لماذا ارتبط اسم أرامكو بالجودة؟، هل لأنها أسست بالخبرة الأميركية التي تحكمها أنظمة وقوانين دقيقة تجعل عملها في منتهى الدقة والجودة، وهو الأمر الذي سار عليه شبابنا الذين تولوا دفة القيادة في الشركة بعد أن تلقوا تعليمهم في جامعة الملك فهد "جامعة البترول سابقاً" وغيرها من الجامعات العالمية العريقة وساروا بالعمل في هذه الشركة العريقة وفق نفس النظام الدقيق الذي تأسست عليه؟، أم لأنها إضافة إلى كل ذلك تحظى بإنفاق لا حدود له وتعترف بالجودة ولا تعترف بالأرخص كما هو حال بعض قطاعاتنا الحكومية في تنفيذ مشاريعها، وبالتالي فهي لا تستقطب إلا الأفضل، ولهذا جعلنا من أرامكو عنواناً سعودياً للجودة والدقة لدرجة أن أي مشروع نحتاج أن ينفذ بدقة وبجودة عالية وفي فترة قياسية نسنده لأرامكو رغم أنه ليس من اختصاصاتها كبناء المنشآت الرياضية أو المدن الاقتصادية.

أرامكو كانت أول من أسس بثاً تلفزيونياً في منطقة الخليج، وثاني بث تلفزيوني على مستوى العالم العربي والشرق الأوسط، بعد العراق؛ وكان ذلك في 16 سبتمبر عام 1957 وشكل هذا الظهور التلفزيوني نقلة نوعية وثقافية لأبناء المنطقة، وكانت فكرة إنشاء المحطة التلفزيونية قد نبعت من ذهن الأميركي هارولد تالبوت الذي كان قد انتدب في عام 1955 لزيارة مرافق أرامكو وتفقد أحوال موظفيها الأميركيين وتلمس احتياجاتهم، فأوصى -ضمن أمور أخرى- بإنشاء محطة تلفزيونية، إلا أن أرامكو سرعان ما طورت الفكرة لتصبح الفكرة موجهة أساساً للمواطنين، وليس الموظفين الأجانب.

وكان الكل يغبط سكان المنطقة الشرقية على التقاط بث هذه القناة التي أوقفت إرسال بثها باللغة العربية في بداية عام 1970 إثر بدء الإرسال التلفزيوني السعودي الرسمي من الدمام في نوفمبر 1966، وعندها تحولت محطتها العريقة إلى قناة لبث المسلسلات والأفلام الأجنبية فقط تحت مسمى "القناة الثالثة"، حتى أسدل الستار عليها نهائياً في العام 1999 بعد أربعين عاماً متواصلة من الإرسال.

ترى لو طلبنا "فزعة" أرامكو اليوم لتؤسس لنا قناة تلفزيونية هل ستكون قناة متميزة كما هو حال اقتران أي عمل بأرامكو؟، وهل ستكون القناة التي ينشدها كل من يدعي عدم مشاهدته للقنوات السعودية بحجة أنها غير منافسة للكثير من القنوات؟ وهل علينا بعد أربعين عاماً أن نعترف أننا تنازلنا عن الأجود للبحث عن ما هو أجود فلم نتمكن من صناعته؟.

نعم نحن في حاجة إلى تطوير قنواتنا السعودية وهذا لن يتم دون أن نطور أدوات القائمين عليها، فلقد كنا دوماً نسمع أن مشكلة عدم تطور التلفزيون هو خضوعه للبيروقراطية الحكومية، وأن علينا أن نخلصه منها حتى يكون منافساً، وأن هذا لن يتحقق دون أن نحوله إلى هيئة مستقلة وقد تحول إلى تلك الهيئة التي يؤسفني أن أقول إنها لم تتحرر أبداً من البيروقراطية القديمة التي تلازمها، ولهذا فإن فكرة تأسيس قناة تلفزيونية جديدة عبر متميز أياً كان هذا المتميز -أرامكو أو نخبة من المتميزين في الإعلام- يجعلنا ننقل التلفزيون تدريجياً إلى حاضنة التميز ونتخلص تدريجياً من النظام القديم الذي لم يحقق حتى الآن أي جديد، ولعلنا نأخذ الدراما السعودية كمثال لحالة التراجع التي نمر بها في زمن نجد أن الإنتاج العربي والخليجي على وجه الخصوص يسير خطوات ممتازة، ونحن لانزال في آخر الركب رغم ما نمتلك من مواهب تستطيع أن تنافس.

إن صفة القناة الرسمية تكبل أي قناة وتبعدها عن الإمتاع وتحرمها من مرونة الأداء، فلنبقي على البعض من قنواتها بعد عمليات الدمج -أعود لهذه الفكرة في مقال لاحق- ولنقدم قناة سعودية جديدة منافسة معتمدين فيها بعد الله على خبرات لا تعترف بالبيروقراطية وتحمل شعار التميز ولا شيء غيره؛ ولهذا أتى عنوان مقالي كما ترون مطالباً بإعادة التميز، حتى ولو كانت البداية قبل ستين عاماً!.