لم تحتل البي بي سي الصدارة في إنتاج الأفلام الوثائقية من فراغ لأنها لا تنتج إلا باحترافية عالية وقد تستغرق بعض وثائقياتها سنوات لإنجازها وقد تكلف أموالا طائلة تمول من ميزانياتها ومن دعم جهات أخرى مهتمة بالموضوعات التي تنتجها، ولهذا فنحن نشاهد إنتاجا متميزا على مدار عقود وكان يصل إلينا في عالمنا العربي بأبخس الأثمان وندبلجه للعربية ونعرضه، أما اليوم للأسف فقد غابت هذه الأعمال عن شاشاتنا ولكنها موجودة في العديد من القنوات المتخصصة.

ولأن الإنتاج الوثائقي يحتاج إلى دراسات وتعاون جهات للإعداد للمادة قبل توثيقها فهو يستغرق وقتا طويلا لانجازه، وهذا الأمر الذي يعاب على الوثائقيات العربية التي تعتقد أن تجميع أي مادة من أرشيفات التلفزيونات وكتابة تعليق غير مدروس عليها يمكن أن يطلق عليه عمل وثائقي، ولهذا عندما نشاهد مثلاً برنامجا على خطى العرب في الجزء الثاني منه نجد أن البرنامج تنقصه المادة البحثية العميقة، فأنا عندما أود التعرف على منطقة الأخدود على سبيل المثال سأجد الكثير من الكتب والصور التي تعرفني بها ولكن عندما تنقلني لها أود أن تطلعني على أدق التفاصيل بل إنني أتأمل أن تقدم لي معلومات لم يسبق أن قدمت من قبل بعيداً عن المقولة التي يرددها مقدمه في كل حلقة من أننا بحاجتنا إلى الباحثين والدارسين لإطلاعنا على التفاصيل لأنه يفترض أن هذه هي مهمة البرنامج؛ البحث عن الدراسات والتفاصيل ودمجها بالصورة للظهور ببرنامج توثيقي إلى حد مقبول.

الاستعجال في الإنتاج وتسميته بالوثائقي ينطبق أيضاً على عدد آخر من الأفلام التي تتصدى بعض القنوات الاخبارية لإنتاجها لأن من يقوم بالإعداد لها لم يضع الهدف الأساسي لإنتاجها، فإن كان موضوع الفيلم عن احداث او شخصيات فمن المهم أن نضع القاعدة الأساسية التي تحقق الهدف وهو البناء النصي الذي يفترض أنه بني على دراسات وابحاث وهو أساس في انتاج اي عمل مصور او مسموع ولهذا قد يتم إنتاج اعمال دون وضع اسس لها فيجد منتج العمل نفسه في ورطة كبيرة لأنه لايدري كيف سيتم استقبال إنتاجه ولهذا في الوقت الذي نعيش فيه مع شخصيات واحداث عبر شاشات الأخبار وعبر المواقف السياسية لدولنا نحتاج الى رؤية أفلام تؤكد توجهاتنا وتدعم مواقفنا السياسية.

وحتى نسير على خطوات الاحتراف في إنتاج الوثائقيات العربية لابد أن نتبع أساليب الاحتراف العالمية والتي تبدأ من تحديد الأهداف وتكوين الفريق البحثي المتخصص والتمويل اللازم من الجهات التي يعنيها هذا الإنتاج والتنفيذ والاستشارة قبل العرض حتى لا تنصدم بردة فعل عكسية.

مطلوب من الإعلام العربي الالتفات إلى هذه الصناعة المهمة لأن إنتاج أفلام وثائقية احترافية يسمح بوصولها إلى اكبر عدد من شبكات التلفزة في العالم ولعلها تحقق لنا الكثير من تصحيح المفاهيم المغلوطة عنا وخصوصاً في ربط العلاقة بين الإسلام والتطرف وهو منها براء وأمور كثيرة يحتاج العالم إلى معرفتها عن ديننا وحضارتنا وثقافتنا وعاداتنا وتقاليدنا ولكن بالجودة التي تعود أن يشاهد مثيلاتها بها.