العمى الثقافي الذي اشتغل عليه الدكتور الغذامي ورأى تمظهراته في التمايزات التي تعلي من الذات وجنسها وانتمائها وتغض من الآخر وتجعله الأقل وموقعه دونها جعله حاجزا بين الذات وإدراكها لخطابها وخطاب الآخر حين يقول الغذامي (حينما لا ترى الذات ذاتها فإنها لا ترى عيوبها وحينما تنكر الذات على غيرها حقه في الاختلاف في تبادل مشترك بين الأطراف فهذا هو العمى الثقافي) وهذا الأمر أصاب تنامي ثقافتنا وتمازجها مع ذاتها ومع غيرها في مقتل غُرزت نصاله منذ (فمالي أراني وابن عمي مالكا متى أدن منه ينأ عني ويبعد) ومرور ب (إذا نحن أومأنا إلى الناس وقفوا) وانتهاء بما تدعيه الخطابات الثقافية المعاصرة على اختلاف ألوانها ومشاربها.

لو تأملنا هذا الحديث عن جندب بن عبدالله البجلي رضي الله عنه

(إِنّ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ بَعْثَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى قَوْمٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَإِنّهُمُ الْتَقَوْا فَكَانَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِذَا شَاءَ أَنْ يَقْصِدَ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَصَدَ لَهُ فَقَتَلَهُ. وَإِنّ رَجُلاً مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَصَدَ غَفْلَتَهُ. قَالَ: وَكُنّا نحَدّثُ أَنّهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ فَلَمّا رَفَعَ عَلَيْهِ السّيْفَ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاّ اللّهُ، فَقَتَلَهُ. فَجَاءَ الْبَشِيرُ إِلَى النّبِيّ صلى الله عليه وسلم، فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ. حَتّى أَخْبَرَهُ خَبَرَ الرّجُلِ كَيْفَ صَنَعَ. فَدَعَاهُ. فَسَأَلَهُ. فَقَالَ: لِمَ قَتَلْتَهُ؟ فقَالَ: يَا رَسُولَ اللّهِ أَوْجَعَ فِي الْمُسْلِمِينَ، وَقَتلَ فُلاَنَا وَفُلاَنا. وَسَمّى لَهُ نَفَرا. وَإِنّي حَمَلْتُ عَلَيْهِ. فَلَمّا رَأَى السّيْفَ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاّ اللّهُ. قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: أَقَتَلْتَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِلاَ إِلَهَ إِلاّ اللّهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللّهِ اسْتَغْفِرْ لِي. قَالَ: وَكَيْفَ تَصْنَعُ بِلاَ إِلَهَ إِلاّ اللّهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: فَجَعَلَ لاَ يَزِيدُهُ عَلَى أَنْ يَقُولَ: فكَيْفَ تَصْنَعُ بِلاَ إِلَهَ إِلاّ اللّهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ )

نجد أن أسامة رضي الله عنه يتلبسه الفعل الإنساني، فيجتهد اجتهادا بشريا فيقتل الرجل الذي أوجع المسلمين قتلا بعد أن قال لا إله إلا الله، ويجد من الرسول صلى الله عليه وسلم تقريعا فما كان من أسامة رضي الله عنه إلا الالتصاق بنور الهداية وطلب الاستغفار، لأنه صلى الله عليه وسلم يحمل الوحي والرسالة التي جاءت نورا، وبصائر، وهدى ورحمة للمؤمنين كما جاء في عديد من آي الذكر الحكيم، ولتخرج المؤمنين من الظلمات إلى النور، وهنا تظل الرسالة مهيمنة على أي عمى إنساني لا يسعه إلا أن يظل ساعيا إلى تحقيق وجوده وإفناء الآخر.

وما أحرانا اليوم بالالتصاق بنور الإسلام ليخرجنا من هذا العمى الإنساني، الذي يتجاوز أن يكون عمى ثقافيا إلى أن يكون عمى إنسانيا مرتبطا بالوجود الإنساني الذي لن يخرج من عماه إلا بالاستسلام لنور الهداية. ربنا أخرجنا من الظلمات إلى النور.