دار في الآونة الأخيرة جدال حول عدم مناسبة مصطلح: رب الأسرة المستعمل في بطاقة الأحوال المدنية للدلالة على أفراد الأسرة. وكان رأي من يرى صحة المصطلح أنه من تراث الإسلام، وأنه مصطلح عربي يعود لعصر التشريع الإسلامي. وقد رأيت أن أشارك المعارضين له برأي يقوم على استقراء المصطلح في القاموس اللغوي والثقافي العربي، وكذلك في تاريخ تطور المصطلح.
وزبدة القول أن جملة (رب الأسرة) جملة مصطنعة لم تستعمل في لغة العرب القديمة ولم ترد في القرآن الكريم أو الحديث الشريف لتعني ما تعنيه الآن. بل هي هجين من تطور تاريخي للمفردة ومعان انجليزية تعود للقرون الوسطى.
وبداية لا يخامرني شك أن كلمة: ربّ وكلمة: أسرة كل على انفراد لا تحمل أي دلالة ثقافية أو وظيفية مناسبة لهذا العصر، حتى على افتراض أن استعمالهما مجازًا لهذا المعنى صحيح. وليس من غير المألوف ترك بعض الكلمات العربية الفصيحة في الفضاء الرسمي الثقافي. فقد تركنا استعمال كلمة: رعية الواردة في سجلات الأحوال المدنية للدلالة على جنسية المواطن. فكان يُقال فلان بن فلان من رعايا المملكة العربية السعودية. وحل محلها كلمة: الجنسية. ومثل هذا كثير ولا مشاحة في ذلك. فلكل كلمة لها معنى يتطور تاريخيًا، قد يكون معناها القديم لا يستقيم مع الثقافة المعاصرة، بل قد يوحي بمعنى مخالف لما كان يعنيه في العصور القديمة والوسطى. مثل جملة: جراثيم العرب أي أصلهم ومجتمعهم، أو كلمة: عصابة التي تُقال للملوك وجماعة الأخيار، وكلمة بيضة البلد: لتصف أشهر أهل البلد. وكلها كلمات وجمل غير مستحبة اليوم، وتغيّر معناها إلى الضد.
وبداية عليّ أن أبيّن على وجه الدقة معاني الكلمتين في القاموس العربي، فكلمة الربّ مصطلح يستخدم غالبًا بشكل مترافق مع مصطلح الإله، لكنه مع معاني الإله، فهو يحمل معنى العناية وتدبير شؤون الخلق. ومن ناحية تطور كلمة "ربّ" في اللغة العربية فهي تعني: مالك الشيء. وأصل الكلمة اللغوي هو فعل "رَبّ" بمعنى: زاد، كما تظهر بنفس المعنى في اللغات السامية الأخرى تحت جذر (ر-ب-ب) وتطور معنى الكلمة إلى السيادة ومن ثم الألوهية في اللغات الآرامية والكنعانية فأصبحت تدل على السيادة والعظمة، ثم انتقلت بهذا المعنى إلى لغات أخرى كالعربية والجعزية (المعروفة بالأثيوبية) والبهلوية (أو اللغة الفهلوية وهي اللغة الفارسية الوسطى). ونادرًا ما استعمل هذا اللفظ للدلالة على الله جل جلاله قبل الديانة النصرانية، غير أنها اتخذت معنى الألوهية بتأثير السريانية. وظهرت كلمة ربّ في الأشعار الجاهلية أحيانا بهذا المعنى. وأصبحت الكلمة مع ظهور الإسلام تدل على الله حصرًا وخاصة عند تعريف الكلمة.
أما كلمة أسرة فهي كما في تاج العروس تعني الدرع الحصينة، والأسرة من الرجل هم رهطه الأدنون وعشيرته، لأنه يتقوى بهم. وورد في لسان العرب ما يفيد المعاني السابقة.
ومهما يكن من أمر فكلمة أسرة حديثة التداول، ولم تكن معروفة في العصر النبوي ولا العصور الهجرية الأولى. وكانت تعني في بداية استعمالها: أسرة الرجل أي عشيرته ورهطه الأدنين. وبهذا فهي لا تعني اختصاصها فقط بأهل البيت الواحد كما ورد في لسان العرب. ومع هذا فهي تظل مناسبة في هذا العصر لعدم وجود بديل عنها.
أما جملة: رب الأسرة فقد ذهب العلامة تقي الدين الهلالي المغربي إلى أن هذه الجملة جديدة الاستعمال، لم يعرفها أهل القرون الإسلامية الثلاثة. ولم تكن الكلمة تستعمل للدلاة على أهل البيت الواحد. وهذا المعنى جديد. وهو من توهم المترجمين الذين ترجموا لفظ Family الإنكليزية. وكان المترجمون يترجمون كلمة Family بكلمة (عائلة) فعاب ذلك عليهم النقاد، لأن (العائلة) في اللغة العربية تعني الفقر، قال تعالى في سورة الضحى: (ووجدك عائلا فأغنى) أي وجدك فقيرا فأغناك. وقال تعالى في سورة التوبة (وإن خفتم عيلة، فسوف يغنيكم الله من فضله) أي خفتم فقرا، فانتقل المترجمون إلى استعمال كلمة (أسرة) وهو انتقال من خطأ إلى خطأ آخر، والعبارة الصحيحة هي: بيت أو أهل البيت، قال تعالى في سورة هود (رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت).
