احتفلت دار الهلال بمرور 123 عاماً على صدور العدد الأول من مجلة الهلال في 1/سبتمبر 1892. وحيث كانت لي أيام حلوة مع مجلة الهلال ومع بعض إصدارات دار الهلال، فإنني أكتب هذه الخواطر، معترفًا بفضل المجلة والدار، بعد فضل الله سبحانه وتعالى، على تأسيسي المعرفي والثقافي. وهو تأسيس يعود إلى بعض كتّاب مجلة الهلال ومنهم على سبيل المثال: زكي مبارك، ومي زيادة، وخليل مطران، وزكي طليمات، طه حسين، وتوفيق الحكيم، وعباس العقاد، وبنت الشاطئ، سهير القلماوي، وأمينة السعيد، وأحمد بهاء الدين، ونجيب محفوظ، ويوسف السباعي، وإحسان عبدالقدوس، سلامة موسى، وشبلي شميل وغيرهم من الكتّاب الأجانب التي تظهر مقالاتهم مترجمة ترجمة ناصعة في بيان عربي مبين.
قد استفدت من مجلة الهلال استفادة واسعة، خصوصًا الأعداد القديمة، ذلك أنها كانت أشبه بمرصد لتاريخ مصر والعالم العربي. وعرفت من متابعتي للمجلة أنها بدأت بمطبعة صغيرة في منطقة الفجالة إلى مبنى يحمل اسم دار الهلال يطل على ميدان التحرير
صاحب الدار ومنشئها الأستاذ جرجي بن حبيب زيدان (1861-1914) مؤلف التصنيفات الكثيرة، ولد في بيروت وتعلم في مدارسها. رحل إلى مصر وتوفي بها. له مؤلفات قيمة قرأت منها: تاريخ مصر، وتاريخ التمدن الإسلامي، وتاريخ العرب قبل الإسلام، وتاريخ الماسونية العام، وتراجم مشاهير الشرق، والفلسفة اللغوية، وتاريخ اللغة العربية، وآداب اللغة العربية، وأنساب العرب القدماء، وعلم الفراسة الحديث، وطبقات الأمم، وعجائب الخلق، والتاريخ العام، ومختصر تاريخ اليونان والرومان.
عرفت مجلة الهلال وإصدارات دار الهلال منذ نعومة أظفاري. أتذكر وأنا في سن العاشرة من عمري حصلت على أعداد من مجلة سمير المجلدة، التي أهداني إياها صديقي فيصل الشلهوب عام 1380/ 1960. وهو جلبها معه من بيروت حيث كان يدرس هناك في مدرسة داخلية. وبعد ذلك حصلت من أساتذة لنا في الابتدائية على أعداد من سلسلة ميكي جيب. وفي عام 1385/ 1965 بدأت أقرأ مجلة الهلال. ولم تكن المجلة تباع في المجمعة، ولكنني اكتشفت أن أخًا لزميل لي لديه اشتراك في المجلة، أو أنه يشتريها من الرياض. الشاهد أنني داومت على استعارة أعدادها القديمة والجديدة من زميلي، لهذا فقد كبرتُ مع إصدارات دار الهلال بدءاً من: مجلدات سمير ومروراً بمجلة الهلال وأخيراً كتاب الشهر والروايات، خصوصًا الروايات التاريخية التي تتناول بعض شخصيات ومراحل التاريخ الإسلامي، التي ركز فيها جرجي زيدان على عنصر التشويق والإثارة، بهدف حمل الناس على قراءة التاريخ دون كلل أو ملل ونشر المعرفة التاريخية. فالعمل الروائي أخف ظلاً من الدراسات التاريخية الجادة ذات الطابع الأكاديمي.
ومن روايات التاريخ الإسلامي التي قرأتها في المرحلة الثانوية ولا زلت أحتفظ بمعظمها، والتي أثرت في ذائقتي الفنية، وحببت لي التاريخ الإسلامي هي: الانقلاب العثماني، وفتاة غسان، وعبدالرحمن الناصر، وفتح الأندلس، والعباسة أخت الرشيد، وشارل وعبدالرحمن، والأمين والمأمون، والحجاج بن يوسف، وفتاة القيروان، وصلاح الدين الأيوبي، وغادة كربلاء، وأبو مسلم الخرساني، واستبداد المماليك، وشجرة الدر، وأحمد بن طولون.
وعودة إلى عنوان الحديث، فقد استفدت من مجلة الهلال استفادة واسعة، خصوصًا الأعداد القديمة، ذلك أنها كانت أشبه بمرصد لتاريخ مصر والعالم العربي. وعرفت من متابعتي للمجلة أنها بدأت بمطبعة صغيرة في منطقة الفجالة إلى مبنى يحمل اسم دار الهلال يطل على ميدان التحرير، ثم عرفتها معرفة شخصية منذ انتقالها إلى مقرها الجديد في شارع "المبتديان" في حي السيدة زينب.
