مرَّت العلاقات الخليجية - الإيرانية بمنعطفات مختلفة عبر مراحل زمنية ممتدة، تأرجحت فيها ما بين الصراع وما يشبه الانفراج.. ومنذ قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، مرَّت العلاقات بين طهران والعواصم الخليجية بفترات متفاوتة ومتقلبة بين الصدام والتعاون.

النظام الإيراني مسؤول عن التوتر بسبب إصراره الدائم على التدخل وتصعيد وتأزيم المواقف مع دول الخليج

وبوجه عام، فقد دأبت دول الخليج على التعامل مع إيران وفق مبدأ حسن الجوار وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، كما أبدت دول مجلس التعاون الخليجي –ولا تزال- حرصاً بالغاً على الملفات العالقة بين الجانبين، وفقًا للقوانين والمعاهدات الدولية.

وشهدت الآونة الأخيرة معطيات ومؤشرات عدَّة مقلقة بشأن السلوك المستقبلي لإيران تجاه دول المجلس في مرحلة ما بعد توقيعها الاتفاق النووي مع القوى العالمية الست الكبرى.

وتشير بعض المعطيات إلى ارتفاع وتيرة التدخل الإيراني تجاه دول الخليج، ولعلَّ من أبرزها توتر العلاقات بين دولة الكويت وإيران على خلفية سعي طهران فرض سيطرتها على حقل "الدرة" النفطي الذي تتشارك فيه الدولتان مع المملكة العربية السعودية، إضافة إلى ما كشفته مملكة البحرين مؤخرًا من وجود صلات قوية بين طهران ومنفذي التفجير الإرهابي في قرية "كرانة" خلال شهر أغسطس 2015.

وأسهم التجانس بين الدول الأعضاء في مجلس التعاون في تمكينه من تبني مواقف موحدة تجاه القضايا السياسية، وسياسات ترتكز على مبادئ حسن الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، واحترام سيادة كل دولة على أراضيها ومواردها، واعتماد مبدأ الحوار السلمي وسيلة لفض المنازعات، الأمر الذي أعطى مجلس التعاون قدراً كبيراً من المصداقية، كمنظمة دولية فاعلة في هذه المنطقة الحيوية للعالم بأسره.

وثمة مجموعة من المحددات والمعطيات، الجيوسياسية والديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية، والثقافية الحاكمة للعلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجي وإيران، وفي مقدمتها:

  • الموقع الجغرافي

حيث تعد إيران دولة جوار مباشر لدول الخليج، إذ تمتلك سواحل مترامية على طول الضفة الشرقية للخليج العربي.

وقد أسهم هذا القرب الجغرافي في إثارة عدد من المشكلات بين الجانبين، خاصةً فيما يتعلق بالحدود البحرية وما تحتويه من ثروات طبيعية ولاسيما النفط والغاز، وتعد النزاعات المرتبطة بحقل "الدرة" النفطي الواقع في المنطقة البحرية المشتركة بين كل من المملكة، والكويت، وإيران، مثالًا ذا دلالة في هذا السياق.

  • الامتدادات السكانية والاجتماعي

فقد ساعد الجوار الجغرافي بين إيران ودول الخليج على سهولة التنقل والتواصل بين ضفتي الخليج، ومن ثَمَّ أصبحت هناك امتدادات ديموغرافية وروابط اجتماعية بين الجانبين حيث يوجد العديد من العائلات والأسر الخليجية ذات أصول إيرانية، كما هو الحال في البحرين، والكويت، والإمارات، على سبيل المثال.

  • الروابط التجارية والاقتصادية

تُعد إيران شريكًا تجاريًّا مهمًّا -وفي بعض الأحيان الشريك التجاري الأول - لبعض دول الخليج، وفي مقدمتها دولة الإمارات العربية المتحدة.

