عندما بدأت في بناء منزلي الأول (١٣٩٨ه) كانت سوق المملكة محدودة العرض قليلة الاستيعاب، فمتر العظم ب (١٨٠) ريالاً وهو ضعف سعره اليوم، وسعر كيس الاسمنت (٣٠) ريالاً وبالحجز حسب الفسح وبكميات محدودة، وطن الحديد (٢٥٠٠) والعمالة بأضعاف تكاليفها الآن، أما المواد الصحية والكهربائية والبلاط فبأسعار خيالية، ولو حسبنا ذلك بالأسعار الثابتة لكانت تكلفة العمار قبل (٣٩) عاماً خمسة أضعاف تكاليفه الآن!.. لماذا؟! .. لأن اقتصاد المملكة في تلك الفترة كان محدود الاستيعاب كثير المخانق قليل المصانع والاستيراد نسبة للطفرة الأولى التي تدفقت فيها الأموال فجأة: قدمتُ على صندوق التنمية العقارية فاستلمت الدفعة الأولى بعد أسبوع فقط (وبالمناسبة فإن الصندوق على محاسنه الكبرى هو الذي فرض علينا نموذج السكن الحالي المكون من فيلا دورين لكي تحصل على كامل القرض ولا زلنا نعاني من الآثار السلبية لهذا النموذج حتى الآن).

سبب قلة الاستيعاب والارتفاع الجنوني للأسعار في تلك الفترة هو عدم وجود موانئ كافية، كانت السفن تنتظر في البحر نصف ساعة لتفرغ حمولتها، والانتظار على حساب المستهلك، وكانت مصانع الاسمنت قليلة العدد محدودة الانتاج، والتجار القادرون على الاستيراد قلة، حتى النظام المصرفي كان هزيلاً وقتها وحقوق المساهمين كلها لا تتجاوز (٣٠٠) مليون لأكبر بنك، وطرحت للاكتتاب فكان الاقبال في غاية الضعف بحيث تم تخصيص النصف لكل من طلب ، بل ان أول بنك طرح أُعطي المكتتب كامل ماطلب!! كانت أرباح التجار وقتها فاحشة جداً! أما الإيجارات فقد تضاعفت فجأة مما جعل الحكومة تحدد الايجارات لكل المباني القائمة وتترك الحرية لكل من يبني بعد القرار، تشجيعاً على زيادة العرض في المباني، وهو قرار حكيم من المناسب تطبيقة اليوم..

الآن انعكست الآية وأصبح اقتصاد المملكة هائل الاستيعاب، فدرجة الانتظار في الموانئ والاسمنت والحديد والاتصالات وكل السلع (صفر) بينما كنا نحجز الهاتف (الثابت) فلا يصل إلّآ بعد سنة على الأقل!.

ولا شك أن الدولة نجحت في خططها التنموية عدا هدف واحد يتكرر ولم يتحقق بعد (وهو عدم الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي للدخل).

وسبب النجاح هو التركيز على زيادة العرض في السلع والخدمات، وتقديم الحوافز للقطاع الخاص (وأكثرها حوافز إيجابية عدا دعم القمح الذي لازلنا ندفع ثمنه حتى الآن بالخوف من الجفاف).

الدرس المستفاد هو التركيز على زيادة العرض فهذا من الممكن، اما تحجيم الطلب فغير ممكن، والسياسة والاقتصاد هما (فن الممكن).

وفرض الرسوم على كافة الأراضي البيضاء المطورة وغير المطورة هو أفضل وسيلة لزيادة المعروض من المساكن المعمورة، فقد زالت كل المخانق الاقتصادية وبقيت أسعار الأراضي المرتفعة غصة في حلوق المواطنين وعقبة مشؤومة أمام الشباب في الزواج والإحساس بالاطمئنان، فإن المستأجر على قلق دائم..