انتقدت أحكام النظام القضائي الإسلامي وحقوق المرأة في المملكة العربية السعودية، تلك هي وزيرة خارجية السويد مارغوت فالستروم.

وصف بيان مجلس الوزراء السعودي برئاسة خادم الحرمين الشريفين حفظه الله تصريحات فالستروم وصفا دقيقا (تجاهلت الحقائق)، مبيناً أن المملكة العربية السعودية ترتكز في أحكامها القضائية على الشريعة الإسلامية والتي تستمد قوانينها من الكتاب والسنة.

على إثر هذه التصريحات مُنعت فالستروم من إلقاء خطاب أمام وزراء الخارجية العرب، وأدينت في بيان صادر من الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، واعتبرت هذه الخطوة السويدية تدخلاً سافراً وغير مقبول في الشأن الداخلي السعودي، وهو كذلك، بل وانتقاداً مباشراً وموجهاً للدين الإسلامي.

افتقدت وزيرة الخارجية السويدية الحس الدبلوماسي الرفيع، من خلال مهاجمتها لقبلة العالم الإسلامي، ومنبع الدين، ومهبط الوحي، ومما لا شك فيه، أنها لم تخدم سياسة بلدها الخارجية من خلال هذه التصريحات المنافية للواقع.

دوائر صنع القرار في دول الاتحاد الأوروبي وفي الولايات المتحدة الأمريكية تتأثر بما يطرح في وسائل الإعلام الغربي، وبما تقدمه مراكز الدراسات الإستراتيجية لديها من بحوث تعتمد في تحليلاتها وقراءتها للمشهد العربي والإسلامي على خلفية الباحثين وتوجهاتهم السياسية، وكما ندرك جميعاً فإن مجمل هذه المراكز ووسائل الإعلام الغربي تدار بعقول صهيونية مسيّسة، وعلى ضوء ذلك شكلت الوزيرة رؤيتها وصاغت خطابها غير الموفق تجاه المملكة بناءً على معلومات مشوهة وغير دقيقة، وكان ينبغي على مسؤولة في هذا المستوى الرفيع أن تقوم بزيارة للمملكة العربية السعودية، تطلع من خلالها على حقيقة هذا البلد من الداخل، بواقعه المشاهد، والمدعوم بالحقائق والإحصائيات، وكان لها أن تلتقي بالمرأة السعودية العاملة في مجلس الشورى، ووسائل الإعلام، ومجال التعليم، ورقطاع الأعمال والاقتصاد، وبالتأكيد لم تكن حكومة خادم الحرمين لترفض مثل هذه الزيارة، أو أن تتردد في طلبها.

ما لم تدركه وزيرة الخارجية السويدية أن المملكة العربية السعودية خضعت لبرنامج إصلاحي متكامل، بدأه خادم الحرمين المغفور له بإذن الله الملك عبدالله بن عبدالعزيز، شمل كافة قطاعات الدولة وأنظمتها، وركز على الإصلاحات السياسية، والتي كان المستفيد منها في المقام الأول المرأة السعودية، كما شمل تطوير النظام القضائي، وهذه الإصلاحات ما زالت مستمرة في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان أعانه الله.


العلاقات الاقتصادية عصب الحياة للسويد

لا ندعي بأن المملكة دولة أفلاطونية خالية من الأخطاء والعيوب، ولكنها تسير وفق خطى متزنة ومدروسة، وكما قال الملك الصالح عبدالله بن عبدالعزيز رحمه الله: (لن نقفز في الظلام) لإرضاء دول غربية أو منظمات حقوقية، تجهل مقومات الدين الإسلامي وثقافتنا العربية.

القيادة السعودية وجهت رسالة قوية للسويد ولغيرها من الدول، بأن الشأن الداخلي السعودي وخصوصاً القضاء يعد خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه، ولا يمكن التهاون فيه مهما كلف الأمر، وبطبيعة الحال سيكون لهذه التصريحات السويدية تأثير سلبي على العلاقات بين البلدين.

