إنه من حق المواطن أن يشعر بالقلق والتوتر إزاء ازدياد نشاط تلك الجماعات الإرهابية التي سكنها الشيطان فلم تعد تفرق بين الحق والباطل؛ ذلك أن المواطن قد يستغني عن أشياء كثيرة، إلا الأمن الذي إن فقده فقد وجوده كله

يحضرني الآن قول أحمد ديدات: "أشرس أعداء الإسلام مسلم جاهل، يتعصب لجهله، ويشوه بأفعاله صورة الإسلام الحقيقي، ويجعل العالم يظن أن هذا هو الإسلام"، وهذه حقيقة ما يفعله الإرهابيون من بني جلدتنا، فما كاد يمر أسبوع واحد على تفجير إرهابي مجرم نفسه في مسجد القديح، وراح ضحيته عشرات المواطنين، ما بين شهيد ومصاب، فوجئنا يوم الجمعة بإرهابي آخر فجر نفسه في مواقف مسجد العنود في الدمام، وراح ضحية إجرامه ثلاثة شبان أبرياء.

قام الإرهابي بفعلته في غاية الجرأة متستراً في لبس نسائي، وهنا نتساءل: وماذا بعد؟ هل عدنا إلى المربع الأول الذي حاربنا فيه تنظيم المجرم ابن لادن، رائد الإرهاب الأول والجاحد للوطن الذي آواه وأنعم عليه؟ هل يتوقف الإرهاب الجديد، إرهاب داعش إذا أصررنا على التعامل معه بالأسلوب نفسه الذي عومل به إرهابيو القاعدة؟ هل يتوقف الإرهاب ما دمنا لم نبادر إلى إعدام من قبض عليه متلبساً، كالذي قتل رجل الأمن قبل عدة أسابيع؟ أوَ ليس القاتل يقتل متى ثبت عليه الجرم؟ فلماذا يسارع إلى قتل من قتل مواطناً واحدًا في ظروف ليست إرهابية، في الوقت الذي مازال بعض إرهابيي القاعدة أحياء يرزقون؟، هل يتوقف الإرهاب ونحن لم نقطع رأس الأفعى التي تحرض ضد الآخر الشريك في الوطن وتكفره، عبر تويتر الذي يطفح بتكفيرهم وتحريضهم؟

إن لم نبادر إلى فعل ذلك فسنبقى ندور في الدائرة نفسها.

لا يكف الكتاب وبعض المواطنين لدن كلّ حادث إرهابي عن المطالبة بكشف أولئك الذين يتاجرون بالدين، ويكاثرون الأموال من التكسب به، بممارسات تخالف تعاليم الدين وتمزق وحدة الوطن، وتأتي على مقدراته، أناس يشتغلون على أجندة يعلمون قبل غيرهم خطرها على الوطن وأمنه واستقراره، لكنهم لا يأبهون بالوطن، لأن لديهم بدائل أخرى الله وحده أعلم بها.

وبعد أيام سيعود حزب الكراهية إلى سيرته الأولى، بعد أن استراح استراحة محارب، سيستأنف بث سمومه عبر تويتر وغيره من مواقع التواصل الاجتماعي، وكأن شيئا لم يكن! فمتى تخبو نار الفتنة التي أشعلوها في جنبات بلادنا؟

اليوم استهدفوا مساجد للشيعة في المنطقة الشرقية، فإذا حققوا مبتغاهم من تمزيق الوحدة الوطنية، وزرعوا بذور الفتنة هنالك، حتما سينقلبون إلى باقي المناطق، فما المنطقة المؤهلة لإرهابهم القادم؟ ذلك أن المستهدف هو الوطن بكل مكوناته، فالفتنة التي يحاول إشعالها إرهابيو داعش، مستفيدين من فتاوى وتغريدات التكفير ليست إلا البداية.

وإذا كان أولئك المحرضون كفوا عن تحريض الشباب على الجهاد في البؤر الملتهبة، خوفا مما توعد به الملك عبدالله رحمه الله لدن استقباله مفتي المملكة، وأعضاء هيئة كبار العلماء والمشايخ، من ضرورة تغليظ الأحكام بحق من يغررون بالشباب ويرمونهم في مهالك الإرهاب بفتاوى ودعاوى مضللة، لكن المحرضين أنفسهم مازالوا يدقون الأسافين ضد الوحدة الوطنية، لتمزيق أواصرها بما يبثونه من تغريدات وفتاوى تكفيرية، فهل ما زال هؤلاء لا يخشون العقاب؟ وهل يظنون أن ما يطلقونه من أحكام دينية متطرفة أهم من استقرار الوطن وأمن مواطنيه؟

لا مناص من سنّ قوانين تجرّم فتاوى التكفير بما يمس معتقدات الآخر، فالله لم يجعل حزب الكراهية خط دفاع عن الدين، فلا يحق لهم تكفير من يؤمن بالله ويعبده، ولا يحق لهم زرع بذور الكراهية في نفوس البسطاء من الناس والصبية والمراهقين.

هؤلاء يجب الأخذ على أيديهم قبل فوات الأوان، في زمن الحزم الذي يقوده الملك سلمان، وقد رأينا كيف تمّ الأخذ على أيدي بعض المتجاوزين على الآخرين.

إنه من حق المواطن أن يشعر بالقلق والتوتر إزاء ازدياد نشاط تلك الجماعات الإرهابية التي سكنها الشيطان فلم تعد تفرق بين الحق والباطل؛ ذلك أن المواطن قد يستغني عن أشياء كثيرة، إلا الأمن الذي إن فقده فقد وجوده كله، وإذا كانت الأجهزة الأمنية أثبتت في كل حادث إرهابي، قدرتها على كشف الإرهابيين ومَن وراءهم في زمن قياسي، فما هو شأن من يحملون الأفكار المتطرفة التي أوصلت الإرهابيين إلى ما وصلوا إليه، لأنه من السهل حمل العنف والتطرف الفكري والعمل على بثهما وإشاعتهما أينما حلوا، خصوصا بين البسطاء وصغار السن كطلاب المدارس والجامعات، فالإرهابي ليس هو من يحمل قنابل أو يقود سيارات مفخخة فقط، بل الإرهابي في الأصل هو من يؤمن بالفكر المتطرف ويعمل على نشره، إنه ذلك الفكر الذي قد لا يمكن ملاحظته، وإذا ما لوحظ فإنه من الصعب الإمساك به متلبساً، خصوصاً أن هذا النوع من الأفكار له شعبية ويتمتع بقبول لدى أغلبية بسيطة في وعيها؛ ولأنه يتخذ تعاليم الدين الإسلامي ستاراً يخفي وراءه أهدافه المدمرة وحقده على المجتمع، فيزرع في الأذهان أن هذا المجتمع كافر ينبغي الخروج عليه وإعلان الجهاد ضده، لكن كلّ هذا تغير مع وسائل التواصل الاجتماعي، فلقد انتشر هذا الفكر عبر حساباتهم الخاصة بلا أدنى مبالاة، وبعضهم يسجل له المصلون ما يتفوه به من تكفير ودعاء بالهلاك. لدي عدد كبير من التغريدات والخطب الموبوءة، والنصوص التي تنشر عبر الفضاء الافتراضي انتشار النار في الهشيم، ومطلقوها معروفون، فكيف السبيل إلى ردعهم؟

إن الخطاب الموازي الذي ينتجه بعض المواطنين - وكان ينبغي له أن يقف ضد ترسّخ خطاب الكراهية - خطاب إيديولوجي مسطّح مصاب برؤية فصامية، إذ يشجع الإرهابيين على استسهال قتل البشر، وسفك الدماء، والسعي في الوطن خراباً، وهذا الخطاب المسطح المفعم بالمبررات، والساكت عن ممارسات الإرهابيين، يكشف عن الداء الذي أصيب به أولئك، ما جعلنا جميعاً إزاء خطاب مثير للشفقة؛ لما يحويه من خنوع وتناقض وصمت مريب! لهذا فلا عجب أن يكبر وحش الإرهاب وينمو، ويصبح حيواناً خرافياً يستمد قوته من الصمت عن وحشيته ودمويته، فما كدنا ننتهي من القضاء على إرهاب ابن لادن، حتى فوجئنا بإرهاب من نوع آخر، إرهاب داعش في الخارج، ومناصريه والعافّين عنه في الداخل، ألم يغرد أحدهم منذ أيام قائلا:"داعش مهما بلغوا فهم من الخوارج، والخوارج من المسلمين، كما قال علي: إخواننا بغوا علينا، أما (... ) ليسوا منّا، والتاريخ يشهد بغدرهم وخيانتهم"!! هذا النصّ يغرد به صاحبه في تويتر دون أن يرفّ له جفن؛ إذ كيف يجرؤ على القول بأن الدواعش مسلمون؟ أوَ يقتل المسلم أخاه المسلم بكل تلك الوحشية التي نراها عبر القنوات الفضائية، من تعذيب وذبح وسحل وحرق وإغراق؟ فعن أي أخوة إسلامية يتحدث هذا؟ ألم يحرّم الله قتل النفس البريئة؟ ألم يجعل قتلها كقتل الناس جميعا؟

كنا نحسب أنّ الخوارج خارج بلادنا فقط، لكننا لم نكن نعي أن بعضهم مقيم بيننا (إخوتهم الذين يتلمسون لهم الأعذار)، وهنا تأخذ منا الدهشة كل مأخذ، ولا نملك إلا القول بأن هذا وأمثاله أمنوا العقوبة والمساءلة، فلا عجب أن يقولوا أكثر من ذلك!

إن أكثر ما يحتاجه الوطن في هذه المرحلة هو دحض تلك الاجتهادات البراغماتية التي تحاول تهذيب الإرهاب وإسباغ المبررات الدينية عليه، والتماس الأعذار له، والعمل على تخوين الأصوات التي تصدح بخطاب وطني صارم يكشف عن زيف صناع الكراهية، ويفضح ممارساتهم، إنه خطاب مخاتل مضلل، يختزل سائر المشكلات التي صنعها الإرهاب؛ ليقول إن هؤلاء مغرر بهم وإن إرهابيي داعش إخوة لنا، ما يجعل الأمر أشبه ما يكون بالدوران في حلقة مفرغة، غرضها الهرب من اتخاذ موقف قاطع ونهائي من الإرهاب وصانعيه ومؤيديه ومباركيه!

يجد العنف الذي يرتكز على الدين لاستمداد أسباب بقائه، قبولاً له في المجتمعات المنغلقة التي لا تملك إلا خيارا واحدا لا ثاني له، إذ ليس لها الحق في اختيار غير ما فُرض عليها، لهذا يبقى العنف وحده الممسك بزمام الأمور لأنه لا يوجد من يجرؤ على معارضته، ولكي تخرج المجتمعات التي هذه هيئتها من المأزق الذي فرض عليها، لابد أن تعمل على تحرير الدين مما ألصق به من أمور تتفق وعقيدتي العنف والإرهاب وخطاب الكراهية المؤطر لهما، ما يعني أن الخروج من العنف يعني الخروج على التزمت في بعديه الديني والثقافي، وهذا الخروج يتطلب عمل الكثير تجاه الأفكار المتزمتة والمتحجرة التي تباعد بين الإنسان والدين بدلاً من أن تقرب بينهما.

لهذا طالبت وغيري من الكتاب والمصلحين الاجتماعيين، مذ أن غرس الإرهاب أول مخالبه في جسد بلادنا، طالبنا بإصلاح مناهج التعليم، وتنقيتها مما يشوبها من أفكار التطرف التي ما أنزل الله بها من سلطان، وها نحن الآن وقد مرّ حوالي خمسة عشر عاما والتعليم يراوح مكانه، إن في مستوى المفاهيم أو في مستوى المقررات أو فيما يمارسه بعض المعلمين من منهج خفي!.

وفي السياق نفسه طالبنا، مثل هذا الدور من وزارة الثقافة والإعلام التي لم تقم بجهد ملموس في هذا الصدد، فإن تجاوزنا عجزها عن اجتراح خطاب تنويري تبثه في المجتمع، لإصلاح الخلل الفكري، والعلاقة الملتبسة بين بعض الأفراد والوطن، فإننا حتما لن نتجاوز عن صمتها المريب والغريب والمشين عمّا يموج في الفضاء الافتراضي من موبقات، وحملات تكفير، وتضليل وكراهية، فهل تدرك الوزارة هذا؟ أم أنهم في سباتهم غارقون؟

وهنا يحق لنا أن نتساءل بكثير من المرارة والعجب: هل كان الشابان الإرهابيان يقومان بما قاما به لو تعلما أبسط أبجديات الدين وحقائقه عن عدم الاعتداء، وقتل النفس المؤمنة، وعدم الإفساد في الأرض؟ هل كانا سيفعلان ما فعلا لو أن المناهج التعليمية ومعلمي ومسؤولي التعليم بلا استثناء قاموا بواجبهم تجاه طلاب المدارس دينيا ووطنيا؟ وهل كانا سيفعلان ما فعلا، لو كان لدينا خطاب إعلامي ينضح بالمسؤولية الوطنية؟

هل راقبت وزارة الثقافة والإعلام ما يكتب في مواقع التواصل الاجتماعي من تغريدات وفتاوى تكفيرية؟ وكيف لم تعمد إلى استدعاء مطلقيها لمحاسبتهم عمّا يقترفونه ضد أمن الوطن ومواطنيه؟ ولا أستثني وزارة الشؤون الإسلامية، حيث خطباء المساجد الذين لا يكف بعضهم عن التحريض والتكفير، ومما وصلني اليوم قول أحدهم في خطبة الجمعة، ولمّا تجف بعد دموع أهالي ضحايا مسجد القديح: (هؤلاء إخوتنا في الوطن، لكنهم أعداؤنا في الدين)! وكأنه يخير المصلين بين الوطن والدين! هؤلاء الخطباء يجب ردعهم، فأمن الوطن حق لنا جميعا، وليس من حق أحد العبث به، أو التهاون مع المحرضين على أمنه واستقراره.