فعلى سبيل المثال، تعد الإمارات شريكًا اقتصاديّاً لإيران من الدرجة الأولى، وتشير الإحصاءات الإيرانية إلى وجود نحو 8 آلاف شركة إيرانية تمارس أنشطة تجارية في دولة الإمارات العربية المتحدة.

وعلى صعيد العلاقات التجارية الثنائية، شكَّلت الصادرات الإماراتية نحو 31% من إجمالي الواردات الإيرانية لعام 2011؛ حيث أصبحت إيران ثالث أكبر سوق تصديرية للإمارات مستحوذةً على ما يقارب 11% من إجمالي صادراتها.

من خلف الأزمات؟

وإذا كان هناك إجماع على أن العلاقات الخليجية الإيرانية غير مستقرة، فإن هذا الأمر ولا شك له أسبابه، كما أن له شواهده العديدة التي تؤكده وتتطلب طرح بدائل وخيارات خليجية لكيفية التعامل مع طهران في المرحلة القادمة في ظل إصرارها على عدم تغيير سياستها تجاه دول الخليج، وهو الأمر الذي ظهرت وتظهر تجلياته في العديد من السياسات والممارسات والأزمات التي افتعلتها إيران، ومن بينها:

  • أزمة الجزر الإماراتية

تلك الجزر التي احتلتها إيران الشاه عشية خروج القوات البريطانية من إمارات الخليج العربي عام 1971، وظلت على مدار أربعة عقود ترفض جهود الإمارات لحلها بكل الطرائق السلمية.. بل تتخذ إجراءات أحادية لتغيير الوضع القانوني والديموغرافي للجزر.. وهو ما جعل هذه الأزمة سبباً رئيسياً في استمرار توتر العلاقات الخليجية - الإيرانية.

  • النفوذ الإيراني في العراق

حيث إن دول الخليج يقلقها كثيرًا تمدد النفوذ الإيراني في العراق بعد غزوه عام 2003، فقد استغلت طهران سقوط نظام صدام حسين، وتفشي الفوضى في هذا البلد لتوجد لنفسها موطئ قدم فيه، ومثل هذا التمدد يشكل معضلة أمنية بالنسبة لهذه الدول بسبب دور إيران في تكريس حالة الفوضى الأمنية بهذا البلد من خلال دعمها بالمال والسلاح بعض الميليشيات المسلحة، وهو أمر يقلق دول الخليج من المخططات الإيرانية الهادفة لتكريس الطائفية في المنطقة، وهو ما يزعزع الوضع الأمني في هذه الدول.

  • البرنامج النووي

    الطموح النووي الإيراني وعدم الشفافية يشكلان هاجسًا مشتركًا لدول الخليج العربية وتهديدًا لأمنها، خاصة أن حصول طهران على السلاح النووي (في حالة إذا ما كان برنامجها النووي ذا طابع عسكري) سيؤدي لعدم استقرار هذه الدول، ويسبب سباق تسلح بين دول المنطقة، نظرًا لخطورة تحول إيران إلى دولة نووية تهيمن على محيطها الإقليمي.

  • النشاط الاستخباراتي في الخليج

إذ يجرى تداول معلومات تستند إلى تقارير استخباراتية تفيد وجود خلايا إيرانية في الدول الخليجية تنشط في جمع المعلومات عن المنشآت الاقتصادية والعسكرية والبنية التحتية.. وأبرز مثال على هذا النوع من النشاط قضية التجسس التي تسببت في الأزمة بين الكويت وإيران؛ حيث اكتشفت أجهزة الأمن الكويتية في مايو 2010 شبكة تجسس تابعة للحرس الثوري الإيراني تستهدف البنية الأساسية في هذا البلد.

  • دعم الحوثيين

تمتد نقاط التوتر والقلق في العلاقات الخليجية - الإيرانية لتشمل أيضًا، دور إيران في دعم التمرد الحوثي في اليمن لأجل زعزعة الاستقرار على حدوده مع المملكة، وكذلك ترديدها الشعارات العنصرية كإصرارها على مسمى "الخليج الفارسي"، فضلاً عما يتردد بشأن دور إيراني في إغراق دول الخليج بالمخدرات (حيث أُحبط في البحرين والمملكة العديد من محاولات التهريب القادمة من إيران).

تلك الأزمات وبؤر التوتر كافة التي تعتري العلاقات الخليجية - الإيرانية، لا تفضي إلا إلى حقيقة واحدة، هي أن إيران هي المسؤول الأول عن وصول هذه العلاقات إلى تلك الحالة، بسبب إصرارها الدائم على ممارسة أسلوب الاستعلاء وسياسات التدخل والتصعيد في تعاملها مع دول الخليج، التي كما سبقت الإشارة لا تفتأ تظهر حسن نياتها تجاه طهران، وتعلن دائمًا استعدادها لتطوير العلاقات معها، وتدعو إلى حل القضايا الخلافية بالدبلوماسية والحوار.

مسار العلاقات

اتسمت العلاقات الخليجية - الإيرانية منذ عام 1979 وإبَّان الحرب الإيرانية - العراقية خلال الفترة 1980- 1988 بالتوتر الشديد ثم ما لبثت أن شهدت تلك العلاقات حالة من الهدوء الحذر عقب الغزو العراقي لدولة الكويت في 2 أغسطس1990، واستمر هذا الهدوء حتى منتصف تسعينات القرن الماضي، فيما ظلَّت قضية احتلال إيران للجزر الإماراتية الثلاث (أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى) على رأس قضايا الخلاف بين دول مجلس التعاون الخليجي وإيران.

وشكل الاحتلال الإيراني للجزر الإماراتية الثلاث منذ نوفمبر ١٩٧١م، عامل قلق عميق أعاق إلى حد كبير إمكانية توسيع العلاقات بين دول المجلس مع إيران، كما أعرب المجلس مراراً عن رفضه واستنكاره لتدخلات إيران المتكررة في الشؤون الداخلية لبعض دول المجلس.

كما ناشد المجلس إيران الاستجابة لمبادرة دول مجلس التعاون والإمارات العربية المتحدة لحل قضية احتلال إيران للجزر الثلاث بالوسائل السلمية، وأن تترجم إيران توجهاتها السياسية الإيجابية المعلنة إلى واقع عملي ملموس.

الجزر الإماراتية المحتلة

منذ عام ١٩٩٢م أصبح موضوع الجزر الإماراتية الثلاث، طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى، بنداً ثابتاً على جدول أعمال المجلس الأعلى والمجلس الوزاري. ولقد ساندت دول المجلس موقف الإمارات العربية المتحدة من قضية الجزر، وطالبت إيران بإنهاء احتلالها للجزر الإماراتية الثلاث، والدخول في مفاوضات مباشرة مع الإمارات حول قضية الجزر الثلاث المحتلة، أو إحالة القضية إلى محكمة العدل الدولية. ومن الخطوات المهمة في هذا الإطار، قرار المجلس الوزاري في دورته الحادية والسبعين التي عقدت في جدة بتاريخ ٣ يوليو ١٩٩٩م، الخاص بإنشاء لجنة وزارية من كل من المملكة العربية السعودية، وسلطنة عمان، ودولة قطر، ومعالي الأمين العام لمجلس التعاون، بهدف وضع آلية لبدء المفاوضات المباشرة لحل قضية احتلال إيران للجزر الثلاث.

وكانت دول المجلس تتطلع لأن يكون استقبال إيران لهذه اللجنة والتعامل معها مدخلاً مهماً يمهد لحل قضية الجزر الثلاث، ولكن إيران رفضت استقبال هذه اللجنة.

