لم تكن رحلة القاضي العباسي ابن فضلان من الغربة والعجب بما كانت عليه رحلة بعض العرب المتأخرين، ولا شك أن رحلة هذا القاضي العباسي ظلت في بحر المجاهيل، حتى وهو يقف على رجل من أبناء جلدته «الخياط البغدادي» الذي كان يعيش في أصقاع الجليد في جزيرة أيسلندا، والذي فرح الغربيون بالمخطوط الذي يتحدث عن هذه الرحلة التي كلف بها الخليفة المقتدر العباس القاضي ابن فضلان قرابة عام 300ه ليعود بعد سنوات بتجربة نقلت للغربيين كيف كان حال شمال أوروبا آنذاك، حيث قلة وندرة المراجع التي تتحدث عن تلك الحقبة وهذا الجزء من الأرض حيث تم اخراج الفيلم السينمائي «المحارب الثالث عشر» ليتحدث عن رحلة ابن فضلان لأقصى شمال أوروبا حيث قبائل الفايكنق.

بدأ في تجارة الخيول والملابس الجاهزة والأقمشة وكان ثالث تجار العقيلات الذين نزلوا أمريكا

وعلى الرغم مما قاله الرحالة والأمير العربي أسامة بن منقذ -عن الشعوب الغربية- أنها ترق أخلاقهم وتحسن طباعهم باستيطانهم الشرق ومعاشرة المسلمين، وقوله ان من هو قريب العهد ببلاد الإفرنجة أجفى أخلاقاً من الذين تبلدوا وعاشروا المسلمين، وعلى الرغم من طول المسافات وصعوبة المغامرات التي يتكبدها المسافر إلى الجزر المنسية والخوض في جزر الهند الشرقية أو المحيط الأطلسي أو بحر الظلمات كما يسميه العرب والمسلمون الأوائل الذين تتواتر الروايات بنزولهم إلى الأراضي الشرقية من أميركا الشمالية عبر رحلات عديدة تتبعها الرحالة المسلمون ودونوها في كتبهم ورحلاتهم التي مازال الكثير منها مخطوطاً في مكاتب أوروبا، لاسيما ما يعرف لدى المؤرخين بقصة «الفتية المغررين»، الذين قطعوا بحر الظلمات من سواحل «لشبونه» وجزر الخالدات «جزر الكناري» قرابة القرن الرابع الهجري في رحلة طويلة رصد تفاصيلها «أنستاس ماري الكرميلي» في مقال له بمجلة المقتطف العدد الثاني بعنوان «عرف العرب أمريكه قبل أن يعرفها أبناء الغرب»، نقلاً عما دونه الرحالة العربي المسلم الأدريسي في «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق» كما أشار إلى هذه الرحلة الأديب شكيب أرسلان في كتابه «الحلل السندسية» وتتبع أخبارها كل من الأستاذ عبدالحميد العبادي والدكتور زكي محمد حسن في كتابه «الرحالة المسلمون في العصور الوسطى» والذي تحدث أيضاً عن رحلة الأمير محمد بن قو سلطان «مالي» بوسط أفريقيا وذلك قبل عام 724ه والتي رواها ابن عمه السلطان منسا موسى أبي بكر لحاكم مصر السلطان قلاوون ونقل خبرها المؤرخ ابن خلدون بينما نقل القلقشندي القصة كاملة في كتابه «صبح الأعشى».

ولأن الحديث عن نزول العرب إلى أميركا حديث جدلي طويل ربما يسوقنا إلى الاستشهاد برحلات أخرى كثيرة ليس هذا مقام الحديث عنها إلاّ أن القول بوجود الهنود الحمر كان دليلاً على نزول بني البشر بهذه الجزر البعيدة منذ آلالف السنين، وفي القرن الهجري المنصرم ورد اسم العقيلي -أحد تجار العقيلات- عبدالله الخليفة في رحله الرحالة الانكليزي الكابتن (وليم شكسبير)، حيث ذكر في رحلته أنه وصل إلى بريدة في 28 مارس 1914 م وأنه قابل فيها عبدالله الخليفة، وذكر شكسبير أن ابن خليفة يتكلم الانكليزية بلهجة أميركية؛ لأنه كان قد عاش في مدينه نيويورك لمده ست سنوات وعمل سائق أجرة فيها قبل رجوعه إلى بريدة، وهو ما لم يوافقه فيه عميد الرحالين الشيخ محمد العبودي، إلاّ أن جميع الباحثين المعاصرين يتفقون على صدقية رحلة الشيخ عبدالله الخليفة التي استمرت قرابة ست سنوات وكانت في مطلع العقد الثالث من القرن الهجري المنصرم.

