ليسمح لي أبي رحمه الله وأسكنه فسيح جناته أن أتخذ منه أنموذجاً لدين الفطرة الذي لم يصحبه ادعاء، كان واحداً من مجتمع قبلي تعتمد حياتهم على الترحال لأماكن العشب ومساقط الغيث، وأحيانا إلى ما يلائم الأحوال، من اقتراب من أماكن الحصاد، ووقت حطاط الفاكهة من أجل الاشتغال بها رحيلاً أو تقعيداً، أو حصاداً.

لم يقرأ كتاباً واحداً، يحفظ من القرآن ما يقيم به صلاته، تلك الصلاة التي شُهد له (ولا أزكيه على الله) بها في أقسى البرد، وكان يحثنا عليها حثاً لا هوادة فيه، ويغضب غضباً لا نحتمله إن فرطنا فيها. ويقول بلهجته: (الصلاة عمود الدين، من حفظها حفظ الدين ومن ضيعها ضيع الدين) ما كان متصلاً بالقرآن الكريم يعرفه مثل الإيمان، اليوم الآخر، الرزق، الزكاة لكن لو سألته عن أنواع التوحيد لما أجابك لأنه يعرف شهادة (لا إله إلا الله) ويشهد أن محمداً رسول الله، وأذكره حين كنا نرحل حين نطل على أفق جديد يقف ويتشهد ويسبح، ومع هذا كان سلوكه تعاليم الإسلام وقيمه التي تلقاها عبر الفطرة، يكرّم من يلقى، ويهش ويبش في وجه إخوانه وأهله، ويبادل الطيب طيباً، ويكتفي الأذى على سنن ذلك الزمن الذي عاشوه، استقبل الصحوة استقبال الواثق بما يقربه من الله، لم يرتدد بحقد وحنق على فطرتهم الإسلامية، كان يستذكر حياتهم التى يلقى فيها الرجل المرأة على العفة والحياء.

عرف مكان حفظ القرآن قبل الصحويين، كان يقول لأمي: أتمنى أن يقرا ولدنا القرآن ويجد مسجدا يصلي فيه بالناس.

الحمد لله أن هداني لأحقق أمنية أبي فشغلت إمامة مسجد حي القرشان بالخالدية بالطائف فترة من الزمن وممن صلى خلفي ممن أستذكر: الوالد وأعمامي، وجدي علي وجدي عبدالرحمن بن مبارك وآخرون أمواتا رحمهم الله وأحياء غفر الله لهم، وشيوخ من الرياض ومن المصطافين.

أستذكر ذلك لأقول: إن فطرة الإسلام القائمة في النفوس أصدق من كل تمظهر بالدين، ومن كل الحواشي والشروح التي أُلصقت بالدين وادعت تجديده، لتكتسب تسلطاً، إن لم يكن الأمر ما كشرت عنه أنياب المتزمتين ضد أي مسلم غيرهم، الحمدلله الذي دعانا للاعتصام بحبله، وألف بين قلوبنا.