ساهمت إعادة تشكيل سوق العمل عبر ضخ طاقات شابة سعودية في انخفاض نسب البطالة، وازدهار القطاع الخاص والعمل الحر، إلاّ أنه مازال هناك العديد من الشركات والمؤسسات الفردية تُعلّب ب"السعودة" الوهمية، حيث إن الكثير من ذوي الدخل المحدود من المواطنين يشغل مسمى وظيفي فقط دون أن يؤدي عملاً حقيقياً، بل إن الأدهى من ذلك استلامه مبالغ شهرية زهيدة مقابل سجلّه المدني!.

إن ما نشاهده من وجود مشكلة "السعودة الوهمية" والتوظيف لأجل الكسب الموقت، يتطلب الالتفات إلى مصلحة اقتصاد الوطن، عبر محاربة ذلك السلوك، والقضاء عليه، عبر تبليغ الجهات الرسمية عن أي حالات توظيف لا ترتقي إلى المصلحة العامة، فصندوق الموارد البشرية عندما يدعم صاحب العمل بنسبة معينة إنما يقصد فتح المجالات للشباب لإثبات قدراتهم ومواهبهم، وليس مجرد الجلوس في المنزل وفي نهاية آخر الشهر يتم تحويل المبلغ إلى حسابه.

ولكي نوجد بيئة مميزة جاذبة للشباب السعودي في القطاع الخاص لابد أن يكون هناك تكامل جهود بين وزراة العمل والجامعات وغيرهما من قطاعات الدولة المعنية، والتركيز على التخصصات المطلوبة في سوق العمل، حتى يضمن الطالب المتخرج وجود وظيفة تليق بمستواه الأكاديمي.

نحتاج لتكامل الجهود بين وزارة العمل والجامعات والتركيز على احتياجات السوق

مخرجات التعليم

وقال "نواف السبيعي" -موظف حكومي-: لابد من ضبط مخرجات التعليم بما يتناسب مع سوق العمل، فوجود بعض الأقسام والتي لا تزال تُخرّج دفعات تصل إلى (400) طالب في تخصص لا يحتاجه سوق العمل ولا قطاع التدريس لابد أن يوقف، مضيفاً أن التخصصات الموجودة بالابتعاث جميعها محدودة وتتخصص في المجالات الطبية أو إدارة الأعمال، ومع ذلك تجد الكثير يقدم على تخصص معين حتى يتم قبوله، ثم يقرر تغييره حين ينهي الجامعة ليأتي ب"ماجستير" أو "دكتوراه" لا فائدة منها، مقترحاً وجود شراكة بين وزارتي العمل والتعليم لتأهيل كوادر يحتاجها السوق، وللتخفيف من نسب البطالة.

أيادٍ أجنبية

وأوضحت "أمل الراجح" -موظفة قطاع خاص- أنه في آخر إحصائية نُشرت عن عدد السكان تزايد عدد الأجانب للضعف، الأمر الذي يؤكد الزيادة الكبيرة في الطلب على الأيادي الأجنبية، مضيفةً أن السعودة مجرد رفع شعار وليست حقيقية لتطبق على أرض الواقع، مبينةً أنه حين تقنع ربة منزل أو معاق أو كبير بالسن بمبلغ زهيد لا تدفعه من جيبك وإنما من الصندوق فلن يتردد بالقبول، فهي وظيفة من غير عمل!.

وشدّدت "سحر المطوع" -خريجة- على أهمية تطبيق العقوبات، مضيفةً: "أرى أنه لابد من عقوبة المواطنين أنفسهم مع أصحاب الشركات التي تتعامل بالسعودة الوهمية، فحينما ينص قانون يعاقب فيه أي فرد يتلاعب بالنظام فلن تجد أحداً يقبل على إعطاء اسمه أو سجله المدني لأي شركة أو مكتب خاص"، ذاكرةً أنه لو كان هناك مكافأة تُخصص للتبليغ لوجدت سوق الوظائف قد أصبح نظيفاً من أي شبهة.

مؤسسة فردية

وبرّر "أبو فيصل" لجوءه إلى السعودة الوهمية بقوله: أنا من أصحاب المؤسسات الفردية حيث بدأت برأس مال بسيط، ومن اشتراطات وزارة العمل هي السعودة، مضيفاً أن مجاله منحصر في المقاولات، ولا يمكنه توظيف سعوديين ك"عمّال"، أو حتى تواجدهم في مكتب دون حاجة، موضحاً أنه أخذ أسماء أولاده لتوظيفهم، وأنه يستفيد من صندوق الموارد البشرية بأخذ المبالغ وإيداعها في حساباتهم!.

وأشارت "أم طلال" -ربة منزل- إلى أنها تعاملت في السابق مع مكتب عقاري لأحد الأقارب، عرض عليها وعلى أخواتها -غير الموظفات- توظيفهن بمبلغ (1000) إلى (1500) ريال، مضيفةً أنها في البداية رفضت احتجاجاً على المبلغ، لكن بعدما أخبرهن أنهن لن يؤدين عملاً وافقن على الفور، مبينةً أنهن بذلك لن يعملن بل على العكس سيُكن مرتاحات في منازلهن وآخر الشهر يتم إيداع المبلغ في حسابات الجميع، ذاكرةً أنها ظنت في البداية أنه لا ضرر في ذلك وبعد ثلاثة أشهر لم يعد هنالك أي راتب، فقد انتظرن ثلاثة أشهر أخرى وحتى هذا اليوم لم يستلمن أي مبلغ، متأسفةً على أن اسمها مسجل بعقد عمل لمدة عام.

