بعد قرارات مجلس الوزراء الأخيرة بما يخص ضريبة الأراضي البيضاء، علق وزير الإسكان عبر قناة الإخبارية أن التشريعات الجديدة تستهدف الوضوح والعدالة خصوصاً في تطبيق الرسوم وتنفي أن يترتب على تطبيق هذا النظام خروج بعض رؤوس الأموال المستثمرة في السوق العقارية متوقعاً عودة رؤوس الأموال.. وفعلاً هذا هو المطلوب.

العقار ليس سوقاً منفصلة، بل هو جزء أصيل من أي نشاط اقتصادي مثل القروض المالية، بدليل أن الدول إذا حاولت تنشيط الاستثمار بها سهّلت التمويل المالي، ومنحت الأراضي بشكل تشجيعي عبر نظام الإجارة وغيره من وسائل التشجيع، وانهياره دليل على الانهيار الاقتصادي، والعكس صحيح، ولكن القاعدة تشذ في بعض الاقتصاديات، أذكّر بهذه النقاط لكي لا تُنسى في ظل مشكلة الإسكان التي تسعى الدولة في حلها - والتي أتمنى أن يتغير اسمها من وزارة الإسكان إلى وزارة العقارات - لكن أيضاً علينا عدم نسيان أن النشاط العقاري يجب أن يتحول إلى صناعة تزيد من مشاركة القطاع الخاص، وتزيد من تنوّع الخدمات بشكل كمي ونوعي في ظل الموارد المحدودة من قوة شرائية وأراضٍ ومواد بناء وغيرها.

يتحدث البعض أن الدولة بيدها الحل، من وجهة نظري نعم، ولكن كمشرّع وليس كمنفّذ، حتى لو فرضنا أن الدولة نفّذت مشروع الخمس مئة ألف وحدة سكنية اليوم، للمعلومية نحن السعوديين نتزايد بمعدل أكثر من أربع مئة ألف نسمة سنوياً، فماذا سوف نفعل لهم؟ فلن يضمن حقوق الأجيال القادمة سوى وجود (صناعة عقارية) واضحة ودقيقة تقوم على يد القطاع الخاص من مختلف النواحي والأدوار، وقدرة القطاع الخاص على تنويع وتطوير المنتجات باختلاف الدخل والقدرات والأماكن.

النظر للدولة بأنها مقدم الخدمات فهي المقاول والطبيب والمعلم خلقت هذه الثقافة لدينا وأضعفت دور القطاع الخاص، يكفي أن أقول إن 62.5% من القوة العاملة بالمملكة تعمل لدى الدولة، والمتوسط العالمي هو 20% للدول المتقدمة، حتى بعض الدول النامية نسبتها أفضل من المملكة مثل مصر ولبنان 30% و18%، والسبب ضعف القطاع الخاص بسبب عدم إعطائه فرصاً أكثر في تنمية اقتصادنا، وهذه ثقافة جديدة سوف تواجه مقاومة رفض في البداية، وهذا طبيعي، وهو ما يفسر الحملة التي شنّت ضد معالي الوزير، لكن علينا ألا ننسى أن الإصلاحات الكبرى كيف ووجهت في البداية بالرفض والاستنكار، وكيف قذفت (عربة تاتشر في بريطانيا بالطماطم الفاسدة) واليوم النمو البريطاني بخلاف أوروبا الغربية هو بفضل إصلاحاتها التي تحولت إلى ثقافة.

أتمنى أن تنجح دولتنا الكريمة في حل مشكلة الإسكان لكل مواطن، وأن يوعّى الجميع بأن القطاع الخاص هو شركات وليس تجاراً، وأنه خلق وظائف للمجتمع، وليس تكديس ثروات للأقلية، وأن القطاع الخاص هو تنوّع المنتجات باختلاف الأسواق والعملاء وليس رفع الأسعار عندما تتحول الأنشطة إلى صناعات مثل النشاط العقاري.