تاجر خيول

ولد عبدالله بن خليفة بن سعيدان الخليفة في مدينة بريدة عام 1290ه، وكان والده من رجال العقيلات الذين يتاجرون بالمواشي في بلاد الشام، وقد لحق الابن بوالده وأصبح يعمل معه وهو حين ذاك في أواخر العقد الثاني من عمره، أي أنه لم يبلغ العشرين عاماً، وبعد وفاة والده ظل عبدالله في تجارته يتنقل بين مدن وأقاليم الشام، كما ارتحل إلى مصر مع صديق له هو حمود المطلق، الذي كان يمتلك اصطبلاً للخيول فعمل عبدالله معه في تجارة الخيل العربية، وتعلم من خلال عمله هذا على أنواع الخيول وصفاتها وبلدانها، وبحلول عام 1327ه يعيش الشيخ عبدالله الخليفة النقلة الفارقة في حياته ومسيرته الشخصية حيث نزل بمصر بعض التجار الأميركان راغبين بشراء عدد من الخيول العربية وكان بصحبتهم مترجم لبناني، وبعد شراء الأميركان لعدد من الجياد العربية الأصيلة -لعل معظمها من عند ذلك التاجر الذي يعمل معه الشيخ عبدالله الخليفة- حرص هؤلاء الأميركان على أن يستفيدوا من مهارة ودراية الشيخ عبدالله بهذا النوع من الجياد، ولذا فقد عرضوا عليه فكرة مرافقتهم لإيصال هذه الخيول إلى الاسكندرية ومن ثم إلى برشلونة وبعد موافقة عبدالله الخليفة على العرض أبحرت الباخرة بالجميع إلى سواحل الاسكندرية ومن ثم إلى برشلونة وهناك ووفقاً لما ذكره الأستاذ إبراهيم بن سليمان الوشمي فقد حرص الأميركان على تجديد الصفقة مع عبدالله الخليفة لما رأوا من أمانته وإخلاصه في عمله، فاتفقوا معه مرة أخرى على مبلغ جديد كي يسير معهم إلى حيث السواحل الأميركية الشرقية ومن ثم إلى مدينة نيويورك وهناك شكره التجار الأميركان وسلموه المبلغ الذي اتفقوا معه وحجزوا له -حسب طلبه- للعودة بعد بضعة أيام إلى الاسكندرية.

الاستثمار في أميركا

وصل عبدالله الخليفة لأميركا وكان غريباً لا يعرفه سوى التجار الأميركان الذين أوصل بضاعتهم، وفي الأيام القلائل التي قضاها عبدالله في "نيويورك" بانتظار موعد رحلة العودة إلى بلاد العرب حيث السفر إلى مدينة الاسكندرية، تفاجأ ذات يوم برجلين عربيين سمعهما يتحدثان باللسان العربي الذي افتقد سماعه منذ فترة طويلة، وكم ادخل هذا الحديث السرور إلى قلب هذا الشاب المغترب حيث اعتاد ألاّ يسمع إلا اللغة الانجليزية التي لم يتسنَ لعبدالله الخليفة معرفتها لقصر إقامته في بلاد الغرب، اقترب عبدالله الخليفة من هذين الرجلين وعرف أنهما من نصارى لبنان وكم كانت المشاعر العربية حينذاك متقاربة ومتآلفة بحكم التضامن العربي والمصير المشترك والدعوات الشعبية والثقافية والرسمية في البلدان العربية وبلاد المهجر بضرورة إحياء وبعث الوحدة العربية، وهو شعور كثيراً ما تعايش معه الغرباء العرب الذين يلتقون في بلاد الشرق والغرب.

شراكة الغربة

تعرف عبدالله الخليفة على الرجلين اللبنانيين وبعد أن دعياه لوجبة الغداء، أشارا عليه أن يستغل وجوده في هذه البلاد ويبدأ العمل بالتجارة حيث إنها فرصة ما دام أنه قطع كل هذه المسافة في سبيل التكسب والاستثمار، ويبدو أن هذا المقترح وجد قبولاً لدى هذا الشاب العربي المغترب في أصقاع العالم الغربي حيث عرض عليه مضيفاه استغلال تواجده في أميركا لبيع بضاعة بعض التجار العرب والتكسب من خلالها بنسبة السعي، كما عرض عليه أحدهما في البداية أن يعمل معه في بيع الملابس الجاهزة، فوافق عبدالله واستمرا في تجارتهما.

