ثلاثة احتمالات للدعم العسكري الروسي لسورية: (الأول) حماية النظام وليس استعادة سلطته لأنه أكبر من إمكاناتها، و(الثاني) احتمالية سقوط النظام على يد المعارضة أكثر من محاولة صموده وبالتالي ضمان مصالحها الإستراتيجية في مياه البحر المتوسط، وتحديداً في قاعدة طرطوس الإستراتيجية، و(الثالث) التحضير المبكر لمرحلة تقسيم الأرض السورية بين دولتي الشام السنية والساحل العلوية، وهو الاحتمال الذي سبق لحافظ الأسد أن وضعه خلال حربه مع إسرائيل.

وتبقى هذه الاحتمالات مفتوحة أمام متغيرات جغرافية وديموغرافية تشهدها سورية منذ خمس سنوات ولا تزال، وأهمها تدمير المدن، وتهجير السكان، وتمدد الجماعات الإرهابية، والتدخل الإيراني في مناطق الحدود والنفوذ، والأسوأ من ذلك الدعم الروسي المعلن والفاضح للنظام السوري بطريقة غير مقبولة إنسانياً وسياسياً وعسكرياً، حيث تقلع طائراته محملة بالجنود والمدرعات وأنواع الأسلحة المتقدمة لتصل إلى طرطوس واللاذقية، وتأخذ مكانها في خط المواجهة، وفق مخطط تحديد الأولويات، ثم اختيار الاحتمال الأنسب في المرحلة المقبلة، حيث لا يزال الخيار الروسي حالياً هو الإبقاء على النظام من دون تقسيم الأرض، ولكن الظاهر من حجم القوات والعتاد الروسي أن سورية تتجه إلى التقسيم، حيث تحتفظ روسيا بدولة الساحل العلوية، و(إسرائيل) تطل من الجولان من دون نزاع أو مطالبات دولية، وإيران عبر (حزب الله) تتمدد عبر شريط طائفي يربط سورية بالقرى الشيعية في البقاع بما في ذلك تهجير سكان بلدة عرسال السنية، والجماعات الإرهابية من (داعش) و(النصرة) وغيرها تتقاسم مع المعارضة دولة الشام السنية، وتركيا تبحث عن منطقة عازلة لمواجهة احتمالية نشوء أي دولة كردية مستقبلاً.

المسألة معقدة، وكل احتمال له ظروفه، وحساباته، ومصالحه، ولكن الأهم تقدير حجم الخطر على المنطقة، ودول الخليج تحديداً، حيث لا يزال بقاء النظام يشكّل خطراً حقيقياً على استقرار المنطقة، وجهود مكافحة الإرهاب، والتصدي لمشروع الطائفية، ولذا كان موقف المملكة واضحاً منذ بدء الأزمة من أن الأسد ونظامه لا مكان لهم في سورية المستقبل، إلى جانب تطبيق مقررات (جنيف 1) بإعلان حكومة انتقالية، ومع أهمية هذا الموقف، وحكمته، ووعيه، إلاّ أن التمسك الروسي بالنظام المجرم وتوقف الجهد الأميركي عند الدعم اللوجيستي في مكافحة الإرهاب وتنظيم داعش تحديداً قد تركا فراغاً سياسياً للحل، وإطالة زمن المأساة، وهو الوقت الذي يلعب عليه بشار ونظامه في إدارة الأزمة، ودخول أكثر من لاعب سياسي في المنطقة، بحيث تتعدد المصالح، ويتم التنازع عليها، ويبقى هو أحد الحلول حتى لوكان على حساب تقسيم الأرض، وتشتيت الشعب.

التحرك الروسي يبقى مستفزاً للعرب وللسوريين المناضلين الشرفاء، ومعيباً في حق دولة عظمى نحتاجها شريكاً في دعم السلم العالمي، ويبقى أيضاً عائقاً في تطبيق مخرجات (جنيف 1)، وبالتالي مزيداً من القتل، والتدمير، واللجوء، وتمدد الإرهاب، وهو ما يضعنا أمام عدة تساؤلات محيّرة: لماذا تحركت روسيا على الأرض الآن؟، ولماذا صمت الجميع عن التنديد؟، وهل ستسقط دمشق قريباً وينتقل المجرم ورفاقه إلى دولة الساحل وتعلن روسيا الاعتراف بها؟.

الجواب المتوقع أن المجرم بشار الأسد انتهى دوره، ولم يعد له مكان لا في الساحل ولا الجبل، وربما سيبرز وجه آخر جديد يمثل الطائفة العلوية ليكمل مسلسل روسيا الهزيل في المنطقة، ويحافظ على مصالحها في المياه الدافئة في البحر الأبيض المتوسط، وستبقى طرطوس واللاذقية تحت الحماية الروسية إلى أن يحين موعد آخر إما التقسيم المعلن أو السقوط والخروج من سورية بلا مكاسب، والأشهر المقبلة ستحدد أي الاحتمالات الثلاثة أقرب للواقع.