لا ريب أن التدخل العسكري الروسي المباشر في سورية، أثار الكثير من الأسئلة وردود الفعل، لأن هذا التدخل العسكري المباشر كشف عن رغبة روسية حقيقية في الدفاع عن مصالحها الاستراتيجية حتى لو تطلب الأمر النزول إلى الميدان واستخدام كل المعدات العسكرية الروسية..

أغلب الخبراء الروس، يعتقدون أنه لولا التدخل العسكري الروسي المباشر في الملف السوري، لخسر الروس نفوذهم السياسي والاستراتيجي ليس في سورية فحسب؛ وإنما في عموم حوض البحر الأبيض المتوسط..

وهذا التدخل العسكري يعكس بعد تحولات الربيع العربي تحولات في العقل السياسي الروسي.. وأن الخدعة الأميركية لروسيا في ليبيا، لا يراد تكرارها في أي بلد آخر..

فالقيادة الروسية تشعر أنها تعرضت إلى خديعة أميركية، كلفتها خروجا دائما من الملف الليبي، ما جعل الدول الغربية سياسياً واقتصادياً، تتحكم في مسار كل الأمور في ليبيا..

لذلك فإن العقل السياسي الروسي، تعامل بحذر شديد مع المشروعات الغربية لسورية، ولعدم الوقوع في ذات الخطأ في ليبيا، أقدمت روسيا على التدخل في سورية، وتحكمت بتدخلها العسكري في مسار الأحداث والتطورات في الملف السوري..

ووفق المعايير الاستراتيجية فإن التدخل الروسي المباشر، يستهدف بالدرجة الأولى الحفاظ على مصالحها في سورية ومنطقة البحر الأبيض المتوسط، ولا يعكس هذا التدخل المباشر عودة للنزعة الامبراطورية الروسية.. بمعنى أن التدخل العسكري الروسي جاء للحفاظ على ما تبقى من نفوذ روسي في منطقة البحر الأبيض المتوسط، وليس رغبة في التوسع الإمبراطوري والهيمنة على مساحات سياسية جديدة..

وأغلب الخبراء الروس، يعتقدون أنه لولا التدخل العسكري الروسي المباشر في الملف السوري، لخسر الروس نفوذهم السياسي والاستراتيجي ليس في سورية فحسب؛ وإنما في عموم حوض البحر الأبيض المتوسط..

وعليه فإن التدخل العسكري الروسي، حتى وإن أخذ الشكل الهجومي، إلا أنه في حقيقة الأمر يعكس الخوف الروسي من اندفاع التحولات والأحداث بعيداً عن المصالح الروسية.. فجاء التدخل العسكري المباشر للحفاظ على هذا النفوذ السياسي والاستراتيجي وللتحكم في مسار الأحداث في الملف السوري بما يحقق المصالح الروسية..

ولا شك أن التدخل العسكري الروسي، جاء في ظل تراجع إقليمي أميركي وتردد صريح في إدارة الملف السوري..

والأكيد أن الرؤية الأميركية للملف السوري، أن ثمة ضرورة أمنية واستراتيجية تتعلق بملف الصراع الصهيوني - العربي لاستمرار التدمير والإنهاك لسورية، حتى تنجح أية تسوية لملف الصراع مع الكيان الصهيوني..

والرؤية الأميركية ترى أن الاحتراب الداخلي في سورية، هو من أفضل الفرص، لإخراج سورية من معادلات المنطقة، للخضوع بعد ذلك لأي مشروع تسووي في المنطقة.. فالأميركي ليس مستعجلاً حل المعضلة السورية، وما زال يعتقد أن بالإمكان تدمير سورية لإخراجها نهائياً من الملف الإقليمي والصراع الصهيوني - العربي.. لذلك ما زال الأميركي يعمل على نار هادئة في الملف السوري، إضافة إلى التردد السياسي والعسكري الذي تبديه إدارة أوباما لملفات المنطقة..

