التثمين العشوائي وضعف تنظيمات الأنشطة الإقراضية أودت إلى تفشي التضخم السعري في القطاع العقاري، وكانت من ضمن عوامل أخرى كالاكتناز والاحتكار سبباً في تجاوز العقار قيمته الحقيقية وبلوغه أسقفاً سعرية لم يكن أحد يتنبأ بها.

ووفقاً لمتابعة دقيقة لهذا الشأن، فإن مثل هذا التسارع في صعود الأسعار أخذ أشكالاً متعددة، وبلغ ذروته حين انتشر التمويل المفرط من البنوك والجهات التمويلية الأخرى، وإنصب التركيز على تمويل القطاع العقاري بمختلف أنواعه ودون النظر إلى حدة تضخم أسعاره، ورُكِزَ فيه على الكم من الأرباح، وأُغفل فيه الكيف من خدمة القطاع وحل مصاعب الأفراد السكنية، الأمر الذي غيب معه المعايير الدقيقة في التثمين للعقار والتمويل وغاب معهما قياس حجم المخاطر.

وبالطبع لا يزال هناك الكثير من التساؤلات حول مخاطر الأنشطة الإقراضية المتعلقة في تمويل العقار في ظل الأسعار الحالية، وطريقة العمل بفوائدها المركبة والمجحفة، ولا ينبغي للفوضى السابقة أن تستمر؛ لأن ماحدث من تمويل سابق كان خالياً من المضامين الموضوعية المتعلقة بما سوف تتركه مثل هذه التوسعات غير المدروسة من مضار وأثار سلبية من أبرزها تضخيم الأسعار وخلق أزمة إسكان بعدم قدرة الأفراد على الشراء، وأيضاً الإضرار بمداخيل الأفراد وتجفيف سيولتهم على المدى البعيد.

هذا الخلل في التثمين والتوسع في برامج إقراض المساكن الذي حدث خلال السنوات الماضية أوجد فقاعة سعرية كبيرة كانت تلقي بتهديداتها يوماً بعد أخر، ولو لم تستشعر مؤسسة النقد العربي السعودي حجم خطر هذا الخلل المنتشر ودرئه والتقليل من أثاره في وقت مناسب عبر تدخلها لتهدئة الأنشطة الإقراضية التي قفزت بأسعار العقار بإصدارها نظام الدفعة المقدمة المتمثلة بنسبة 30بالمئة من القيمة الإجمالية للعقار ابتداء من عام 2014 كشرط مبدئي لكل عملية شراء بالإقتراض، لولا كل ذلك لأوصلت الفوضى والعشوائية الأسعار إلى قمم خيالية تتجاوز الأسعار الخيالية لسوق الأسهم قبل انهيارعام 2006.

إن تعاظم مشاكل أزمة السكن في البلاد نتج من الخلل في التثمين والإفراط في الإقراض، والعمل بالفوائد المركبة، حيث كان التركيز من قبل المصارف والجهات التمويلية المرخص لها على تعظيم أرباحها عبر التوسع المبالغ به في أنشطتها الإقراضية وتجاهل قياس درجة المخاطر ومواءمتها مع المعايير المطلوبة.

من الأفضل والمناسب التشديد على الأنشطة الإقراضية من قبل مؤسسة النقد العربي السعودي، وأن تكون تلك الأنشطة الإقراضية للجهات التمويلية لا تستند إلا على الوضوح من حيث كفاءة التثمين وعدالته، وتفعيل العمل بصيغة الإقراض بالفائدة المتناقصة التي أقرت عام 2014 ولم تأخذ شكلها على النحو الصحيح من قبل المصارف، وعلى سبيل المثال مواطن عمره 30 عاماً وبراتب 15000ريال ولديه دخل آخر ويرغب بشراء مسكن وبتمويل لعملية الشراء بمبلغ مليون و764 ألف ريال من قبل المصرف لمدة 30 عاما، فإن عليه أن يدفع قسطاً شهرياً يبلغ 9750 ريالا لمدة 360 شهراً ليصبح مجموع مايدفعه للمصرف بنهاية الشهر الأخير هو 3 ملايين ونصف المليون بفائدة مركبة للبنك تبلغ مليونا و736 ألف ريال للبنك؛ أي بقيمة مسكن آخر حسب السعر السوقي.

ذلك النوع من طرق الإقراض لابد من إعادة تقييمة؛ حيث استنزف الأفراد بشكل كبير، ومن غير المعقول أن يشتري الفرد مسكناً بالقيمة التي ذكرتها في المثال السابق وتصبح تكلفتها عليه مع الفوائد بقيمة منزلين بالسعر النقدي السائد، هذا فيه إضرار على الأفراد والمجتمع، وبدأت آثاره تتشكل الآن على النشاط الاقتصادي الاستهلاكي بحيث أصبحت حركته مقيدة بالأسبوع الأول من إيداع الرواتب في الحسابات.