يقول عبدالله الخليفة وهو يروي قصته: عندما ذكرت لهما أن أجرتي من الجنيهات الذهبية معي، استغربوا ذلك وقالوا: ربما يسرق منك، فأعطيتها أحدهما ليحفظها لي أمانة عنده، وقد فعل، ولكنه قال: إن الأفضل أن تبيع بها وتشتري، ولما كنت لا أعرف البيع والشراء في أميركا اشترى لي أحدهم بضاعة من الملابس وهو صاحب محل كبير لبيع الملابس الجاهزة، وأعطاني معها أيضاً من عنده أبيعها بالسعر.

وفاء متبادل

لاشك أن عبدالله بن خليفة كان صاحب مهارة وخبرة بأساليب البيع والشراء، وكان أميناً صادقاً مخلصاً وجاداً في عمله، كما كان زميلاه اللبنانيان أوفياء معه، ولذا فقد استمر ابن خليفة في تجارته، وحرص صديقه اللبناني على بقائه معه، بل كان يترك له الدكان ليبيع بدلاً عنه، وذات مرة طلب زميله اللبناني الآخر منه أن يشاركه ويساعده في تجارته، وفعلاً تم ذلك بموافقة الزملاء الثلاثة، ووفقاً لما روى عميد الرحالين محمد العبودي الذي نقل قصة هذه الرحلة من لسان صاحبه فقد بدأ الاثنان بيع "السقط" كما يسميها أهل نجد وهي العقاقير العشبية وحصلا من خلالها على مبالغ طيبة واستمرا في هذه التجارة، وقيل ان ابن خليفة توسع بمحل خاص يبيع فيه هذه العقاقير وبعد مرور ستة سنوات على بقائه في أميركا عاد عبدالله الخلفية إلى بلاده عام 1333ه حيث كانت نجد تشهد تفاصيل معركة جراب والعالم حينها يعيش مقدمات الحرب العالمية الأولى، وقد كان طريق عودة عبدالله الخليفة من ناحية الشرق حيث طريق الهند ثم البحرين إلى أن وصل إلى نجد وقد حمل معه جملة من البضائع التي اشتراها من جزر الهند كالأقمشة التي أصبح يملك خبرة في أنواعها وكيفية تطريزها وتفصيلها، جراء عمله مع صديقه اللبناني في "نيويورك" كما اشترى كمية من العطور الشرقية.

العودة والاستقرار

يذكر عميد الرحالين محمد العبودي أن عبدالله الخلفية رأى ذات مرة حين كان في أميركا والدته في المنام وهي تطلب عودته كي تراه قبل أن تفارق الحياة وهو ما دعاه على وجه السرعة أن يبدأ الرحلة من أميركا إلى نجد وبالتحديد مدينة بريدة حيث والدته وجماعته، وذلك بعد أن قضى ستة سنوات في أميركا، وقيل بل أنه عاد برغبته الشخصية حيث حقق ما كان يصبو إليه في التجارة ليستثمر ما يملكه هناك بين أهله وذويه، ويضيف العبودي أن العامة من أهالي بريدة كانوا يحيكون القصص والخرافات حول ما جرى لابن خليفة في بلاد الغربة في أميركا معلقاً على هذه القصص بأنها أساطير وتهاويل جرت على ألسنة البعض، وربما كان أن اخترعوها كانوا قد سمعوا بقصيدة لابن خليفة هي وحيدة قالها -بالعامية طبعاً- لشدة تأثره بالغربة وعدم وجود مسلمين ظاهرين في "نيويورك" في تلك العصور ولم يحفظ منها الرحالة العبودي إلاّ عجز بيت الذي قال فيه الخليفة: في ديرة فيها الكنايس ترنِّ.