بينما الروس يتحركون في الملف السوري بعيداً عن هذه الحسابات، وفي سياق اندفاع للحفاظ على نفوذها ومصالحها حتى لا تضيع كما ضاعت مصالحها إلى الآن في الملف الليبي..

وعليه فإن التدخل الروسي العسكري في سورية، وإن بدا هجومياً ومستبعداً لبقية الإرادات الدولية، إلا أنه في جوهره وتداعياته، لا يخرج عن سياق الدفاع الاستراتيجي عن مصالحه ونفوذه المتبقي في حوض البحر الأبيض المتوسط..

ويبدو أن الروس تعاملوا مع تدخلهم العسكري في سورية، بوصفه هو فرصتهم الوحيدة للحفاظ على مصالحهم الاستراتيجية في سورية..

ولا ريب أن العقل الأمني الروسي، يقرأ أحداث وتطورات الملف السوري، بأن السماح للمجموعات المسلحة من الانتصار والتمدد على الأراضي السورية، يعني أمنياً واستراتيجياً أن المعركة القادمة ستكون على التخوم الروسية وفي قلب الاتحاد الروسي..

وعليه فإن التدخل العسكري الروسي يستهدف تحقيق التالي:

الحفاظ على النفوذ والمصالح الاستراتيجية الروسية.

محاربة الإرهاب والمجموعات المسلحة ومنع تمركزها في سورية، حتى لا تنتقل المعركة إلى الأراضي الروسية.

فمحاربة الاٍرهاب في سورية، ستجنب الروس خطر الاٍرهاب في روسيا. ومن المؤكد أن محاربة الاٍرهاب في سورية، ستجنب الروس معارك وحسابات معقدة للأمن الاستراتيجي الروسي..

وعلى ضوء هذا الفهم فإن أي مشروع سياسي أو عسكري لإسقاط النظام السياسي السوري، سيعد روسياً بأنه يشكل خطراً على مصالح ونفوذ الدولة الروسية في المنطقة.. ويبدو من طبيعة الأحداث والتطورات الميدانية أن روسيا ستدافع عن مصالحها بكل قوتها العسكرية والأمنية والسياسية..

ومن المؤكد أن نجاح روسيا في سورية، سينعش آمالها وطموحاتها السياسية.. وثمة مؤشرات أن النجاح الروسي سيعكسه الروس بالمزيد من الاهتمام بملف مصالحها ونفوذها في عموم المنطقة... وعليه فإن النجاح الروسي في الملف السوري يعد من المرتكزات الأساسية لاستمرار الروس في بناء نفوذهم في المنطقة العربية..

وثمة قناعة سياسية عميقة أن نجاح روسيا في سورية في ظل غياب الرؤية الاستراتيجية الأميركية تجاه المنطقة العربية، سيعزز الطموح الروسي في بناء دور لها في المشهد السياسي العربي.. وعلى ضوء الاندفاع الروسي والإحجام الأميركي، بدأ يتبلور الطموح الروسي، وثمة استراتيجيات ومشروعات يبلورها الخبراء الروس في هذا السياق.. ويعد نادي الحوار الدولي (فالداي) من أبرز المجموعات الروسية التي تعمل على بناء رؤية استراتيجية روسية في هذا الإطار.

ولا يخفي الروس قناعتهم أن الوصول إلى حل حقيقي في سورية، سيترك تأثيرات قوية على مبادرات التسوية لأهم المشكلات التي تواجه المنطقة العربية وخارجها.. ويقول في هذا الصدد أندريه بيستر بتسكي، أحد أبرز خبراء (فالداي) أن سيناريو التسوية في هذا البلد سيشكل موديلاً لتسويات رزمة من المشكلات الإقليمية والدولية.

وعلى ضوء هذه الحقائق، ثمة احتمالات عديدة للدور الروسي في المنطقة، ولكن جميع هذه الأدوار المأمولة تتعلق بشكل مباشر على مدى نجاح روسيا في بناء تسوية مقبولة من جميع الأطراف في الملف السوري.

almahfoodh20@hotmail.com