لا أميل إلى استعمال كلمة (ربّ) للدلالة على رئيس أو مسؤول أهل البيت الواحد، لأنها تعني الملكية وربما الخضوع والإذلال. وحتى لو أجازت بعض المعاجم مجازا صحة ذلك. فهي تعني تملُّك الأسرة كأنهم من المال أو المتاع، كما أنني لا أميل لجملة (رب الأسرة) لأنها من الكلمات والجمل الحديثة التي انتقلت إلى اللغة العربية من قواميس اللغة الإنجليزية القديمة مع بداية الترجمة.
أما في قواميس اللغة الإنجليزية الحديثة فلم تعد الكلمتان تستعملان للدلالة على علاقة الإنسان بأهل بيته. وكان العرب يستعملون كلمات من قِبل: آل، وأهل، وأهل بيت ورهط للدلاة على أهل البيت الواحد. وهذه الألفاظ هي المعروفة في المعاجم العربية الكلاسيكية مثل: تاج العروس ولسان العرب وغيرهما.
إذا استعمل لفظ "رب" وأريد به إنسان، فلا بد أن يكون مضافا إلى شيء هو داخل في ملكه وحوزته وتحت سيادته يتصرف فيه بالبيع والشراء، حتى يكون المعنى صحيحا، كأن يقال: "رب المال" أو "رب الدار" أو "رب الإبل" أو وما شابه ذلك. وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مَنْ رَبُّ هَذَا الْجَمَلِ؟) رواه أبو داود في صحيحة أي: من صاحبه وسيده، أو أن تكون الإضافة إلى ضمير المتكلم فقد يقول قائل بالجواز لقوله تعالى حكاية عن يوسف (إنه ربي أحسن مثواي) أي سيدي، وهذه الإضافة تقتضي الإذلال. لكنه في حق يوسف تعني وصف العبد لسيده ومالكه. لكن في حال قولنا: رب الأسرة ونقصد به الزوج أو الأب، فهذا الاستعمال غير دقيق لأن من دلالة كلمة ربّ هي التملك وحق البيع والشراء. والزوج والأب لا يملك هذا الحق في أهل بيته. وأهل بيته لا يقولون له أنت ربنا بمعنى أنت المتصرف فينا.
وفي هذا الصدد روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يقل المملوك لسيده: ربي. كره أن يجعلَ مالكه ربًا له. أما قول الله تعالى: فأذكرني عند ربك. فإنه خاطبهم على المتعارف عندهم. ومثله الحديث في ضالة الإبل: حتى يلقاها ربُّها، فإن البهائم غير مُتعَّبدة ولا مخاطبة فهي بمنزلة الأموال التي تجوز إضافة مالكها إليها وجعلهم أربابًا لها.
أما المصطلح الشائع في صدر الإسلام فهو أهل البيت مثل قول الرسول عليه الصلاة والسلام: إذا طبخت مرقًا فأكثر ماءه، ثم انظر أهل بيت من جيرانك فأصبهم منها بمعروف. وقوله: أيما بيت من العرب والعجم أراد الله بهم خيرا أدخل عليهم الإسلام.
وزبدة القول أن جملة (رب الأسرة) جملة مصطنعة لم تستعمل في لغة العرب القديمة ولم ترد في القرآن الكريم أو الحديث الشريف لتعني ما تعنيه الآن. بل هي هجين من تطور تاريخي للمفردة ومعان انجليزية تعود للقرون الوسطى. وليس في لغتنا العربية مثل اللغات الأوروبية من اختصار الكلمات لصنع كلمة واحدة. مثال ذلك كلمة Family جاءت من الحروف الأولى لجملة: father and mother I love you (أبي وأمي أنا أحبكما) فضلاً عن أنها لا تليق بنا في هذا العصر الذي تطورت فيه بعض الكلمات من حيث معناها، أو تم التخلي عنها. والله أعلم.


1
عبدالله ابراهيم
2015-12-04 16:43:08يصلح كما ألمح الكاتب د. عبدالله إلى إصدار بطاقة مثل بطاقة الأب وفيها اسماء الأبناء والبنات.
2
محمد السعدان
2015-12-03 19:48:10بارك الله فيك استاذنا أفدت وامتعت بحث جيد ومفيد لكن ما البديل هل يصلح اب الأسرة؟
3
أم رنا
2015-12-02 19:48:19السلام/ بحرٌ من المعلومات أنهل منه فشكراً، ولكن ليتك اقترحت مسمّى طالما لديك كل هذا العلم باللغة
4
حسين
2015-12-02 13:18:22عوفيت عرض جميل مفيد ولكن اين الاسم المختصر الأوفق المقترح