تتناغم الثقافتان الروسية والعربية بسبب خلفياتهما الذهنية والمزاجية. والروسي إذا تعلم العربية يكاد ينطقها كالعربي. زرت روسيا مرتين وخرجت بانطباعات وهوامش فكرية لا يتسع لهما هذا الحديث.

علاقتي مع التراث الروسي طويلة، خصوصا الجانب الاستشراقي منه بحكم التخصص، الذي شكل وحده تجربة ثرية في مسيرة حياتي العلمية والثقافية. اهتمام روسيا باللغة العربية والإسلام وتراثهما قديم، ذلك أن الصلات بين العرب والروس قديمة أيضا وتعود إلى العصر العباسي.

وأقدم نص عربي وغير عربي يصف روسيا كتبه أحمد بن فضلان الذي أرسله الخليفة العباسي المقتدر بالله عام 310/ 921م إلى ملك البلغار والصقالبة، ثم زادت العلاقات والكتابات بواسطة نفر من الحجاج الروس الأرثوذوكس إلى بيت المقدس، وفيما بعد الحجاج الروس إلى مكة الكرمة. ومن الغريب أن بعض أراضي روسيا القريبة من داغستان كانت تُعرف بثغور الخلافة، ما يدل على عمق العلاقات بين روسيا وبغداد.

أصبح للغة العربية لأول مرة كرسي أكاديمي في جامعة خاركوف kharkiv عام 1804 ومنذ ذلك التاريخ تطور اهتمام الروس باللغة العربية وثقافتها. واشتهر عدد من المستشرقين والمستعربين الروس من أمثال: دورن (ت 1836) وكريمسكي (ت 1941) ولم يمض عقد من الزمن إلاّ والعربية وآدابها تُدرس في أربع جامعات منذ القرن التاسع عشر.

لهذا لا نستغرب أن بعض مشاهير الأدباء مثل: تولستوي الذي درس الإسلام في مصنفات كريمسكي ألف كتاب: حكم النبي محمد. وكان لمجلة الشرق دور كبير في نشر بعض مؤلفات علماء المسلمين في التاريخ والدين والفلسفة مثال ذلك: ترجمة بلياييف مقاطع من تاريخ الطبري، وترجمة كريمسكي ألف ليلة وليلة. توج كل هذا الجهد بعقد مؤتمر للمستشرقين السوفيات في لينينجراد عام 1935 الذي ذاع صيته لعدد البحوث وجدّتها.

ومن المستشرقين الروس الذين تتلمذت على كتبهم ومقالاتهم: بارثولد (Barthold 1869-1930) وتعرفت على انتاجه في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، وكانت بعض كتبه ومقالاته مترجمة إلى العربية والإنجليزية. وكان مؤرخا صارما دقيقا، وعني بالمصادر الإسلامية الشرقية (غير العربية) وكانت له نظرات غير مسبوقة في مقدمة ابن خلدون.

وقرأت أن آثاره تتجاوز 400 تغطي مباحث عربية وإسلامية كثيرة. ومما أذكره أنني عثرت عام 1983 على مقالة له عن: مسيلمة الكذاب نشرها عام 1925 في حوليات الاكاديمية العلمية للاتحاد السوفياتي في مدينة لينينجراد.

وقد استأجرت من ترجمها لي من الروسية إلى الإنجليزية. ولا زالت الأوراق المترجمة عندي أتردد في نشرها منذ ذلك الزمن.

أما المستشرق الآخر فهو العملاق أغناطيوس كراتشكوفسكي (1883-1951) الذي يكاد يتحدث لغات المشرق الإسلامي. وله ولع بالتاريخ والجغرافيا والشعر العربي انتهى به أن أصبح عضوا في مجمع العلوم الروسي، وجمعية المستشرقين الروس، والمجمع العلمي بدمشق والمجمع العلمي بطهران.

واشتهر بأنه مؤرخ التاريخ والأدب والجغرافيا، وحصل على أوسمة عديدة أهمها وسام لينين. له ما يربو على 450 كتابًا متنوعة المشارب.

ومن أشهر أعماله تحقيقه لأمهات الأدب العربي مثل: الأخبار الطوال للدينوري ونشر وصفاً لمخطوطات ابن طيفور، والأوراق للصولي والحماسة للبحتري.

ومن خير ترجماته نقله للقرآن الكريم إلى اللغة الروسية. ومما أحتفظ به من مؤلفاته كتابه الجامع عن الأدب الجغرافي العربي وعنوانه: تاريخ الأدب الجغرافي العربي الذي نقله إلى العربية صلاح الدين عثمان هاشم، القاهرة 1963. وقد قرأت هذه الكتاب ثلاث مرات ولا زلت أشتاق لقراءته مرة أخرى.

وليس المقام مقارنة الاستشراق الروسي بغيره من الاستشراقات، لكن من تجربتي أميل إلى أن الاستشراق الروسي أكثر موضوعية من نظيرة الغربي، ويتميز بغياب النزعة الاستعمارية. ومما جذبني في روسيا الأدب الكلاسيكي في القرنين التاسع عشر والعشرين، أني أعده ظاهرة فريدة لا تتكرر، لأنه قريب من حياة الناس كل الناس بصرف النظر عن الجنس أو اللون أو اللغة، لقد قرأت دستويفسكي وتولستوي وبوشكين وغيرهم. وكنت إذا زرت روسيا لابد أن أزور مكتبة لينين والمتحف الآسيوي ومكتبة بطرسبرج، التي تحتوي على 8000 مخطوطة باللغة العربية، وحوالي 120000 مخطوطة باللغات الإسلامية. وأرتبط بصداقات مع بعض مؤرخي روسيا مثل: الراحل ايغور تيموفييف، وألكسي فاسيلييف صاحب كتاب: تاريخ العربية السعودية وكتاب: الملك فيصل: شخصيته وعصره وإيمانه. وهذان الكتابان لهما قصة تستحق أن يُفرد لهما حديث آخر.

تتناغم الثقافتان الروسية والعربية بسبب خلفياتهما الذهنية والمزاجية. والروسي إذا تعلم العربية يكاد ينطقها كالعربي. زرت روسيا مرتين وخرجت بانطباعات وهوامش فكرية لا يتسع لهما هذا الحديث.