" لعل أول شهادة ضد كمال الشاعر (شعره) ذلك لأن الشاعر الكامل أخرس، وأفصح لغات الخرسان السكوت، أقول هذا لاعتقادي أن ما من قصيدة تدحرجت على لسان شاعر إلا وكانت بوحا بما يعانيه في سره من تجارب، وترويحا عما يحتبس في نفسه من أحاسيس . فالقصيدة تعبير عن التجربة وليست التجربة. وهي لهاث الأحاسيس وليست الأحاسيس، وهي مهما سمت تظل دون ما يختلج في صدر الشاعر، وأبرد مما يلتهب في حشاشته"

(نديم نعيمة)


قبل مدة يسيرة أصدر الشاعر إبراهيم الوافي رواية (الشيوعي الأخير)، وهو في ذلك ليس بدعاً، ولكنه تماثل مع شعراء آخرين طرقوا باب الرواية مثل : عباس بيضون، وإبراهيم نصرالله، ومحمد الأشعري، وغيرهم، وأعني بذلك أنه ليس الشاعر ملزما بألا يكتب إلا شعرا فقط، فمن حقه أن يجوس الساحة الثقافية ويختار منها ما يرى أنه يقدر على أن يعطي فيه، ولكن شريطة أن يكون متمكنا من هذا الفن وعارفا قواعده وأسراره، وهنا تكمن الصعوبة حيث إن الساحة واسعة والمعروض متعدد، ومدارك الإنسان محدودة وتحتاج إلى التركيز على شيء معين من هذه المعروضات يرى أنه سيعطي فيه، كما ينبغي، وأنه سيستمر في تصاعد في هذا المجال تبعا لتنامي المعارف وتطورها وما يجدّ في هذا المجال، فليس الداخل هو المقياس ولكن الساحة العالمية صارت هي المنتدى الكبير الذي يمكن التقويم من خلاله، فيكون اللجوء دوما لما برع فيه الكاتب، أو الفنان، والشاعر، مهما طرق من أبواب فلابد له من عودة إلى الدخول من الباب الذي قادته موهبته الأولى إلى الدخول منه والظهور بنتاجه الذي عرّف عليه.

الشاعر الوافي وفيٌّ مع شعره رغم إغراءات الرواية، فعاد راكضا إلى الشعر فأصدر هذه الأيام ديوانا جديدا تحت عنوان (لا عليَّ ولا ليا)، وكان قد بدأ إصداراته الشعرية بديوان (رماد الحب) 1989

واستمر في نشر دواوينه الشعرية التي بلغت عشرة دواوين، وهي من مجموع إصداراته التي بلغت الاثني عشر إصداراً، فقبل رواية الشيوعي الأخير كانت رواية (رقيم)، ولكن إبراهيم يعرف بأنه شاعر، وهو في قرارة نفسه مقتنع أن هذا هو طريقه الصحيح بدليل التواصل، والعمل الجاد شعريا، فقد رسم سلَّمه الشعري الذي بدأ بناءه درجة درجة متبعاً طريقة متقنة في التنفيذ، فهو يضع الدَّرجة، ثم يتبعها بالدرجة التي تعلوها بعد أن يعمل على إكمالها كما ينبغي وعلى الوجه المطلوب، ثم يتبعها بما بعدها بدرجة إتقان تتفوق على أولاها، وكل درجة لها مقاييس، ومواد، وألوان، ولكن تكون ضمن مكانها المخصص في درجات السلم المتصاعد، فكل ديوان كان يحمل تجربة، ونكهة، وذائقة تجيد العمل وعرضه، فكوَّن عالمه الشعري الخاص، فله خاصيته الشعرية بين الشعراء، ومحبرته وقلمه غير مستعارين من آخرين، فعندما تقرأ القصيدة تعرف أن وراءها الشاعر الوافي الذي خدم شعره باطلاعه ومتابعته، وقراءاته في مجال الفن الشعري، والشعر خاصة الدواوين العربية، وهذا ظاهر وجليّ في نمو تجربته التصاعدي، إذ لكل ديوان رسومه وخطوطه، وهذه أمور يدركها الشاعرالوافي؛ لأنه خلق شاعرا يخلبه الإيقاع ويذوب مع النغم، ويُدهش بالكلمة البِِكْر، فهو نموذج الشاعر المثقف والمفطور، وفي الثقافة مع الموهبة يكمن الكمال.

من صور الديوان الجديد:

"ما حيلة المشتاق إلا أن يبوح بسره لليل ..

يرهن ساعة الذكرى لموعده المؤمل ..

ثم يستلقي على التلفاز كالظل الحزين"

ويسير في تموجاته الشعرية المملوخة من جذورها العميقة حتى يصل إلى الإحاطة بالصورة:

" لو أنني ناديت .. هل ياء النداء تغار من بدرٍ تنزّل من سماء الحلم مر بغيّمة ترتادها فيروز .. ثم تأنثت فيه المواسم والفصول وجاءني كونا بهي ..

لو أنني جفّفت تلك الأرض .. لا بحر يميد .. ولا غياباً آخراً يأتي بما لا تشتهي ..

هل ننتهي "

وعندما يحلق الوافي بجناحين من اللغة والإيقاع المدوّر بلا نشاز .لا يبرح المعنى الكامن في النفس الشاعرة التي تقول بوحاً من مكنونات الذات :

" خذني إلى لغتي .. فإني لا أقول سواك مذ لقنتني الأسماء

لا أدري متى أتممت ما بدأت به شفتي ..

وأنت مقدم فيما أقول

لا أستعيد بك الحكاية أو يناورك الذهول ..

وحدي أنا المنذور للسّير الطويل ..

ولا وصول "

إبراهيم شاعر، ليس هذا قولي أنا وإنما قول دواوينه التي انتشرت في متناول أيدي القراء لكونها تحمل الشعر المموسق الجميل.