عندما ترى عزيزي القارئ طفلك يمشي في خط مستقيم ويختار نوعية من البلاط ليمشي عليها فعليك ان تنهره فورا وتخرجه من هذه الدوامة قبل ان يتطور سلوكه الوسواسي ليصبح (قسريا)! او عندما تراه يركل كرة او حجرا او (بقايا) مشروبات من البيت للمدرسة او من المدرسة للبيت، يتبعه اينما اتجه حتى لو خرج به الى الخط العام فعليك ان توقفه في التمادي في هذا السلوك حتى لايصبح (قسريا)! او اذا رأيته يقضي فترة طويلة بدورة المياه (اكرمكم الله) فعليك بإخراجه فورا لأنه قد يكون في حالة توتر وقلق بسبب عده المتكرر للبلاط! هذه الطقوس عادة ما تظهر في الأطفال من عمر (4 – 8) سنوات، ولربما يلاحظ الوالدين ان ابنهم في عمر 7 سنوات يحرص على الاحتفاظ بالأشياء القديمة وخصوصاً الصور واللعب للذكور والخواتم والمصوغات المقلدة وما شابه للإناث. الدراسات والأبحاث اثبتت أن حوالي ثلث إلى نصف حالات الوسواس القهري عند البالغين قد بدأت لديهم في سن الطفولة. وتبلغ نسبة الأطفال المصابين بالوسواس القهري 1% من المجموع العام، وتلعب الوراثة دوراً مهماً في هذه الحالات. وقد تمر فترة طويلة قبل أن يخبر الأطفال آباءهم عن مرضهم وشكواهم (الأفكار الوسواسية أو الأفعال القهرية) بل أنهم يبذلون المحاولات العديدة والمتكررة لإخفاء لمرض، بينما الوقائع تؤكد بأنه من الأفضل دائماً التبكير في تشخيص وعلاج هذا المرض، فمرور الزمن يجعل من الأعراض تزداد قوة ومن ثم قد يصعب علاجها. وليست كل الطقوس التي تظهر في هذا السن تعتبر مرضية فكثيراً ما تكون العادات والأعمال المنظمة دليلاً على الصحة والنمو والتكيف الاجتماعي السليم وليست بالضرورة طقوساً مرضية. وفي سن المراهقة تختفي الأفعال القهرية تدريجيا ولكنها تبقى فكرة وسواسية تحتل الذهن أو تشغل البال بخصوص كلعبة ما أو نغمة ما أو لحن معين أو أي نشاط ذهني آخر! هذا فضلا على ظهور فكرة الاعتقاد في الأرقام المحظوظة وضربة الحظ وما الى ذلك. ومن النتائج المبشرة بالخير ان نسبة كبيرة من الأطفال الموسوسين يتخلصون من الأعراض تماماً بينما تبقى نسبة صغيرة منهم تعاني من الأعراض إلى سن البلوغ والنضوج وقد تحدث في نسبة أصغر ممن تم علاجهم ما يسمى بالنكسات أو عودة ظهور الوسواس. وقد حاول العلماء تفسير حدوث هذه النكسات فتبين لهم أن الضغوط الحياتية المستمرة أو الطارئة والتغير البيولوجي العصبي قد يكون هو المسؤول عن ذلك "هذا بعد قدرة الله عز وجل".

وهذا الكلام لا يعني ان الوسواس القهري يقتصر على الأطفال والمراهقين بل يتعداه للرجال والسيدات على حد سواء.

إن الطقوس المرضية الوسواسية في جوهرها مؤلمة ومعيقة عن النشاط وتسبب الإحساس بالخجل والانطواء عن الآخرين، وكلما حاول الشخص منع نفسه من التكرار يزداد معدل القلق لديه.

وللأسف الشديد فإن جهل الآباء بالطريقة الصحيحة للتعامل مع الطفل الموسوس الذي يقوم بأداء طقوس وأفعال قهرية قد يأخذ كلا الشكلين التاليين:

الأول: إيجابي عن طريق منع الطفل من تكرار العمل القهري مما يؤدي إلى ظهور سلوك عدواني غاضب من قبل الطفل.

الثاني: سلبي وذلك بالموافقة على تنفيذ ما يريد بمساعدته أو أدائه نيابة عنه مما يحرم الطفل الموسوس من مواجهة المخاوف والقلق المصاحب للطقوس وبالتالي استمرار الوسواس.

والسؤال المطروح ما هي العلامات المميزة لمرض الوسواس القهري لدى الأطفال؟ وللاجابة نعطي بعضا منها وهي:

• الاحجام عن مصافحة الاخرين.

• حمل مطهر باستمرار.

• الاهتمام المبالغ فيه بموضوع النظافة.

• التردد على دورات المياه.

• تجنب مسك الاشياء بالمستشفيات والمطارات بشكل حسي.

