أميل إلى القول إن مجلس الشورى السعودي أنموذج فريد في الحياة البرلمانية العربية وربما الغربية، من حيث لبناته التي قامت على أسس مغايرة.

ومن السهل التمييز بين ثلاث لبنات قام عليها مجلس الشورى السعودي: اللبنة الأولى هي التراكم المعرفي والفقهي للشورى في الإسلام، واللبنة الثانية هي بعض أدبيات الشورى العربية المتوارثة منذ ما قبل الإسلام، واللبنة الثالثة هي الثقافة البرلمانية الأجنبية.

وقد استطاع المشرع السعودي أن يبني من هذه اللبنات الهيكل الفكري والتشريعي والتنظيمي لمجلس الشورى السعودي.

ولعل من حسن طالع مجلس الشورى الحالي أن يكون الملك سلمان على سدة حكم هذه البلاد حرسها الله وهو الملك المثقف أو المثقف الملك كما عبر عن ذلك العديد من المختصين والمثقفين السعوديين.

وكانت رؤية الملك عبدالعزيز رحمه الله منذ دخوله مكة المكرمة عام 1343 ه الموافق 1924م واضحة بخصوص إنشاء مجلس للشورى في الحجاز، ليكون بمثابة المقدمة المنطقية للعمل الشوري فيما بعد. وهو قبل ذلك كان على معرفة عميقة بالوضع السياسي والإداري في الحجاز. ويعرف أنه ورث بلدًا توفرت فيه تجارب إدارية وسياسية تختلف عن الوضع في سائر إمارات الجزيرة العربية، حيث وجد في مكة المكرمة أساس أو نواة لما يمكن تسميته بمجلس الشيوخ، ومجلس للوكلاء، ومجلس للشورى.

لهذا كله كان الملك عبدالعزيز حريصًا كل الحرص أن يبني قواعد الحكم والإدارة الحديثة في الحجاز فوق ما كان موجودًا من الأسس. وكان من الواضح أن فكرة الشورى تتسق وتتناغم مع نهج الملك عبدالعزيز الإصلاحي، وهذا ما حدث بالفعل. فبعيد دخوله مكة المكرمة شرع في اتخاذ خطوات عملية ملموسة نحو المضي قُدما لإنشاء مجلس للشورى، لهذا بدأ بتكوين المجلس الأهلي ثم تكوين المجلس الاستشاري، وهما المجلسان اللذان كانا المقدمة المنطقية لتأسيس مجلس الشورى، الذي استوعب كلا المجلسين. وقد استغرقت تلك الخطوات المتسارعة حوالي ثلاث سنوات منذ عام 1343 ه

بدأ مجلس الشورى القديم وصدر نظامه الأول في مطلع عام 1346 ه الموافق 1926م وكان أعضاء المجلس منتخبين من شرائح المجتمع في الحجاز مع تعيين عضوين يمثلان نجد. وكان المجلس يمثل السلطتين التشريعية والتنفيذية. تلك كانت رؤية الملك عبدالعزيز رحمه الله. وهي رؤية تشي بكثير من المعاني والأفكار والآليات السياسية التي كان رحمه الله تتوفر لديه ويرومها للحياة السياسية في البلاد السعودية.

وكان هدف الملك عبدالعزيز من إنشاء مجلس الشورى انخراط المجتمع المدني في الشأن العام.

ومما اشتهر به الملك عبدالعزيز انحيازه التام لكل ما يتعلق بشؤون وشجون المواطنين. وهو ما نطلق عليه الآن الشأن العام. فبعد استكمال بناء الوحدة السياسية الصعبة والممتدة من حيث الزمن والمكان، شرع في إعادة هيكلية مجتمعية واسعة، خصوصًا أنه يواجه مجتمعات متباينة بين البداوة الكاملة، والحضر وأنصاف البدو، والواحات الزراعية والمدن الحضرية وسكان السهول والجبال، وممتهني الأعمال اليدوية والاشغال البحرية والأعمال الصحراوية، يضاف إلى ذلك نسبة عالية من الأمية، وأوضاع اقتصادية ومالية متواضعة.

هذه هي بانوراما المجتمع السعودي عشية إعلان قيام المملكة العربية السعودية عام 1351 ه الموافق 1932م.

ذلك الوضع لم يقف عقبة أمام صمود الملك المؤسس وعزمه فطفق يعمل على عدة جبهات في آن واحد. ولعل جبهات التعليم والصحة والأمن والعلاقات الخارجية تزامنت وتداخلت بشكل غير مسبوق في بناء بلد حديث في تاريخ العرب المعاصر.

استهض الهمم واستقطب من الداخل والخارج كل من رغب في العمل من اجل انجاز المهمة الكبرى في أقصر وقت. ووضع هو ورجاله الأسس المتينة المستدامة للبناء الفوقي عليها حتى يسعد الناس. هذا فضلا عن أن الملك عبدالعزيز انتهج في تعامله مع قضايا الشأن العام سياسة قائمة على الشورى والتناصح مع الرعية واغتنام الفرص لتبادل الرأي. وتجسيداً لهذا النهج كانت لقاءات الملك عبدالعزيز مستمرة ومتواصلة مع المواطنين يقدم لهم النصح ويسدي لهم التوجيه، ورغم أنه كان يعمل أكثر مما يقول، إلاّ انه ترك لنا كلمات خالدة تسجل حكمته ورجاحة فكره، حيث كانت كلماته مواقف يلتزم بها ونهجا يسير عليه.

