لقاءاتي بأيقونة السياسة والدبلوماسية السعودية الأمير سعود الفيصل (1940- 2016) رحمه الله قليلة ومدتها قصيرة. لكن لقاء عمل تم في يوم 27 /5 / 2013م في مكتبه في مدينة جدة، برفقة أعضاء لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الأمة الكويتي يُعدُ الأطول.
أربعون دقيقة مرت كالدقيقة في مجلس لا تمل الجلوس فيه إلى قامة دبلوماسية سامقة، ودبلوماسي ذي تثقيف عال، وقارئ في أكثر من لغة..
كان رئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الأمة الكويتي الأخ محمد جاسم الصقر متحفزًا، وأكاد أقول قلقًا. وهو يسمع أخبارًا لا تسر عن صحة الأمير سعود الفيصل. لكنني قلت له إنك ستجد الأمير بالرغم من مرضه في كامل لياقته الذهنية والمعرفية.
استقبلنا الأمير واقفاً وسلم على أعضاء الوفد الكويتي وكانت إدارة المراسم قد اختارت أماكن جلوس الكويتيين إلى يمين الأمير. أما أنا فقد طلب مني الأمير الجلوس إلى يساره مع اثنين من مكتب سموه.
لاحظت الأمير وهو يعاني من مرضه الأخير. وكان بجواره علبة دواء يتناول منها أقراصا بين الفينة والأخرى. وبدأ الأمير الحديث بدعابة دبلوماسية، وهذا ما يتصف به، فروح النكتة والدعابة حاضرة عنده. وهو قال أي اللجنتين أقوى لجنتكم أم لجنة مجلس الشورى؟ فقال الأخ محمد الصقر: اللجنة التي تكون بجانب الأمير أقوى. فقال الذي أعرفه أن لجنتكم في مجلس الأمة مسالمة ولا تناكف وزير الخارجية.
استمع الأمير للعرض الذي قدمه الأخ محمد جاسم الصقر، وتفاصيل مهمة الوفد الزائر، وكان يطيل النظر في أعضاء الوفد. بعد ذلك تحدث الأمير إلينا وأخذنا في جولة فكرية وسياسية غطت معظم القضايا الساخنة في المنطقة العربية آنذاك. كان حديثه سلساً معبراً، ويختار كلماته بعناية، ويصف النوازل كأنه يراها رأي العين. وكان يرفع يده لتأكيد جملة أو موقف. وكان حديثه هادئاً جداً، وتغلف الحكمة تحليلاته.
ولاحظت أنه ملم بما يُكتب في الصحافة الكويتية عن القضايا الراهنة. وهو قال إن كتاب الرأي في العالم العربي لا يشبهون من حيث الجودة كتاب الرأي في خمسينيات وستينيات القرن الميلادي الفارط. والتفت إلي وحسبت أنه يعنيني لأنني من كتّاب جريدة الرياض. فعلقت قائلًا: إن الوضيع (الربيع) العربي والفتن والإرهاب لا تمكن كتّاب الرأي من التأمل، بل لا تمكنهم من ملاحقة الأحداث. وسأل الأمير أعضاء الوفد عن علاقة لجنتهم بصناعة القرار السياسي في مجلس الأمة. وتحدث رئيس اللجنة وعضو أُنسيت اسمه ومما قالاه إن اللجنة تدرس المستجدات وتتخذ توصيات تجد طريقها للنقاش في الجلسة العامة. ونادرًا ما يرفض المجلس ما تتوصل إليه اللجنة. وهما قالا إن مجلس الأمة الكويتي أكثر حرية ومرونة من برلمانات عديدة. فرد الأمير بحنكة من الطراز الرفيع قائلًا: العبرة بالمآلات.
وقال الأمير إن لجنة الشؤون الخارجية في كثير من البرلمانات لا تملك حرية مطلقة وليست مؤثرة في السياسة الخارجية للدولة. ولهذا تستعين بلجان أخرى لصيقة لتمرير توصياتها ورؤاها. وهو قال إن طبيعة العمل السياسي الخارجي معقد ومتحرك، وبالتالي تكون السلطة التنفيذية أقدر على العمل من السلطة التشريعية. ذلك أن ما يهم النواب هو ما يهم الناخبين. وهو الشأن الداخلي.
وكان لدى الوفد الكويتي قلق من تطور الأحداث في المنطقة، ويأمل أن يتوحد رأي وزراء الخارجية في مجلس التعاون تجاه ما يجري في مصر والبحرين وغيرهما، فقال الأمير سعود ما معناه إن الإرادة موجودة، لكن تشعب المسائل الداخلية وتشابكها بقوى إقليمية ودولية يجعل الأمر وكأننا نسير بعربة يجرها بغل. وهو قال: الأهم في الموضوع هو حكمة قادة دول مجلس التعاون؛ لأن تلك الحكمة أثبتت أنها تنجح بصرف النظر عن تنظيرات مراكز العصف الذهني الإقليمية والدولية.
ثم انتقل الحديث إلى نوع العلاقة التي يراها سمو الأمير بين دول مجلس التعاون الخليجي تجاه مسائل إقليمية ودولية. فقال الأمير إن التنوع سنة سياسية مثلما هو سنة كونية، والتنوع إثراء، لكن ما يعيق التنسيق في بعض المسائل هو التنظير السياسي المجرد الذي يأتينا من الخارج. وأضاف أنا لست براجماتيا كما يتصور البعض، ولكن لمنطقتنا خصوصية ثقافية، وأثر للجيوسياسية كبير، وكلاهما لابد أن يؤخذ في الاعتبار.
وسأل أحد أعضاء الوفد قائلًا يبدو الأمير يتبع مدرسة الزهد والتقشف، وهي مدرسة لا تصلح في السياسة. وفطن الأمير بذكائه الواسع قائلًا تقصد طاولة مكتبي. هذا ليس زهدًا، ولكن هذه الطاولة وهذه الغرفة كانتا طاولة الملك فيصل وهذا مكتبه عندما كان وزيراً للخارجية. والاحتفاظ بهما ليس من قبيل ثقافة الأنتيكات فقط، بل من قبيل أن سياسة المملكة ثابتة على الأسس والقيم المتوارثة، لكنها متحركة ومرنة في التناول والتكتيك.
وطفق الأمير يسرد تصوره عما يرغبه من علاقة بين لجنة الشؤون الخارجية بالمجالس النيابية الخليجية ووزارات الخارجية الخليجية. وذكر آليات وتحليلات مهمة. قلت للوفد الخليجي بعد خروجنا من مكتب الأمير سنعمل من هذه التصورات ورقة عمل نقرها في اللجنة. وقال الأخ محمد الجاسم بل يجب أن تكون خارطة طريق للجان الخارجية البرلمانية في مجلس التعاون.
أربعون دقيقة مرت كالدقيقة في مجلس لا تمل الجلوس فيه إلى قامة دبلوماسية سامقة، ودبلوماسي ذي تثقيف عال، وقارئ في أكثر من لغة.
قلت للأمير إن الصحافة الغربية تصفك بالمحاور الصلب. فقال في قضايا الوطن لا مجال للاستكانة. وطلب أحد الإخوة الكويتيين صورة مع الأمير قائلًا: ليعلم الأمير أنني أتشرف بصورة معه، وسأضعها في صدر مكتبي في مجلس الأمة، لأننا نعدك وزير الوزراء، وعميد الدبلوماسيين وفارس السياسة الخليجية والعربية، وفخر الخليج والأمة العربية. وكان له ما أراد.
رحم الله فقيد الوطن المخلص، وتولاه وأسكنه فسيح جناته.
غياب الأمير خسارة كبيرة.


1
2015-07-15 18:44:28ماهو تقشف
لكن الفيصل هذا مكانه
الطاوله والمكتب وسياسه
مبداها الثبات،جوابً مليان
وابهر منهو مطيحً الميانه
سعود من ظهر فيصل الي تكى للمهمات
اربعين دقيقه حنكة امير يامحلانطق لسانه
يارب اسئلك يالمعطي تجعله بوسط جنات
..
اربعون دقيقة الا انها من خلال انامل
متخصص، قدمها لنا بإسلوب لم يغلب
التشويق المصداقية، ولكن بمصداقية مشوقة