ما يحدث هذه الأيام من تحوّل اقتصادي لم نكن نتصوره في السنوات السابقة، إنها محاولة لإحلال الأنظمة الاقتصادية الأكثر كفاءة مكان الأنظمة الأقل كفاءة مباشرة، بناء على عوامل السوق بطريقه سريعة (The Big Bang) نحو منحنى بشكل (J-Curve) من وضع يتراجع فيه النمو إلى ارتفاع متصاعد أعلى مما سبق، بينما يطبق النموذج المتدرج (The Gradualist Model) في حالات اقتصادية أخرى.

فهذه شركة ارامكو تؤكد لنا أنها سوف تطرح جزءا من اصولها مباشرة للاكتتاب العام، وبالذات قطاع التكرير والكيميائيات، انها بداية نقلة نوعية لاقتصادنا في محتواه الانتاجي وإدارة موارده الاقتصادية والمالية بهدف التوظيف الأمثل للموارد المتاحة واغتنام الفرص الضائعة وخلق المزيد من الإيرادات الحكومية وتنويع القاعدة الاقتصادية بناءً على معايير الكفاءة وتعظيم القيمة المضافة. وهذا ما يقوم به فعلا مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية بإعادة رسم الخارطة الاقتصادية السعودية نحو مستقبل افضل بالتركيز على عملية التخصيص او بطرح بعض الشركات الحكومية اسهمها للاكتتاب العام، ليصبح محور النمو الاقتصادي مشاركة القطاع الخاص بشكل عام وفي القطاع غير النفطي بشكل خاص وذلك بدعمه وتسهيل الإجراءات والمعوقات التي تقف عثرة في طريقه.

إن طرح شركة أرامكو لبعض أصولها للكتاب العام لا يعني ان مصادر النفط والغاز سوف تكون جزءاً من تلك الأصول، حيث نصت المادة الرابعة عشرة (14) من نظام الحكم الاساسي على «جميع الثروات التي أودعها الله في باطن الأرض أو في ظاهرها أو في المياه الإقليمية أو في النطاق البري والبحري الذي يمتد إليه اختصاص الدولة، وجميع موارد تلك الثروات، ملك للدولة...». وهذا يعني ان اتفاقية الدولة مع الشركة سوف تستمر في تحصيلها 85% من ارباح الشركة حتى ولو تغيرت الآلية. لذا من المفروض ان يطرح جزء أكبر للمؤسسات المحلية والاجنبية وجزء اصغر للأفراد لا يتجاوز (1.5%) من اصول الشركة ويكون توزيع الارباح في نطاق ال 15% المتبقية وليس في ما تملكه الدولة من ثروات طبيعة.

وارامكو شركة عالميه تعمل في مجال التنقيب عن المواد الهيدروكربونية وإنتاجها وتكريرها وتوزيعها وشحنها وتسويقها. وهي أكبر مصدر للنفط الخام وسوائل الغاز في العالم، حيث تمتلك بنية تحتية ضخمة لإنتاج النفط والغاز والتشغيل والتقدم التقني. كما انها تمتلك أكبر طاقة إنتاجية نفطية في العالم قدرها (12.5) مليون برميل يوميا وباحتياطي قدره (261.1) مليار برميل أي ما يكفي لأكثر من 70 عاما قادمة عند متوسط مستوى الانتاج الحالي (10.2) ملايين برميل يوميا والتي تصدر منه بمتوسط 7.2 ملايين برميل يوميا، بينما يبلغ احتياطيها من الغاز 294 تريليون قدم مكعبة قياسية، بإنتاج يقارب 11.3 قدما مكعبا يوميا، حيث يبلغ حجم الكميات المسلمة من غاز البيع وغاز الإيثان 4.1 تريليونات قدم مكعب. بالاضافة الى انتاج 561 مليون برميل من المنتجات المكررة وتصدر 168 مليون برميل. لذا تسعى ارامكو الى تعظيم حصة المملكه النفطية في الاسواق العالمية مع المحافظة على استقرار السوق النفطية في حال نقص امداداتها.

ان الاكتتاب العام في بعض اصول الشركة سوف يحقق مبادئ الحوكمة والشفافية من خلال مجموعة من القواعد والإجراءات التي يتم بموجبها إدارة الشركة والرقابة عليها، عن طريق تنظيم العلاقات بين مجلس الإدارة، والإدارة التنفيذية، والمساهمين، وأصحاب المصالح الآخرين، وكذلك المسؤولية الاجتماعية والبيئية للشركة. وبهذا تعنى الحوكمة بالأسلوب الذي يتم فيه إدارة الشركة والرقابة عليها، وتأكد من قدرات مجلس الإدارة على وضع السياسات ورسم أهداف الشركة بما يتفق مع مصلحة المساهمين وأصحاب المصالح الآخرين.

وبهذا تدخل ارامكو عهدا جديدا يتسم بتخفيض تكلفة رأس المال، برفع كفاءة مواردها الاستثمارية والبشرية التي تتجاوز (60) ألف موظف من اجل تعظيم ربحيتها بناء على عوامل السوق التي تحدد افضل الاسعار لمنتجاتها وتحقق رضا المستثمرين أو المساهمين وتجذب المزيد من المستثمرين المحليين والأجانب.