وتُعد مجلة الهلال أقدم مجلة عربية مستمرة منذ صدور العدد الأول حتى الآن. وقد صدر بعدها عدد من المجلات الرفيعة ولكنها كلها توقفت مثل: مجلة الرسالة ومجلة الزهور ومجلة أبولو، ومجلة الكاتب المصري. وكان بلوغ مجلة الهلال 123 عاما من عمرها المديد مثار تساؤل عدد من المثقفين وهو: ما سبب استمرارها؟ وفي ظني أن سبب استمرارها حيويتها، ذلك أنها لم تقف عند الموضوعات العامة التي حددها لها منشئها: جرجي زيدان، فهي دومًا تجدد شبابها، وتنشر موضوعات حديثة، ولكنها احتفظت برصانتها المعهودة، ولغتها الجميلة. ومتعتها الثقافية الفريدة. كما حافظت المجلة على خطة منشئها وهي كما قال صاحبها: الإخلاص في غاياتنا، والصدق في لهجتنا، والاجتهاد في حق خدمتنا. لهذا تكونت على مر الأيام قواعد التزمت بها مجلة الهلال منها: الثقة فيما تنشر، والنزاهة في التناول، والإخلاص في العمل، والابتعاد عن التهويل والزيف والخداع، والسعي إلى الأمانة والإنصاف والاعتدال. وكان شعار المجلة الذي اختاره صاحبها هو: على الدوام إلى الامام. وكأنه يقرأ المستقبل. فلا زالت مجلته تسير إلى الأمام.
لقد شغفت بمجلة الهلال ومازلت. وكنت في شبابي أحفظ عن ظهر قلب بعض مقولاتها مثل: النص الذي كتبه جرجي زيدان في مقدمة العدد الأول. وهو: أما فتحتنا فحمد الله على ما أسبغ من نعمه، وأفاض من كرمه، والتوسل إليه أن يلهمنا الصواب وفصل الخطاب. فعلاً كانت مجلة الهلال حلوة وذكرياتي معها حلوة.


1
تركيي
2015-07-30 05:24:49ما سرحت ف البل من طلعت الفجر لين المغرب.
2
عبدالله محمد
2015-07-30 05:12:30بارك الله فيك.. كنت أقرأ فبل عقود مجلة الهلال وكتاب الهلال الشهري.. وكنت أجد متعة فى القراءة.. كما تفضلت وأشرت.. وكانت المجلات الأدبية قليلة.. ثم قرأنا المنهل من مكة المكرمة وبعض الكتب والمجلات من لبنان.. الشاهد لمجلة الهلال شوق..! وإن شاء الله أعود لها من جديد.! ولكم الشكر.
3
الاب الرحيم
2015-07-30 01:38:04هي بذرة العلمانيه واللبراليه الادبيه في المشرق العربي اضداراتها فيها الشيئ الكثير من التجني على تاريخنا الاسلامي بحكم انها مسيحية الدين ولو كان من كتابها مسلمين
واصداراتها وخاصة مؤلفات جرجي زيدان فيها الكثير من التشويه للتاريخ
ومؤسسها ومجموعة الفنانين الطرودين من الشام وجدوا ضالتهم في مصر
4
عبدالله القرني
2015-07-30 00:44:59تبي اكتب أفكاري ياقارايها ????
حتى انا لي ذكريات مع مجلة ماجد والمحقق خلفان???????? وشمسه وموزه والبحث عن فضولي????????????
5
متعب الزبيلي
2015-07-29 13:23:06دائماً وافي، فما اروعك حين تعود بك الذاكره للورى، ان تعترف بأن الفضل لله تبارك وتعالى اولاً ثم لرفقاء تعلمت منهم ( شخصياً اعرف عباس العقاد، وبنت الشاطئ ) ليس شخصياً وانما قرأت لهم، ومنكم نتعلم، كيف لا وانت شخصية اعترف نستفيد منك ونزيد معارفنا مما نقرأ لك من كتابات هي رائعه ومشوقة، شكراً لا يرادك لكتب وقصص ( ان شفت محورفين حول المكتبات ترى ماهم حنا اححم ) اكرر شكري وتقديري لكم استاذي وكاتبي الذي فرض احترامه
6
أحمد الشريف
2015-07-29 12:00:09كم هو جميل أن يكون هناك زميل له ذكريات كذكرياتي وإستطاع أن يعيد لي بعضاً من تلك الذكريات الجميله المحببه للقلب.
نفعنا الله بماتكتب وزادك علما وعلمك ماينفعك
دمت بخير