نظرا لأهمية الذهب من حيث ثمنه وقوة لمعانه وبريقه وعلو قيمته على بقية المعادن فقد وظفه الشعراء في كثير من قصائدهم لوصف حالة الجمال المطعمة بالذهب.

وكانت المرأة العربية في الزمن الماضي - اتباعا للتقاليد المتوارثة جيلا بعد جيل - تزيّن جبينها بطوق من ذهب، ورقبتها بقلادة او عقد من اللولو، واذنها بحلق، وانفها بقرط أو زمام، وخصرها بحزام، ومعصمها بعدد من الأساور، وساقها بخلخال.

فكانت تسرف كثيرا في تجميل نفسها بالمصوغات الذهبية الى الحد الذي يجعل هذه المشغولات تصدر اصواتا رنانة وخفيفة نتيجة لاحتكاك بعضها ببعض اثناء الحركة.

وكلما زاد عدد المشغولات الذهبية في يدي الفتاة او جيدها لفتت الأنظار اليها وازدادت خشخشة الصوت تبعا لذلك.. ومما قاله أحد الشعراء قديما في وصف الذهب وارتباطه بالجمال:

عابر طريق وشفت وصف الغرانيق

مطوّقٍ (ن) تطويق بالذيهباني

غروٍ نوى قتلي عقب ما التفتلي

بعيونه النجلي وبيض الثماني

ياعين صدّي واسهجيه وتعدّي

ما هوب ودّي لو عرض لي يباني

لا يعج بك عوده وزمّت نهوده

وخدوده اللي كنّها البرتقالي

وسواد عينه والذهب في يدينه

وردفه ونهدينه لهن وصف ثاني

في الشطر الثاني من البيت الأول يتوقع القارئ للوهلة الأولى ان الشاعر يبالغ هنا في وصف كمية الذهب الذي تتوشح به الفتاة الى درجة قوله أن كميات كبيرة من الذهب تطوق او تلف جسد الفتاة بالكامل.

الا ان المتتبع للتقاليد العربية فيما يخص ثقافة اللباس والزينة عند بعض القبائل العربية سيجد ان هذا الوصف غير مبالغ فيه تماما بدليل استخدام الشاعر للمفعول المطلق من خلال تكراره لكلمة "تطويق" وهو تكرار يدل في اللغة على تأكيد حدوث الفعل.

وفي الشطر الأول من البيت الأخير، يشير الشاعر أيضا الى كثرة الذهب في يدي الفتاة الى الحد الذي جعل المشهد امامه لافتا للانتباه من مسافة بعيدة.. فالشاعر يعطينا وصفا لفتاة اسرفت في لبس الذهب حتى بدت وكأنها قد طوقت نفسها بالمشغولات الذهبية.

وبذلك نرى انه قد لا يكون في وصف الشاعر أي مبالغة قياسا على تقاليد المجتمعات في الزمن الذي عاش فيه، لقد كان الاكثار من لبس الذهب يعدّ موضة عند النساء في عصور قديمة.

ومع التقدم الحضاري والفكري اختلفت النظرة الى الحلي والمجوهرات، فعدا عن كونها تبرز الخصائص الجمالية لدى المرأة، وتضفي عليها رونقا وبهاء، فإنها أيضا تعد ثروة أو كنزا يُدّخر لمُقبل الأيام.

ومن هنا نجد تفسيرا لتهافت النساء على اقتناء النفيس من الحلي والمجوهرات. بيد أنه إذا قيس ما تقتنيه المرأة اليوم من المصاغ بما كانت تقتنيه امرأة الأمس، سنجد الفرق كبيرا والبون شاسعا.

فقد اعتنت المرأة في الماضي عناية شديدة بالحصول على الحلي والمجوهرات. وتشهد على ذلك الكنوز التي وجدت في مقابر المصريين القدماء والفرس وفي بلاد المغرب وبلاد ما بين النهرين.

