أرسل لي أخي الدكتور د. عبدالرحمن المديرس رسالة واتس آب يطلب رأيي في مقالة توماس فريدمان الأخيرة. قلت له إنني لم أطلع بعد على مقالته، وبالتالي لا يمكنني أن أقول شيئًا عنها بناء على مقتطفات وردت في المواقع الرقمية. بعدها طلبت المقالة في نصها الإنجليزي.

إن مقال فريدمان عن المملكة ابتداءً جاء ردًا على مطالبات تقدم بها عسكريون أميركيون للكونغرس تدعوه لرفض الاتفاقية النووية مع إيران، بدعوى انها متورطة في تمويل الإرهاب العالمي. لهذا اختار توماس فريدمان بهذا الزج بالسعودية من أجل تمرير مقالته المؤيدة للاتفاق مع إيران

عنوان مقال توماس فريدمان الأخير في النيويورك تايمز، بتاريخ 2 سبتمبر 2015 جاء هكذا: حليفنا المتشدد الإسلامي: المملكة العربية السعودية Our Radical Islamic BFF, Saudi Arabia .

لا شك أن عنوان المقال وأسلوب الكاتب ومنهجه كلها تُظهر قدرًا لا بأس به من التحامل غير المنطقي على المملكة. ومقاله تزامن مع كثرة التغريدات التي صدرت من بعض المثقفين الأميركيين ضد المملكة هذا بالإضافة إلى توقيت نشر المقال، الذي جاء قبل زيارة خادم الحرمين الشريفين لواشنطن ولقائه الرئيس باراك أوباما، كل هذا يثير بعض الأسئلة، وهي أسئلة قد تكون مزعجة للكاتب، ولكنها بالطبع سيتبناها كثير من القراء السعوديين.

احتوى المقال على نقاط رئيسة أهمها: أن المملكة بمذهبها الوهابي المتشدد وبأموالها تشكل خطرًا كبيرا على الولايات المتحدة الأميركية، وسعيها لنشر الوهابية حول العالم، وصلتها بالمنظمات المتشددة مقلق ويشكل خطرًا على مصالح الولايات المتحدة الأميركية. ثم انتقل إلى نقد قاس لبعض الجنرالات الأميركيين، خصوصًا الجنرال توماس مكنيليري، نائب قائد القوات الجوية الأميركية في أوروبا، الذين يعارضون الاتفاق النووي مع إيران. ثم عاد للحديث عما تمثله المملكة من خطر، وذلك أن كثيرًا من أبنائها يلتحقون بالمنظمات المتشددة. ثم طفق يقارن بين خطر المملكة وإيران على أميركا. وهو قال إن خطر المملكة أكبر لأنها تنشر التطرف والإرهاب حول العالم، بينما إيران لا تريد أميركا في المنطقة.

هذه أهم النقاط الواردة في مقال توماس فريدمان. بعد ذلك سمعت وقرأت بعض التعليقات على المقال. ومعظم الردود تدور حول محورين: الأول القول إن فريدمان يهودي متعصب للدولة العبرية مؤيد لمصالحها في المنطقة العربية، ومدافعًا عنها. المحور الآخر وصف فريدمان وبعض الكتاب الأميركيين كفريد زكريا بأنهم يتحدثون عن رأي الإدارة الأميركية، وأن كتاباتهم تُشير إلى تحول واضح في اهتمامات الولايات المتحدة الأميركية بعيدًا عن الشرق الأوسط، وبالتالي انسحابها من فضاء حلفائها التقليديين عدا إسرائيل.

ومهما يكن الدافع لمقال توماس فريدمان الأخير، فإنه لا يسعني إلاّ أن أسجل أنه من حق فريدمان أو غيره أن يقول رأيه في سياسة بلده، ومن حقه ألاّ يكون له صديق دائم أو عدو دائم، لكن مع هذا التسليم علينا أن نناقش الأفكار الواردة في مقال فريدمان وتبيين عوارها، دون التركيز على الكاتب والبحث عن هواه وما يؤمن به.

الغريب أن يؤيد فريدمان الاتفاق النووي مع إيران بالرغم من يهوديته وصهيونيته كما يقول واصفوه. لا شك عندي أن رأيه في الاتفاق النووي يقول به عدد من اليهود الأميركيين المعروفين بمناصرتهم لإسرائيل. لكن ما لا يمكن القبول به هو تجاهل فريدمان لدور حكومة إيران الواضح في كثير من العمليات الإرهابية حول العالم، وفي منطقتنا العربية على وجه الخصوص. وتجاهل سعي إيران لزعزعة الأمن في الدول المجاورة، وتجاهل دور إيران المحوري ضد الثورة السورية والوقوف عسكريا وماديا مع بشار الأسد، وهو لا يذكر دور إيران في تدمير العراق وسورية، وتشريد شعبيهما ومع كل هذا فهو يقلل من خطورة إيران على السلم العالمي.

ومن جهة أخرى فقد خان الذكاء صاحبه، وما أكثر ما يخون الذكاء فريدمان. فهو في مرافعته ضد السعودية واتهامها بما ليس فيها، إنما يتكلم عن نوايا أو سوء قراءة للوضع في المنطقة العربية. ولا نجد حاجة لتذكير فريدمان بأن البلد الذي اتهمه بمناصرة الإرهاب الديني وتمويله، هو أول بلد ذاق طعم الإرهاب الديني. ولا أظن أن فريدمان لا يعرف أن المملكة من أولى الدول مناهضة للإرهاب والتشدد، وأنها عضو فعال في الاتحاد الدولي لمحاربة القاعدة وداعش وجيش النصرة، وضد الإسلام السياسي الحركي الأممي. كيف غاب كل هذا عن نظره وذكائه؟!

ويقول بعض المتابعين لكتابات فريدمان إنه متأثر باللوبي الإيراني في واشنطن. وذهب آخرون إلى أن القوة الناعمة الإيرانية في أميركا هي وراء تأثر بعض الكتاب بطروحات إيران ومن ثم مناصرتها. وأنا لا أدعي معرفة بمدى فعالية اللوبي الإيراني في واشنطن، أو قوتها الناعمة في واشنطن، هذا إذا كان هناك أصلا لوبي إيراني. لكن نشاط إيران في واشنطن إن كان ذا تأثير على توجهات الرأي العام الأميركي، فهذا يُحسب لإيران. وإن كان من يحسُن لومه، فهي الدول العربية التي يملك بعضها أقوى العلاقات مع واشنطن، ولا تملك قوة ناعمة أو لوبياً يدافع عن سياسة العرب.

لهذا كله فإن مقال فريدمان الواضح العوار لابد أن يكون إما صادرًا عن حب صاحبه للإثارة والفرقعة الإعلامية، أو أنه يؤمن فعلاً أن المملكة تُشكل خطرًا على الولايات المتحدة. وكلا الاحتمالين وارد. فكم من مقال لفريدمان لا تجد فيه إلاّ حب البروز والفرقعة الإعلامية. هذا ما يقوله بعض الأميركيين أنفسهم. أما الاحتمال الآخر، فكما قلت من حق فريدمان أن يقف الموقف الذي يراه مع أو ضد المملكة. لكن السؤال المهم: هل موقفه هذا يملك قوة نافذه للتأثير على الإدارة الأميركية أو الانتلجنسيا الأميركية، ناهيك عن الإنتلجنسيا الغربية؟ الجواب بالنفي. فما نراه واضحًا أن الذين يرددون مثل هذه الأقوال الجوفاء لا يمثلون أغلبية، وليس لهم تأثير كبير في السياسة الخارجية الأميركية، مثل حال المرشح الأميركي للرئاسة الأميركية 2016 دونالد ترامب Donlad Trumb وحسبك به أضحوكة في الصحافة الأميركية

إن مقال فريدمان عن المملكة ابتداءً جاء ردًا على مطالبات تقدم بها عسكريون أميركيون للكونغرس تدعوه لرفض الاتفاقية النووية مع إيران، بدعوى انها متورطة في تمويل الإرهاب العالمي. لهذا اختار توماس فريدمان بهذا الزج بالسعودية من أجل تمرير مقالته المؤيدة للاتفاق مع إيران. ولكنه لم يقل صراحة أن إيران لا تمول الإرهاب، ولم يقل أن إيران تشارك في منظمات إرهابية، ولم يقل أن إيران تدعم الطائفية؛ لأن مثل هذه الأقوال تهدم بنية المقال من أساسه. وهو عمد إلى زج اسم المملكة من أجل المقارنة بينها وبين إيران، ولكنها مقارنة يائسة وركيكة ولا يقبلها قراؤه.