ونلمس توجه الملك عبدالعزيز نحو حياة شورية حقة من خلال الخطاب الذي ألقاه الملك في الجلسة الافتتاحية لمجلس الشورى في صبيحة يوم الأحد 14 /1/1346 ه الموافق 15/7/1927م فقد هنأ جلالته أعضاء مجلس الشورى على الثقة التي حازوها. وابدى غبطته وتطلعه لأن يعمل أعضاء مجلس الشورى مع الحكومة في اصلاح البلاد وصيانة السلم الاجتماعي. وألمح إلى أن الحكومة جادة في دفع عجلة العمل والتحديث والتطوير. وضرب مثلا أن الحكومة شكلت لجنة التفتيش والإصلاح التي ستقوم على تفتيش دوائر الحكومة وتقديم المقترحات. وبيّن أن المجلس معني بكل المشروعات التي ستعرض عليه قبل اعتمادها ومن ثم تنفيذها. وخص التعليم ونشره والصحة والأمن وشؤون الحج بالأولية.

من هنا يتضح أن المضامين التطويرية والبناء الواسع لمفاصل الدولة والمجتمع كانت عناوين رئيسة في خطاب جلالته.

واصل أبناء الملك عبدالعزيز رحمه الله النهج الذي سنّه والدهم في العمل الشوري. ففي عهد الملوك: سعود وفيصل وخالد وفهد وعبدالله رحمهم الله، استمر العمل بمجلس الشورى حسب النظام السابق مع تعديلات مثال ذلك: ما حدث في عهد الملك فيصل من انتقال بعض مهام مجلس الشورى إلى مجلس الوزراء وبعض الوزارات الجديدة.

أما في عهد الملك خالد فتم وضع كل من النظام الأساسي للحكم ونظام مجلس الشورى ونظام المقاطعات في صيغتها النهائية تمهيدا لإقرارها. وهذا لم يمنع مجلس الشورى من الاستمرار في عقد جلساته العادية.

أما النقلة الكبرى لمجلس الشورى فقد حدثت في عهد الملك فهد بن عبدالعزيز رحمه الله. ففي يوم 27/ 8/ 1412 ه صدرت عدة أنظمة منها: نظام مجلس الشورى، ونظام اللائحة الداخلية لمجلس الشورى، ونظام لائحة حقوق أعضاء مجلس الشورى، ونظام قواعد تنظيم الشؤون المالية والوظيفية لمجلس الشورى، ونظام قواعد التحقيق والمحاكمة لعضو مجلس الشورى واجراءاتها وأخيرا تكوين مجلس الشورى. وبهذا يكون المجلس قد دخل مرحلة جديدة من تاريخه الممتد.

جاء التشكيل الجديد عام 1414 ه بتعيين ستين عضوًا من المتخصصين وذوي التجارب العملية والفنية والحياتية. واستمر المجلس في زيادة أعضائه وتطوير صلاحياته حتى شهد القفزة الثالثة في عهد الملك عبدالله بن عبدالعزيز رحمه الله، الذي أمر بتسمية ثلاثين عضوا من النساء في دورته السادسة التي بدأت عام 1434 ه وهذا التمثيل النسائي يعادل نسبة مرتفعة من أعضاء المجلس البالغ مئة وخمسين عضواً

أما في عهد الملك سلمان فتطلعات مجلس الشورى كبيرة، فمنذ توليه حفظه الله سدة الحكم، يشهد المراقب حراكًا واسعًا في الفضاءين الداخلي والخارجي. ففي الداخل يكاد المرء يلمس ارهاصات قوية للتوجه نحو تحديث مؤسسات الحكم والتشريع ومن بينها مجلس الشورى.

ولعل من حسن طالع مجلس الشورى الحالي أن يكون الملك سلمان على سدة حكم هذه البلاد حرسها الله وهو الملك المثقف أو المثقف الملك كما عبر عن ذلك العديد من المختصين والمثقفين السعوديين.

ويرى كثير من أعضاء مجلس الشورى ومن المتابعين لمسيرته من خارجه أن طموح الملك سلمان كبير حول مكانة مجلس الشورى في الميدانين الداخلي والخارجي، لهذا لا أستبعد أن تحدث تطورات إيجابية تطال الهيكل الصلب للمجلس كما حدث في عهد الملك فهد والملك عبدالله رحمهما الله.

ومهما يكن من أمر، فلدى قادة هذه البلاد منذ عهد المؤسس حتى اليوم فلسفة إدارية ثابتة مؤداها وكما عبر عنها كثير من المراقبين الأجانب بقولهم: evolution not revolution وترجمتها التطوير لا التثوير. والحق أنها فلسفة تناسب المزاج السعودي المحافظ.