يقول عنترة بن شدّاد في وصف الحلي التي كانت تتزين بها عبلة:

أراعي نجوم الليل وهي كأنها

قوارير فيها زئبقٌ يترجرجُ

وتحتي منها ساعدٌ فيه دملجٌ

مضيء وفوقي آخرٌ فيه دُملُجُ

ومصاغ "الدملج" هو نوع من الحلي يلبس في العضد، ومما يستدل على أهميته واعتبار أن من يملكه ذو شأن ومنزلة رفيعة، هو ان الذهب كان يتصدر دائما قائمة مهور الزواج عند القبائل العربية.

وكان هذا المعدن النفيس أشبه بالكابوس الذي يجثم على صدور طالبي الزواج في ذلك الزمن، لغلاء ثمنه وبالتالي صعوبة تحقيق كل ما تحتويه قائمة المهر الذهبية التي تتألف من عدة أنواع منها ما يسمى بالرشرش والحزام والقلادة والبناجر والطوق والتاج والمرتهش والقايش... الخ.

وبذلك كانت الأسواق رائجة بتجارة القناطير المقنطرة من الذهب - عيار 21 وعيار 18- وكذلك الفضة واللؤلؤ والمرجان وغيرها.

ومما قاله شاعر آخر في وصف محبوبته ب "الشمس" حينما ترسل خيوطها الذهبية الى الآفاق بعيد الشروق وقبل الغروب، ثم يصفها في البيت الثاني من خلال تشبيه جمال الروض الذي يلتقيان فيه بجمال العقد الذهبي الذي تكتمل فيه وتشع منه اللآلئ. فيقول ان هذا الروض الجميل يفقد كثيرا من حسنه وطعمه كلما غابت عنه واختفت معشوقته، تماما مثلما يفقد عقد اللؤلؤ شيئا من لمعانه وبريقه وبهائه كلما اختفت منه بعض حبات اللؤلؤ، فيقول:

يا شمس كم يوما غربتِ وما اشرقتِ!

هل للظلام ضياءٌ وللروح بلسمُ؟

هل تذكرين لقائنا بين النخيل الباسقات؟

والطيرُ يلهو حولنا يشدو نغم

ومع الغروب على الورود تجمّعت

فراشاتٌ ونحلٌ جرّهنّ رحيق المبسم

ما أجمل الحيّ الذي وسط التلالِ منازله

يهفو اليه فؤادا صابه سهمُ

العقدُ ان لم تكتمل فيه اللئالئُ قلّ بريقه

ولئن ذهبتِ فما للروضِ من حسنٍ ولا طعمُ

في عصورها قبل الإسلام - وفقا للدراسات الحديثة - كان في شبه الجزيرة العربية العديد من مناجم الذهب في "الحجاز"، و"اليمامة"، اذ تقول الروايات القديمة ان الفراعنة والملك سليمان وملوك بابل وأشور كانوا يتزودون بالذهب من المناجم المجاورة للمدينة المنورة في منطقة مهد الذهب حيث عثرت شركة التعدين السعودية على أدوات ترجع الى عصر ما قبل الإسلام كانت تستخدم لاستخراج الذهب واستخلاصه من شوائبه.

وقد اباح الإسلام لأهله التجمل بأنواع الزينة بشرط القصد والاعتدال وحسن النية والوقوف عند الحدود الشرعية. وعدّ الله تعالى الزينة من نعمه علينا التي يذكرنا بها.

كان الذهب ولايزال يمثل رمز الجمال عند العرب، وان ما دفع الشعراء لاستخدامه في قصائدهم الا ذلك البريق واللمعان وعلو القيمة والثمن.

قال بشار بن برد في التشابيه والصور:

قامت ترائي لي لتقتلني

في القرط والخلخال والأشب

وكثيرا ما شبه الشعراء جدائل المرأة بالذهب، فالشعر الأصفر الكستنائي يوحي بالذهب وهو ما دفع الشاعر على محمود طه لهذا التشبيه:

ذهبيُ الشعرٍ شرقيً السمات

مرِحُ الأعطافِ حلو اللفتات

ومن الامثال الشعبية الشهيرة في الذهب: "ليس كل ما يلمع ذهبا"، و"إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب".