كتب الضابط المتقاعد وملحن الأناشيد الوطنية محمد سليم فليفل عام 1970 عن المواقف الثلاثة التي يفتخر بها ويعتز كما ترك في إحدى أوراقه الخاصة: "عندما أجلس وحيداً في سكون الليل لأضع أناشيدي الوطنية العسكرية والتربوية ألحانها، وعندما أشاهد تعابير وجوه الشباب المنشدين تأتي مطابقة لمعاني أناشيدهم الحماسية، وعندما أنشد معهم وأصغي إليهم وهم يجأرون بصوت واحد وروح واحدة: "نحن الشباب لنا الغد"

وغيره من الأناشيد تستريح نفسي وتطمئن وأشعر بالعز والفخر، وأنام قرير العين مصغياً لصوت ضميري الذي يهتف قائلاً:

أيها الإنسان: لقد أديت رسالتك الوطنية وخدمت بلادك بورك عملك"

اعترفت الذاكرة اللبنانية بالأخوين فليفل، وهما محمد فليفل "1899-1986"، وأحمد فليفل "1906- 1995"، حين وضع كل من محمد كريم وجورج حرو كتاباً فاخراً عنهما "اللحن الثائر: سيرة الأخوان فليفل" وأصدرته جميعة عرب.

يستحق الأخوان فليفل أكثر من كتاب بإنشاء فرقة أناشيد وطنية باسمهما تجوب البلاد العربية لدورهما التربوي في المجال العسكري والمدرسي.

زرع حب الكلمة والنغمة فيهما جدهما لأمهما المنشد ديب صبرة –مؤذن الجامع العمري الكبير في بيروت- وخالهما عبدالغني صبرة عازف العود. وتكرست هواية سماع موسيقى الفرق العسكرية العثمانية بالذهاب إلى مواعيد عروضها في يومي الجمعة والأحد في منشية فرن الشباك وحديقة جسر الباشا آنذاك.

تعاون الاخوان محمد وأحمد بالإضافة إلى عبدالرحمن وعبدالله وحسن على شراء آلة البيانو عام 1919 بتشجيع من والدهما سليم ووالدتهم زكية صبرة، قبل أن يكملا دروسهما الموسيقية استدعي إلى مدرسة ضباط الاحتياط في أسطنبول فكانت فرصة لاستكمال الدراسة الموسيقية هناك ثم أتم محمد دروسه الموسيقية في المعهد الموسيقي الوطني 1931.

لم يكن للبنانيين نشيداً رسمياً إلا بعد عام 1870 حيث نشأت المتصرفية –الحكم الإداري المحلي- وإنشاء الفرقة الموسيقية العسكرية في فترة حكم داود باشا ثم ألغيت بدول قوات الانتداب الفرنسي 1919.

وتدرجت مضامين الأناشيد مرافقة تحولات المشهد السياسي، كما يقول محمد كريم "من الدعاء للسلطان العثماني والإشادة به مروراً بالتغني بالوطن والطبيعة ثم التصريح بحب الوطن والتضحية في سبيل حريته".

وقد تمكنا من تأسيس فرقة موسيقى الأفراح الوطنية "1923" لتنشد أول نشيد وضعاه "سوريا" "1923" من شعر مختار التنير، وقد رعاهما الضابط عبدالرحيم قليلات مدير البوليس وكتب أناشيد عدة كما أن جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية في بيروت شكلت علامة في تكريس الأناشيد وانتشارها بحناجر طلبتها. لكن يعد لقاؤهما بالشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان الذي كان يدرس مطلع الثلاثينيات من القرن العشرين في الجامعة الأميركية فارقاً فقد وضع نشيدين "1933-1934" أحدهما ضمن الخلود لاسم الأخوين فليفل، وهو نشيد "موطني":

"موطني

الجلال والجمال والسناء والبهاء.. في رباك

والحياة والنجاة والهناء والرجاء.. في هواك"

هذا النشيد الذي تحول نشيداً رسمياً لأكثر من بلد عربي آخرها العراق الذي اعتمده عام 2003.

تمكنت الأناشيد من تعزيز روح التماسك وتنامي الإحساس بالغضب ضد الاستعمار. فقد وضع الأخوان فليفل نشيداً للمغرب من شعر إبراهيم طوقان "فتية المغرب هيا للجهاد" ومن الأخطل الصغير "نحن الشباب" ومن عمر أبو ريشة "في سبيل المجد" ومن فخر البارودي "بلاد العرب أوطاني".

وفي زيارة إلى ألمانيا قام بها الأخوان فليفل أسمعا أناشيدهما فسجلت إدارة المعهد الموسيقي ببرلين اسميهما بين أعضاء الشرف عام 1936 حيث سجلا خمس أسطوانات لحساب شركة كولومبيا آنذاك.

ومن الأناشيد التي أقلقت سلطات الاستعمار في لبنان نشيد "العلى للعرب" "1940" الذي جعل المفوض السامي الفرنسي يضغط على وزير المعارف بالاستغناء عن خدماتهما في المدارس ولم يكن له ما طلب.

وبعد استقلال لبنان أسست فرقة موسيقى الدرك اللبناني "1942"، ودرباها الأخوان فليفل كما أنهما وضعا الأناشيد السياسية اللبنانية مثل: النجاد "لمحمد يوسف حمود"، والكتائب "للأخطل الصغير" بالإضافة إلى أناشيد الكشافة والطلائع..

ولم يوقف الأخوان فليفل أناشيدهما على لبنان فقد وضعا أناشيد عدة للدول العربية للأردن عام 1948، للمملكة العربية السعودية عام 1952، وللعراق عام 1955، والجمهورية العربية المتحدة 1958 "وحدة مصر وسورية" .

ومما يمكن ذكره بأنه طلب من الأخوين فليفل عام 1952 في عهد المغفور له الملك عبدالعزيز آل سعود بتأسيس موسيقى الحرس الملكي ووضع أول نشيد للمملكة حيث أذيع للمرة الأولى في عهد الملك سعود رحمه الله:

"العلى لمن يبني الوطن

توأما خلود نحن والزمن

سائل الجدود سائل الحقب

يهتفوا سعود عاهل العرب"

لم يتوقف نتاج الأخوين فليفل عند الأناشيد الوطنية فقد وضعا أناشيد تربوية ودينية ووصفية حتى آخر نشيد وضعاه عام 1984 أيام الحرب الأهلية اللبنانية.. وذهبا وبقي النشيد.