كشفت حرب فيتنام عن حقيقة الدور الذي تمارسه وسائل الإعلام في الصراعات والحروب في تشكيل الرأي العام المساند أو تضليله، وممارسة أسلوب إخفاء الحقائق أو ابدالها أو تزويرها الذي لخصه وولتر كرونكايت، المذيع الرئيسي في محطة سي.بي.إس الإخبارية، حين راح يراقب بفزع شاشة التلفاز وهي تسجل لحظة اجتياح السفارة الاميركية في سايغون، ثم يصيح "ماذا يحدث؟ لقد كنت أظن أننا نكسب الحرب".

مما لا شك فيه، نحن الآن نعيش في عالم مختلف عن زمن حرب فيتنام، فقد شهد العالم ثورة في مجالات الاتصالات وتكنلوجيا المعلومات، وأصبحت الأحداث والصراعات السياسية تجرى على مرأى ومسمع من شعوب العالم، وفى متناول الفرد لحظة وقوعها بالصوت والصورة من مكان الحدث نفسه، ما أدى إلى تحويل العالم إلى قرية إلكترونية صغيرة بلا حدود أو حواجز الأمر الذى جعل وسائل الإعلام تشكل رافداً أساسيا في تزويد الجماهير بالمعلومات عن الأحداث والصراعات السياسية الجارية.

ويتجاوز دور وسائل الإعلام مجرد نقل الأحداث والقضايا إلى تشكيل خطابات متنافسة تعكس التصورات الأيدولوجية والسياسية للأطراف المتصارعة وتخدم استراتيجياتها ومصالحها السياسية.

يعد الخطاب السياسي الإعلامي من الأدوات الفاعلة والمهمة في الصراعات والحروب، فهو لا يقوم فقط بنقل الرسائل والمعلومات من المؤسسات السياسية إلى الجمهور، ولكنه يحول هذه المعلومات من خلال مجموعة متنوعة من العمليات الفنية الخاصة بصناعة الأخبار والبرامج لتحقيق أهداف وغايات محددة.

فالخطاب السياسي الإعلامي يعمل على نقل وتحليل النشاط السياسي ولكنه في نفس الوقت يعد جزءاً من العملية السياسية في إدارة الصراع أو الحرب باعتباره من المصادر المتاحة أمام السياسيين وقادة الرأي للحصول على المعلومات وتلقي ردود أفعال الجمهور نحو سياستهم وقراراتهم ومواقفهم مما يساعد على صنع القرار السياسي، فضلاً عن اعتماد الجمهور عليها في تكوين اعتقاده واتجاهاته ومواقفه المختلفة إزاء الأحداث والسياسات التي تقع داخل الواقع المحيط به، وما يترتب عليها من سلوكيات وردود أفعال إزاء هذه الأحداث.

وسائل الإعلام هي بمنزلة المثير أو المنبه للجماهير للاهتمام وتكوين وجهات نظر معلنة بشأن القضايا والأحداث المطروحة ليتكون في النهاية الرأي العام.

وهناك ثلاث شروط أو محددات رئيسة ينبغي توفرها حتى تتمكن وسائل الإعلام من القيام بدورها في الصراعات والحروب وهي:

  • القدرة على عرض الآراء السياسية المختلفة داخل المجتمع وإتاحة الفرصة للآراء السياسية الوصول إلى الجماهير.

  • حماية مصالح المجتمع السياسية والوطنية.

  • توفير المعلومات والمعرفة السياسية للجمهور، وبذلك يتكامل دورها مع دور المؤسسات السياسية أو العسكرية الرسمية.

  • أستاذ الاتصال والإعلام في جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية