تتعرض أجزاء واسعة من منطقة الرياض في هذه الأيام لعواصف رملية مثيرة للأتربة والغبار مما يؤثر على صحة افراد المجتمع لاسيما الذين يعانون من أزمات تنفسية من الصغار والكبار. وهنا نتذكر نصائح الأطباء المختصين بلبس الكمامات الواقية من الغبار لما له من تأثير مباشر على صحة الإنسان حيث يؤدي استنشاقه الى حدوث صعوبة في التنفس نتيجة لتهيج القصبات الهوائية ومن ثم الشعور بضيق التنفس خاصة عند الذين يعانون من أزمات الربو المزمنة. كما لا ننسى أن أطباء العيون يطالبوننا بالوقاية من الأمراض التي تصيب العيون باستخدام النظارات والقطرات المرطبة او البقاء داخل الأماكن المغلقة لتفادي الأتربة والغبار لتجنب حدوث الحساسية والتهاب العين. وفي مثل هذه الأجواء المناخية تقع بعض الحوادث المرورية على الطرق الرئيسية نتيجة لانخفاض مستوى الرؤية وعدم قدرة الكثيرين على قراءة التعليمات الإرشادية على الطرق السريعة وغيرها. وكنتيجة طبيعية لهبوب الرياح وانبعاث الغبار يلجأ الناس الى هدر كميات كبيرة جدا من المياة في كل منزل سكني أو منشأة صناعية أو تعليمية أو صحية ونحو ذلك، اذ ما أن تهدأ العاصفة في اليوم التالي، حتى يتفاجأ الجميع بوجود كميات هائلة من الأتربة والرمال الناعمة تتجمع في الممرات الجانبية والخلفية للمنازل فضلا عن نفاذ الغبار الناعم الى داخل غرف المنزل وتهديد صحة افراد الأسرة.

ولأجل التخلص من هذه الأتربة التي تجمعت هنا وهناك يضطر الناس الى استخدام ما يتوفر لديهم من مياه للمساعدة في إزاحة الأتربة الكثيفة الى خارج محيط المنزل. ومن هنا يلاحظ ان العواصف الرملية تتسبب في زيادة معدل الاستهلاك لفاتورة الماء وإنفاق جزء كبير من ميزانية الأسرة في علاج حالات الربو عند الأطفال، ودفع تكاليف أعمال النظافة وصيانة أجهزة التكييف وغيرها.

فكيف يمكن الحد من آثار العواصف والغبار للمحافظة على مستوى صفاء أجواء المدينة وبالتالي حماية افراد المجتمع من تعرضهم للأمراض التنفسية وأمراض العيون، ومن ثم المساهمة في رفع المعاناة المادية عن كاهل الأسر الفقيرة من خلال خفض الانفاق على مكافحة الآثار الناجمة عن هذه العواصف الرملية؟

تتعرض بعض دول العالم لمثل هذه العواصف والأعاصير القوية الا ان السكان فيها لا يشعرون بتلك العواصف المحملة بذرات الرمال الناعمة ولا يعانون من آثارها الصحية بالقدر الذي يعاني منه سكان المناطق الصحراوية. وفي اعتقادي أن السبب في ذلك يعود الى وجود مسطحات واسعة من الغطاء النباتي في أراضي تلك الدول فضلا عن هطول الامطار في معظم أيام السنة. وهو الأمر الذي يؤدي بالتالي الى استمرار نمو النباتات والأشجار والشجيرات في هذه المناطق مما يشكل حاجزا طبيعيا أمام زحف الرمال ووصول الرياح الى داخل المدن.

أما بالنسبة للمناطق الصحراوية حيث لا يتوفر من الأشجار والنباتات ما يكفي لصد هجوم العاصفة الرملية ومنعها من دخول المدن، فانه لا بد من تضافر الجهود والقيام بما يكفل الحد من كثافة الرمال الزاحفة التي تثيرها الرياح وتحملها من أماكن بعيدة لتستقر داخل المنازل والطرقات والحدائق والمحلات التجارية المتخصصة في بيع المواد الغذائية والدوائية وغيرها.

ولتفادي أضرار العواصف على صحة المجتمع من ناحية ثم المحافظة على ما تبقى لدينا من غطاء نباتي متواضع من ناحية أخرى، فانه يجب على المسؤولين التفكير جديا بوضع خطة استراتيجية عاجلة للبدء في وضع التصورات الأولية لتنفيذ مشروع وطني لا يقل أهمية عن مشروع القطار في مدينة الرياض. ولهذا أرى ضرورة ان يتخذ القرار بتشكيل لجنة حكومية مشتركة يتم ترشيح أعضائها من ذوي الخبرة والتخصص في كل من وزارة المالية ووزارة الزراعة ووزارة المياة والكهرباء والهيئة العامة للسياحة واللجنة العليا لتطوير مدينة الرياض. وذلك لأجل بلورة متطلبات المشروع ورسم الرؤى والخطط ورصد الميزانية اللازمة لتنفيذ هذا المشروع حول مدينة الرياض ثم تعميمه لاحقا في باقي مدن المملكة.

ان وجود حزام اخضر من الغابات ذات الأشجار الكثيفة العالية والشجيرات الأقل ارتفاعا حول المدينة سوف يسهم في الحد من زحف الرمال وبالتالي دخول الغبار الى مجال النطاق العمراني للمدينة وفي نفس الوقت سيمكن لنا توظيف واستثمار هذه الغابات لتكون منطقة جذب سياحي في بلادنا والاستفادة منها في إيجاد متنفس مفضل لأهالي العاصمة والزائرين. وفي حالة لم يكن هذا الحزام كافيا في خفض معدل سرعة الرياح الى المستوى الذي يمنع بشكل كامل وصولها للمدينة، فانه من الممكن حينئذ زراعة حزام آخر يفصل بينه وبين الحزام الأول مسطحات وجداول مائية وحدائق بعرض كيلو متر واحد على الأقل وتمتد على طول الحزام الأول حول المدينة. نعلم جميعا ان الأشجار الكثيفة تقلل من عملية الاحتباس الحراري وتعمل على صد الرياح وتضمن هواء نقيا. كما انها تحمي التربة من الانجراف وتوفر ملاذا للكثير من النباتات والحيوانات التي لا تستطيع العيش الا فيها، ان الغابة ليست مصدرا اقتصاديا فقط بل تعد تراثا طبيعيا في المعالم السياحية. فهي مكان ترفيهي ومقصد للسياح لممارسة عادات وتقاليد مختلفة مثل الشواء والتدفئة والصيد والاستجمام وكلما كان هناك تنوع في زراعة النباتات كلما زاد اثراء هذه التربة بالمواد المغذية التي تفيدها مما يزيد فرص تواجد الثروة الحيوانية التي تتغذى على أنواع متعددة من الغطاء النباتي وبالتالي انتعاش الحياة الاقتصادية بوجه عام.

ومن اجل توفير مساحات خضراء وغابات صناعية يجب اختيار النباتات المناسبة لظروف البيئة التي ستزرع فيها. فهناك نباتات تتحمل درجات حرارة مرتفعة وأخرى تتحمل درجات حرارة منخفضة وأخرى تتحمل تقلبات الجو وهبوب الرياح. ومنها ماهو مقاوم للغبار والجفاف والعطش.