• عدم ربط الحذاء لاحتمال تلوثه.

• الاشمئزاز والتقزز من افرازات الأنف والفم والعرق.

• المبالغة في ترتيب وتنظيم الأدوات في الغرفة بشكل معين دائماً.

• الاعتقاد في الأرقام المحظوظة والمنحوسة عندما يصل إليها الطفل عند أداء عمل متكرر.

• الشعور بالملل والنسيان نتيجة تكرار طقوس معينة مثل عد المقاعد أو لمس بعض الأشياء بطريقة معينة، أو كثرة الدخول والخروج من باب معين.

• فحص وتدقيق ومراجعة غلق الأبواب، مصابيح الإضاءة، صنابير المياه ومراجعة الأوراق والواجبات المدرسية.

• البطء الشديد في إنجاز المهام التي لا تحتاج إلى وقت طويل.

• الخوف الشديد من إيذاء النفس أو الغير وخاصة الآباء.

• الخوف من فعل عمل مشين.

• الاحتفاظ بالأشياء القديمة التالفة و التافهة.

• التغيب عن المدرسة بسبب عدم مراجعة الواجبات المدرسية بعناية فائقة أو بغير سبب.

• كثرة أحلام اليقظة (أفكار وسواسية).

• قلة الانتباه وعدم القدرة على الانتهاء من عمل ما بسبب سهولة التشتت.

• تكرار أعمال غير هادفة مثل السير الى الخلف و الأمام في الصالة عدة مرات.

• الحاجة إلى الطمأنينة من الآخرين لحسن التصرف والفعل.

• تكرار السؤال عدة مرات بصورة مختلفة رغم سماع الإجابة.

• تكرار القراءة والكتابة لأي موضوع يعطى له.

• سرعة الغضب والتصرف بعنف زائد إزاء أي مشاكسة أو مزاح.

والحقيقة ان الموسوسين من الأطفال والتلاميذ يختلفون عن غيرهم من الشباب والبالغين في أن الأطفال لا يذهب بهم آباؤهم للطبيب النفسي إلا إذا حدث سوء تكيف و قلة انتباه في الدراسة أو وجود سلوك غريب وشاذ في البيت. ويجب أن يتسلح الآباء والأطباء دائماً بالتفاؤل والأمل والعلم في أن هذا المرض داء له دواء مثل الكثير من الأمراض. والعلاج يشمل الآتي:

• العلاج الدوائي والذي يشمل الأنافرانيل والسيروكسات وغيرهما ولمدة لا تقل عن ثلاثة اشهر مع المتابعة.

• والعلاج المعرفي السلوكي والذي يشمل كل من يتعامل مع الطفل أو يهتم بأمره وذلك باستعمال البرنامج العلاجي المناسب. ويجب أن يتم شرح حقيقة مرض الوسواس القهري بأنه مرض "عضوي" ولا علاقة له بالجنون، والتنبيه على أن المرض هو المشكلة التي نعالجها وليس الطفل ذاته، وكذلك بأنه لا ذنب للوالدين في حدوث المرض. كما ان التعزيز المادي والمعنوي مهم كمنح الطفل الموسوس جائزة في نهاية كل أسبوع كمكافأة له على تفوقه وقهره لأحد الأعراض الوسواسية لديه.

نصائح وارشادات تعين أطفالنا على الشفاء من الوسواس؟

• الوسواس عدو مشترك للطفل وأسرته والمدرسة والطبيب وبالتالي لا بد من تكاتف هذا الفريق ضد هذا العدو اذا ارادوا لنصر عليه.

• الوسواس مرض ليس من المستحيل علاجه وأيضاً ليس من السهل التعامل معه.

• مهما كانت سخافة الأفكار فإنها لا تعني أن الطفل قد تحول إلى شيطان لمجرد تفكيره في مثل هذه الأمور أو قيامه بأفعال قهرية بهذه الطريقة، ولا علاقة للمرض إطلاقاً بقلة الإيمان أو عقوق الوالدين أو بالنفس الشريرة في الإنسان.

•علينا أن نتعاون مع الطفل الموسوس من اجل البوح بأفكاره مهما كانت شاذة وغريبة.

• نحن نعالج "مرضاً سيئاً" وليس "طفلاً سيئاً" فالأفكار المزعجة والأفعال القهرية هي نتيجة للمرض وليس الطفل.

•قم بكتابة كل أنواع الأفكار الوسواسية والأفعال القهرية المرتبطة بطفلك.

•ويجب التفرقة بين الوساوس القهرية والأفعال القهرية لأن لكل منهما طريقة في العلاج فالأولى تعالج بالتعرض / القلق، والثانية بمنع الطقوس أو تقليلها.

• يجب أن يعلم كل طفل موسوس أن الجميع معه بالدعاء والعمل والمساعدة حتى يتخلص من هذا المرض.