أهمية التوعية

وشدّدت "حصة الزامل" -معلمة- على أهمية الدور الإعلامي في توعية المجتمع، مضيفةً أنه لابد أن نثقف المجتمع حول ماهية السعودة الوهمية وتأثيرها على المجتمع، مضيفةً أن الإصلاح قرار سلطة لكن لن يتم تنفيذه إلاّ بمشاركة المواطن نفسه وإحساسه بأن من واجبه حماية وطنه من الفساد والتلاعب، متأسفةً على أنها لا تجد مواضيع في الإعلام عن السعودة الوهمية وطرق الاحتيال والتبليغ عن المخالفات.

واتفقت معها زميلتها "أريج الدهمش" -معلمة- قائلةً: لابد أن يتحمل التعليم جزءا من هذه المسؤولية ليكون هناك توعية بين الطلاب وأولياء أمورهم حول طرق استغلال الشركات عن طريق السعودة الوهمية، ولماذا هي ممنوعة؟، وكيف يتم التبليغ عنها؟، مبينةً أنه لابد من وجود مجتمع على وعي تام وكافٍ، حتى لا يُستغل، خاصةً كبار السن والمعاقين وربات المنازل.

محاربة الأنانية

وقالت "أسماء أبو غالب" -سيدة أعمال-: إن السعودة الوهمية لها من الأضرار ما يفوق النفع، ولو أدرك كل صاحب عمل أن كل مواطن أو مواطنة يحتاج للعمل الفعلي والمشاركة في بناء الوطن، وأن المبالغ التي يتم دفعها للسعودة الوهمية يمكن أن تضر العديد من الباحثين عن عمل، فأظن أن هذه العملية ستبدأ في التقلص، خاصةً إذا رفعنا نسبة الوعي والإدراك بمحاولة وضع صاحب العمل نفسه مكان العاطل، أو اعتباره أحد أبنائه، مضيفةً أنه بهذا التدرج يمكننا محاربة الأنانية في الربح والكسب بطريقة غير مشروعة، مبينةً أن توعية المواطن أمر ضروري لتجنب هذه المشكلة والرقي بالمجتمع، ذاكرةً أن قلة الوظائف في القطاع الحكومي سببت السعودة الوهمية بالقطاع الخاص، لكنها لا تظن أن لهذا علاقة، فالقطاع الحكومي يحمل عددا كبيرا جداً من الوظائف ومن واجب القطاع الخاص توفير وظائف برواتب جيدة، وأعني المؤسسات والشركات الكبرى وليس المتوسطة أو الصغيرة التي قد يطبق عليها قوانين قد تؤدي إلى إغلاقها، مشيرةً إلى أن السبب في السعودة الوهمية لدى المؤسسات الصغيرة أنها معرضة للإفلاس والانهيار دون أي دعم من مكتب العمل، أمّا المؤسسات الكبيرة فلا عذر لهم سوى التلاعب والتحايل على القوانين، متمنيةً من وزارة العمل تطبيق العقوبات الصارمة لذلك.

تطبيق لا منطقي

وشدّدت "أسماء أبو غالب" على وزارة العمل بالسعي لإيجاد حلول للمؤسسات الصغيرة ودعمها بدلاً من تطبيق العقوبات عليها؛ لأن هذه الفئة من المؤسسات الناشئة هي ركيزة هامة للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي التجاري داخل البلاد ودعمها واجب وطني، مضيفةً: "بالنسبة للعقوبات، نعم هناك ما يكفي لكن تطبيقها يغلب عليه اللا منطقية من نواحٍ عديدة، وهي واضحة في عدم دراسة وضع المؤسسات كبيرة أم صغيرة واحتياجاتها، وكذلك منطقية إيجاد سعوديين لتغطية هذا الاحتياج مؤهلين، لا يحمّلون صاحب المؤسسة الصغيرة عبء البدء من الصفر في تدريبهم والإشراف عليهم للنهوض بمؤسسته"، ذاكرةً أن ما يُقدم للمواطن من مبلغ زهيد عبر دعم الموارد البشرية بالتعاون مع صاحب العمل يُقابله استغلال أسمائهم في نظام التأمينات الاجتماعية، الأمر الذي يولّد نوعا من الاتكالية والتكاسل وتحفيز الكسب غير المشروع، وهي مسألة أخلاقية أولاً، مشيرةً إلى أنه يدفع أفراد المجتمع لقبولها قلة الدخل والاحتياج لتأمين لوازم العيش، متفهمةً تحمل وزارة العمل العديد من الأعباء، إلاّ أنه من المفترض أن تؤدي العديد من الدراسات لتطوير ما تفعله من جهد، عبر مختصين محليين وليسوا أجانب لا يفقهون معوقات المجتمع السعودي والعقبات التي تواجهه.