وهنا يأتي دور الإعلام، فتناوله للأزمات السياسية الطارئة مع الدول الصديقة، يختلف عنه مع دول تجاهر تاريخياً بالعداء ضد بلادنا كالكيان الصهيوني وإيران، كما أنه ليس بالضرورة لكي يكون الإعلام وطنياً أن يكون متطابقاً مع الموقف الرسمي للدولة، ولكن يجب أن يكون مكملاً له، فيشرح رؤيته تجاه أي أزمة بنظرة شاملة، لا تغفل التاريخ، ولا تكون انتقائية في ذكر الحقائق، تدفع باتجاه احتواء الأزمة دون تفريط في الثوابت، تذب عن الوطن وتتحرى إنصاف الخصم انطلاقاً من قوله تعالى "يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى".

العلاقات السعودية المتميزة مع دول العالم مطلب سياسي مهم وخصوصاً في ظل الأوضاع الإقليمية والدولية المتردية، واتضاح نوايا كثير من الدول في فرض إرادتها على بلاد الحرمين، وهو ما لم ولن يدركوه بإذن الله تعالى، وبالتالي فليس من صالحنا كسب أعداء جدد، ونحن قادرون على علاج جهلهم، دون الحاجة لمقاطعة تجارية، أو هجوم إعلامي، أو إيقاف اتفاقيات، ولكن من خلال الحوار وبيان الصورة الحقيقية، وبذلك نستطيع تفويت الفرصة على أعداء الأمة، والذين سيكونون في غاية السعادة بهذه القطيعة وهذا الخلاف، ولكن وأكرر دون تفريط في الثوابت.

وبالنظر إلى تاريخ العلاقات السعودية - السويدية التي تطورت بشكل ملحوظ بعد زيارة الملك عبدالله رحمه الله للسويد حين كان ولياً للعهد عام 2001م، تبعتها زيارة مماثلة للملك سلمان حين كان وزيراً للدفاع عام 2008م، أبرمت خلالها اتفاقية تعاون عسكري بين البلدين، نجد أن المملكة تحتل المرتبة العاشرة بالنسبة للسويد ضمن قائمة الشركاء التجاريين على مستوى العالم، والمركز الأول في منطقة الشرق الأوسط من حيث حجم التبادل التجاري، وخصوصاً في مجال الخدمات الطبية، وتقنية الاتصالات، والمنتجات البتروكيميائية، وبالتالي فإن المملكة تمثل أهمية اقتصادية لدولة السويد، وهو ما لم تأخذه فالستروم بعين الاعتبار قبل الإدلاء بتصريحاتها.

وفي المقابل، يجب ألا ننسى بأن مملكة السويد كانت أول دولة أوروبية تعترف بدولة فلسطين من خلال تصويت برلماني، وأنا كإعلامي سعودي خليجي عربي مسلم، لن أنسى موقف السويد المشرف من القضية الفلسطينية، فباعترافها بدولة فلسطين، فتح الباب واسعاً أمام دول الاتحاد الأوروبي لتحذو حذوها وهو ما تحقق تباعاً، وترتب على ذلك أن حظيت السويد بنصيب الأسد من الهجوم الصهيوني الشرس.

نعم اتخذت هذا القرار الشجاع رغم معرفتها بمدى تغلغل الصهيونية العالمية في الحكومات الغربية، ودوائر صنع القرار، وعالم المال والإعلام، والجامعات، ومراكز الدراسات، ومع ذلك فلم تتردد في اتخاذ قرار تاريخي، أنصف العالم العربي والإسلامي في قضيته الجوهرية، وقدم خطوة صادقة في سبيل علاج جرحه الغائر الذي ما زال ينزف حتى الآن.

وبناءً على هذه المعطيات، وفي ظل قيادة سعودية حليمة، ومتزنة، ودولة السويد التي يحكمها أحزاب وقيادات لا تتفق مع طرح فالستروم، فإن لدي قناعة بأن حكومة خادم الحرمين وحكومة السويد، وبرغبة حقيقية من قبل الطرفين، ستتجاوزان هذه الأزمة، وستحافظان على متانة العلاقة بين البلدين، وسيعالج هذا الخلاف الطارئ من خلال القنوات الدبلوماسية، وبطريقة هادئة، فالمملكة العربية السعودية وهي المتبنية لقضايا الأمة العربية والإسلامية، لن تنسى للسويد موقفها المشرف من القضية الفلسطينية، وحكومة السويد لن تجازف بمكاسبها الاقتصادية، بل وستسعى إلى توثيق وتطوير علاقاتها مع دولة تمثل مركز ثقل العالم العربي والإسلامي، وشريكا تجاريا إستراتيجيا، ورقما صعبا في معادلة الأمن والاستقرار العالمي.