أن فحص الإنتاج الفكري للشيخ سيوضح بجلاء تعاقب أجيال من العلماء منذ ابن تيمية وحتى الشيخ محمد بن عبدالوهاب، الذي وطّن تعاليم المذهب الحنبلي في نجد، ووصولاً إلى علماء نجد في هذا العصر.

aalaskar53@yahoo.com