هناك استعجال واضح من هيئة السوق المالية لجعل سوق الأسهم مؤسساتي الطابع بخفض التعاملات الفردية التي يعتقد خطأ أنها مسؤولة عن الذبذبات الحادة في السوق. فتنظيم سوق الأسهم السعودية جاء في الأصل للمشاركة الشعبية في أصول استثمارية تعمل وتنتج في السوق والاقتصاد السعودي، فإستراتيجية التخصيص التي أقرت في بداية الألفية الحالية كانت تهدف الى مشاركة واسعة من الأفراد في أصول الشركات القائمة عن طريق طرحها للاكتتاب في سوق الاسهم. وبنك الإنماء مثالاً على ذلك حيث ان 80% منه مملوك للأفراد ضمن السياسة المتبعة من الحكومة.

إن ماتقوم به هيئة السوق المالية يعزز العمل المؤسساتي الذي لا نختلف عليه، لكنه يمضي بشكل متسارع يؤثر على الأفراد، ويؤدي الى تحملهم خسائر أكثر فيما لو كان التوجه هو لخدمة الأفراد في المدى المتوسط والمؤسساتي في المدى الطويل. وأول هذا التأثير يكمن في طريقة بناء سجل الأوامر. فهي تبدأ بالصناديق والمؤسسات الكبيرة والتي تشتري الكمية التي تحتاجها الى 60% من الأسهم المطروحة، والمتبقي 40% للأفراد الذين يتحصلون على الفتات من هذه النسبة. وعند التداول تقوم الصناديق ببيع حصتها (60%) على الأفراد بأعلى سعر ممكن، ما يجعلها تحقق أرباحا ضخمة خلال أيام على حساب الأفراد الذين يشترون بأسعار عالية مايكبدهم خسائر باهظة عند نزول سعر السهم، ماينفي العمل المؤسسي الذي تبحث عنه الهيئة. تخيل الان أن تطرح كامل الاسهم على الأفراد أولاً، وهم بدورهم يقومون ببيعها على الصناديق ما يعزز عملية عدالة السوق، لأن الصناديق لن تلجأ إلى الشراء بأسعار مرتفعة، كما أن الهوامير قد يجدون أنفسهم في مرحلة يصعب عليهم الشراء عند أسعار مرتفعة ما يصعب عليهم تصريف الاسهم مستقبلا.

وثاني تأثيرات الطروحات الأولية على الأفراد هي التقييم لأسهم الشركات المطروحة والتي لا تقل في الغالب عن مكرر ربحية 14 مرة. وهو يعتبر مرتفعاً عطفاً على مكررات السوق نفسه الذي يصل في المتوسط بين 16 الى 17 مرة. كما أنه لا يعتبر جاذباً للاستثمار عطفاً على أن معظم الشركات التي تنوي الطرح الأولي تلجأ الى تحسين قوائمها المالية وشكلها القانوني في فترات وجيزة. فلم نعد نستغرب أن تتحول الشركة من مسؤولية محدودة ثم الى مساهمة ثم ترفع رأسمالها من بضع مئات الآلاف الى ملايين الريالات خلال ثلاث سنوات. وبهذه الطريقة لا يمكن معرفة أداء الشركة التاريخي الفعلي، ومستقبلها على ضوء أدائها التاريخي. فمذكرات الطرح تشمل في العادة القوائم المالية لآخر سنة ما يجعل من تقييم الشركة أمرا فيه التباس كبير. صحيح ان المستشار المالي وكذلك بعض مديري الصناديق قد يطلعون على الأداء التاريخي لكنهم في النهاية ينظرون الى ماذا سيحقق لهم السهم من أسعار عند الطرح وليس كيف سيكون أداء الشركة المستقبلي ما يضعف دورهم في عملية التقييم والشراء.

هذان التأثيران كفيلان بمراجعة الهيئة لسياساتها في الطرح والتقييم، فالهدف ليس الوصول الى طرح مئات الشركات خلال سنوات وجيزة بقدر ماهو طرح الشركات المفيدة لاقتصاد البلد ولمشاركة الأفراد في أصولها، ولا يمكن اعتبار الوعي الاستثماري الفردي حجة لتعزيز دور المؤسسات الاستثمارية وكذك حجة لهيئة السوق المالية لتفادي المراقبة والتنظيم القوي للسوق لمنع التلاعب والتدليس.

إن من المهم أن تدرك الشركات التي تنوي طرح اسهمها في السوق أنها أمام فرصة تاريخية عظيمة لها. فسوق الأوراق المالية يساعدها على التمويل بأرخص التكاليف، والتخارج بأرخص الاضرار والتكاليف، والحوكمة والرقابة والديمومة والاستمرارية في جو تنافسي فعلي. ومتى ما أدركت ذلك فإن عليها تقبل أسعار مقبولة لأسهمها وعند مكررات أرباح لا تتجاوز 10-12 مرة. وعلى الهيئة تبيان أن مصلحة وفائدة ادراج الشركات هو أعلى لها من أي عوائد يحققها الافراد.

واذا أرادت هيئة السوق المالية أن تبني العمل المؤسساتي فإن من الضرورة توسيع قاعدة السوق المالية نفسها بتقديم منتجات عديدة أهمها توسيع سوق السندات والصكوك، وانخراط الصناديق والمؤسسات الكبيرة والحكومات والأفراد المليئين في مثل هذه المنتجات. وعليها تعزيز أدوار صناديق الاستثمار وصناديق المؤسسات الحكومية على لعب صانع السوق على حساب الأفراد (الهوامير) المضاربين.

باختصار يجب أن تعزز دور المشاركة الفردية ذات التوجه الاستثماري الذي قدمت جزءا من تصوري هنا، ويبقى لدى الهيئة الكثير من الأفكار في هذا الجانب.