بعض المسؤولين يحرقهم الإعلام إما لعدم التمكن أو لكثرة الظهور، والبعض يخشونه ولا يواجهونه ويبتعدون عنه بكل الطرق، وثمة فئة تجد نفسها مجبرة على التعاطي معه مع علمها أن بعض المواجهات قد تضر بالشخص وبمنصبه، ولكل هذه الفئات وغيرها نقول إن المهارات الشخصية مكملة للظهور الإعلامي ولكن الأساس هو وجود إدارة علاقات عامة متمكنة في الكيان سواء كان وزارة أو هيئة أو غيرها تخطط للتعامل الإعلامي بعيداً عن كون المسؤول يجيد الحديث أو لا يجيده.

عندما درسنا الإعلام في جامعة الملك سعود والتحقنا بشعبة العلاقات العامة كأول دفعة تلتحق بهذا القسم كنا خمسة طلاب فقط وكنا نجتمع حول طاولة المحاضر في مكتبه للدراسة لقلة عددنا، ولم يوفق القسم في اختيار متخصصين في تدريس هذا التخصص كنواة لمن سيأتي بعدنا خاصة وأن دفعتنا كانت أول دفعة ستتخرج من جامعة سعودية، واستمر القسم فيما بعد ذلك في تخريج أعداد أكبر.. فأين ذهبوا؟. قلة قليلة منهم التحقت بالعمل الإعلامي وقليل منهم في أقسام العلاقات العامة والغالبية ذهبوا إلى مجالات مختلفة ومن التحقوا وجدوا أن إدارة العلاقات العامة هي إدارة خدمات مهمتها حجوزات التذاكر والفنادق واستقبال الضيوف والإعداد للاستقبالات بعيداً عن دورها الحقيقي.

تتعدد التعريفات التي تحدد دور إدارة العلاقات العامة لكني سأختار أحدها وهو الذي يقول "إنها الإدارة المستمرة والمخططة التي تسعى بها المنظمة أو الجهة إلى كسب تفاهم وتعاطف وتأثير الجماهير التي تهمها والحفاظ على استمرار هذا التفاهم والتعاطف والتأثير الإيجابي وذلك من خلال قياس اتجاهات الرأي العام لضمان توافقه مع سياسات المنظمة أو الجهة وأنشطتها".. كلام كبير ليس من ضمنه حجز الفنادق واستقبال الضيوف ولهذا فهي إدارة تقوم بدور مهم وحيوي ومن مهامها توجيه المسؤول للظهور الإعلامي متى ما دعت الحاجة وتوجهه بكيفية الظهور قبل أن يقف أمام الكاميرات ولاقطات الصوت حتى لا يرتكب هفوة لن يرحمه المجتمع منها وخصوصاً إذا كانت الجهة التي يتحدث باسمها ذات ارتباط بالمواطن ولهذا يفترض في أي وزير أو مسؤول والجديد منهم على وجه الخصوص أن يعرف تحديداً ماذا يقول ومتى يقول وعلى إدارة العلاقات العامة إن كانت حقيقية وتمارس نشاطها بالتعريف الذي ذكر أن تطلعه بدقة على الوضع الذي تقف فيه وزارته وما هي الخطط التكميلية لمن سبقه بعيداً عن عبارات مثل "سنطلع على تجارب الدول المتقدم للاستفادة منها" فمن سبقكم اطلع عليها ويفترض أنكم تستفيدون من خطوات من سبقكم بعيداً عن نسف إنجازات الآخرين والبدء من الصفر.

في الدول المتقدمة يستعينون بخبراء للعلاقات العامة لمساندتهم في قياس اتجاهات الرأي العام والمواءمة بينها وبين خططهم. ليس بالضرورة أن يكون المسؤول متحدثاً لبقاً ولكن من المهم أن يكون مطلعاً وأن يتحدث من خلال وقائع وأرقام بعيداً عن عبارات مثل "لا يحضرني الآن" التي نسمعها كثيراً حيث يفترض أن إدارة العلاقات العامة قد جهزته مسبقاً للإجابة على الأسئلة الافتراضية التي يعتقد أنها ستوجه له وجهزته بمعلومات كافية تساعده في الرد على أي سؤال وتكون حقيقية لأن الناس ترصد ما يقال بدقة وتربطه بما قيل سابقاً وتبني عليه ما الذي سيحدث مستقبلاً، والطامة الكبرى عندما يوجه المسؤول الدعوة إلى الإعلام لمؤتمر ثم لا يجيد الحديث فيه، فالخروج غير المدروس قد يجلب كوارث وخصوصاً ونحن في زمن الرصد الدقيق لكل هفوة عبر وسائل التواصل.

إن الغياب التام عن مواجهة الإعلام خطأ كبير فلابد من التعاطي مع الناس إعلامياً إما من خلال المسؤول الأول أو من خلال المتحدث الرسمي والذي يفترض أنه أحد أهم أعمدة إدارة العلاقات العامة وليس عيباً أن يشارك أي مسؤول في دورات متقدمة للتعاطي مع الإعلام وأن لا يحرق نفسه بالظهور المتكرر أو الغياب الدائم فالمواطن يطرح الأسئلة ويحتاج الإجابات وفي كثير من الأحيان يحتاجها من المسؤول الأول عن الجهة المعنية، وأخطرهم من يتجاهل دور الإعلام أو يستهين به.