وفي تحرك دولي موسع، ناشدت دول مجلس التعاون الدول والمجموعات الإقليمية والدولية، بالعمل على إقناع إيران وحثها على القبول بالجهود السلمية للإمارات العربية المتحدة لحل القضية.

أزمة البرنامج النووي

التزاماً بمبادئ مجلس التعاون الثابتة باحترام الشرعية الدولية وحل النزاعات بالطرق السلمية، أكد المجلس على أهمية التوصل إلى حل سلمي لهذه الأزمة، وحث إيران على مواصلة الحوار الدولي والتعاون الكامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والالتزام بالمعايير الدولية للوكالة الدولية للطاقة الذرية.

كما أكد المجلس على أن البرنامج النووي الإيراني لا يهدد أمن المنطقة واستقرارها فحسب بل الأمن والاستقرار العالمي، واعتبر أن مسؤولية السلامة بالنسبة للاستخدام السلمي للطاقة النووية تقع على الدولة المشغلة لأي منشأة نووية مع الأخذ في الاعتبار المحافظة على النطاق الجغرافي الواسع في المنطقة وضرورة الالتزام التام بمعايير الأمن والسلامة وخطر الانتشار.

وفي هذا الإطار دعا المجلس إيران إلى الشفافية التامة حيال مفاعل بوشهر الإيراني، والانضمام الفوري إلى اتفاقية السلامة النووية وتطبيق أعلى معايير السلامة في منشآتها.

وعبرت دول مجلس التعاون الخليجي عن ترحيبها بالاتفاق المرحلي الذي توصلت إليه مجموعة ١ + ٥ مع إيران حول برنامجها النووي، كما طالب المجلس إسرائيل بالانضمام إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية وإخضاع كافة منشآتها النووية لنظام التفتيش التابع للوكالة الدولية للطاقة الذرية ودعا المجتمع الدولي إلى الضغط على إسرائيل لحملها على الاستجابة لمطالب الأسرة الدولية في هذا الشأن.

رؤية ختامية

العلاقات الإيرانية - الخليجية تفرضها اعتبارات الأخوة الإسلامية والجوار المشترك، وروابط التاريخ والمصالح المشتركة وتطويرها، وهي ذات أهمية متزايدة، وحيوية للغاية، وثمة ضرورة أن تدرك إيران أن هذه علاقات إستراتيجية وليست ظرفية، وأن أمن الخليج يقع على عاتق دوله بما فيها إيران، وفق ترتيبات أمنية مشتركة، للحيلولة دون وقوع أي أزمة.

ولابد من توافر إرادة سياسة واضحة والتخلص من رواسب الماضي ومنطق الحنين لدى القيادة الإيرانية للعب دور "الشرطي" في المنطقة, وقبول التحكيم الدولي بشأن مسألة الجزر الإماراتية، والقبول بما تسفر عنه من قرارات حتى لا تكون هذه المسألة عقبة دائمة في تفعيل العلاقات من منظور أنها تمثل مسألة سيادة وحقوق وطنية إماراتية، لا يجوز القفز عليها.

وعلى إيران -خاصة على صعيد العلاقات مع دول مجلس التعاون الخليجي- أن تتوقف عن مسعى بناء التعاون، على "أساس ثنائي"، أي مع كل دولة على حدة، وطبقًا لطبيعة وحجم المصالح المشتركة، بل بصورة جماعية، مع النظام الرسمي لإقليم الخليج، وعبر جامعة الدول العربية، على الصعيد الأشمل، وبمزيد من الأطر المؤسسية والنظامية، وبصورة متوازنة ومتكافئة.


الدعم الإيراني للحوثيين في اليمن خلق أزمة كبيرة في العلاقات مع دول المجلس

قضية الجزر المحتلة شكلت بنداً ثابتاً على جدول أعمال المجلس منذ 1992م

أبدت دول الخليج حرصاً بالغاً على الملفات العالقة مع إيران

الطموحات النووية الإيرانية تشكل تهديداً لأمن الخليج