تجارة العقيلات

وبالحديث عن تجارة العقيلات وأول من نزل إلى أميركا الشمالية حيث الولايات المتحدة الأميركية يقدم لنا الباحث والمؤرخ الأستاذ خالد بن سليمان الخويطر تأصيل وسرداً تاريخياً لأولئك الأوائل الذين هاجروا من العقيلات إلى حيث الولايات المتحدة الأميركية حيث تظل البدايات مجهولة ولا يسلم بها حتى الآن، إذ ربما ترد للباحثين معلومات ومصادر جديدة تقف على معلومات كانت مغيبة، إلا أنه وفقاً للمعلومات المتوفرة حالياً فإن البداية كانت مع محمد الرواف الذي رحل إلى أميركا عام 1893م - 1310ه حين اختير ضمن طاقم فريق مرسل من الدولة العثمانية للإشراف على جناح يخص الجياد والإبل العربية في معرض واحتفال عالمي أقيم بمدينة شيكاغو بمناسبة مرور أربعة قرون على "رحلة كريستوفر كولومبس" وقد التقى الرواف بالمستشرق البريطاني وليم شكسبير الذي نقل لنا جزء من قصة الرواف إلى أميركا، في حين كان الرحالة الثاني هو علي العساف من أهالي عيون الجواء حيث ارتحل إلى أميركا عام 1315ه ومكث هناك ما يقارب ما بين (14) إلى (17) سنة وتوفي بعد عودته عام 1341ه وهو الذي عرف بدعمه وحرصة على تشجيع الطلاب لطلب العلم، في حين كان عبدالله الخليفة –موضوع البحث– هو ثالث عقيلي ينزل بالولايات المتحدة الأميركية، تلاه جار الله العساف من الشماسية الذي ارتحل إلى أميركا قرابة عام 1322ه وعاش (65) سنة في الغربة حيث سجن هناك قرابة خمسة عشر عاماً بسبب مضاربة حصلت في إحدى المطاعم بين عدد من الأشخاص الذين كان من بينهم بعض العرب.

وعلى الرغم من أن جار الله لم يتدخل في بادئ الأمر إلا أنه وجد نفسه مداناً بما حدث حيث توفي رجلان جراء هذه المضاربة الجماعية، وبعد خمسة عشر عاماً في السجن وغربة تقدر بخمسة وستين عاماً ومع بداية الحرب العالمية الثانية خشي بعض المهاجرين والمغتربين أن تؤول نتائج هذه الحرب على سلامتهم الشخصية فغادر الكثيرون منهم إلى بلادهم وكان من بينهم جار الله العساف الذي كان حيث تواجده في أميركا يقرض المزارعين والتجار والفلاحين ويضارب في صفوف التجارة والاستثمار، وقد عاد إلى نجد وعمره ثمانون عاماً وتوفي بعد وصوله بمدة قليلة بعد أن عانى جراء عودته من جزر الهند الشرقية من طول الطريق، ووفقاً للجهود التي بذلها الأستاذ خالد الخويطر في توثيق أوائل الرحالة الذين نزلوا أميركا من تجار العقيلات كان خليل الرواف خامس عقيلي من أهالي نجد يسافر إلى أميركا.

وفاته

عُرف عبدالله الخليفة بالصلاح والتقوى، وكان محافظاً على فروضه وواجبات الدينية، كما عرف بالأمانة والصدق والكرم والرغبة الجامحة في خدمة الفقراء والمعوزين، حتى لقبه أهل بريدة بأبي المساكين، وابن خليفة يقول عنه الرحالة العبودي: "كان رغم قوة شخصيته ومعرفته باللغة الانكليزية متواضعاً للفقراء والمساكين والمحتاجين، فكان يشب النار كل يوم بعد صلاة الظهر يصنع القهوة لمن يأتيه وأحياناً يحضر معها التمر في وقت كان لا يفعل ذلك إلاّ ثري سخي؛ ويفتح بابه يدخل إليه من شاء طيلة دهره فيشرب فيه القهوة أو يتدفأ بالنار في الشتاء ، وفي عودته إلى مدينة بريدة نزل عبدالله الخليفة بمنزل والدته وافتتح دكاناً يتاجر من خلاله ويبيع سلعه التي جلبها معه وبعد استقراره بمدة تزوج وخلف -رحمه الله- ثلاثة ذكور هم كما يذكر الأستاذ إبراهيم الوشمي– أحمد وخليفة وعلي ومن البنات نورة وهيلة ومنيرة.

وفي عام 1372ه توفي الشيخ عبدالله الخليفة -رحمه الله- بمدينة الرياض, وكان قد نزل بها قبيل وفاته لطلب العلاج، بيد أن المنية أدركته هناك، حيث توفي ودفن بها رحمه الله رحمة واسعة.


انتقل من الإسكندرية إلى نيويورك ليبدأ تجارة الملابس

كان والده من رجال العقيلات الذين تاجروا في بلاد الشام

تميز عبدالله الخليفة عن غيره بإتقانه أساليب البيع والشراء بمهارة

عاد من نيويورك ليستثمر ما يملكه بين أهله وذويه

عُرف في بريدة بالصدق والكرم والرغبة في مساعدة الفقراء

منصور العساف