يؤرخ البعض أهم الأحداث أو المناسبات التي حملوا بعضا من ذكراها، فيجدون فيها علامة تميز الفترة فيرصد لها تاريخا ضمنيا يقارن بها عمر إنسان أو بناء دار أو شراء مزرعة أو تسجيل في تعليم أو قدوم مولود...الخ

فيقولون على سبيل المثال، جاء المولود سنة حصول كذا. ويجدون في ذلك سهولة في تداول المعلومات، وإن كانت غير دقيقة دقة الكتابة والتدوين، لكنها سريعة وسهلة وواضحة تجعلنا نتصور المسافات الزمنية.

حتى مع التدوين الذي صار يعفينا اليوم من كثير من التذكر إلا أن أحداثا مهمة تجعلنا نقف عندها، ونؤرخ بها.

والأحداث البارزة لا تنحصر في إطار محدد ولكنها تتضح فيما له صلة مباشرة ومؤثرة، مثل تولي الملوك والمسؤولين مناصبهم وكذلك زياراتهم وأيضا تدشين وافتتاح المشاريع والموافقة على الخدمات المهمة التي لها شأنها في تغيير الكثير من أوضاع القرى والبلدان كحفر الآبار وتوفير المياه وأيضا إيصال الطرق..الخ

فأبرز ما يتذكره كثير من الأحياء الآن في كثير من المناطق، خاصة من عاصر الأحداث هي أول بئر ارتوازية، وزيارات المسؤولين على سبيل المثال.

ويرتبط مع ذلك الحدث ذكريات كثيرة منها دخول السيارات الخدمة، وطباعة العملة ومد الطرق، وسلسلة من ذكريات لدى كبار السن يرونها أحداثا تستحق أن تبقى في الذاكرة.

أما الزيارات فمن اشهرها زيارات الملك سعود بن عبدالعزيز في أول فترة تولي الملك الى مناطق المملكة، في سنة 1374ه، وهي زيارات تزامنت تقريبا مع بداية التعليم النظامي، ولها وقعها الكبير في نفوس المواطنين، وقد استقبلوه الاستقبال اللائق وأكرمهم بالعطايا النقدية الريالات الفضية والكسوة وهذه الزيارات يتذكرها جيل الكبار الذين يعيشون بيننا اليوم، ولا يزالون يؤرخون أحداثا بها.

وبقيت تلك الزيارات في الذاكرة تقارن وتربط الذكرى بأحداث كعلامة وتاريخ حتى ولو رافقها تدوين، إلا أن استدعاء الأحداث مجتمعة من الذاكرة أسرع وأكثر مقارنة من البحث في المدونات والأوراق خاصة وأن حزمة الذكريات تعتبر أكثر جاهزية وفي كل مكان وربما تعتبر مادة تستعرض في جلساتهم.

والزيارات والاستقبالات من المسؤولين ورجالات الدولة كثيرة ولكن تبقى بعضها علامات مميزة تفرض نفسها في الذاكرة التاريخية.

وإذا كان الشيء بالشيء يذكر، وكتابة ورقة بقلم المعاصر للحدث تعد أبلغ من تخيله، فإن زيارة الملك سعود رحمه الله للقصب كتب فيها ابن القصب: عبدالله ناصر الفوزان، كتابة طريفة تستهوي من يميل إلى صورة تلك الزيارة في قلب طفل عاصر الحدث، وهو اليوم دكتور، وتغطية الذكرى جميلة من منظور صاحبها لهذا استعرضها كما هي، فيقول الدكتور عبدالله كما كتب:

(يوم متميز لا يمكن أن أنسى أحداثه المثيرة... كنت في الثانية الابتدائية... لا أعرف ماذا تعني كلمة (ملك)... وفور دخول المدرس الفصل في بداية اليوم الدراسي قال لنا إن الملك سعود – رحمه الله – قد حضر للبلدة – القصب، الواقعة في الوشم جنوب شقراء – وخيّم في جنوبها، وإنكم (طلبة الفصل) ستذهبون للسلام عليه بعد عصر اليوم مع الأهالي، وسيعطي كل واحد منكم ريال فضة، وغترة، وثوباً جديداً.

كانت نقاشاتنا في المدرسة ذلك اليوم عن الملك سعود... وعن ريال الفضة والغترة، والثوب الجديد، وكان فرحي يزداد ساعة بعد ساعة، وعندما انتهى اليوم الدراسي كان فرحي قد بلغ أوجه. كنت أريد أن أحلّق. ولذلك عدت لبيتنا بطريقة القفز.. قفزتان باليمين، وقفزتان بالشمال.. وناديت أمي بصوتٍ مرتفع حالما دخلت المنزل. وبشّرتها بالخير، وابتهجت لابتهاجي، وقلت لها سأشتري بريال الفضة لحماً وحذاء جديداً. وسأشتري لك ثوباً وعباءة وقدر ماء جديداً، وكانت تبتسم بابتهاج بالغ وهي تقول: وأبوك..؟؟ قلت وسأشتري لأبي حذاء وقهوة، فتحول ابتسام أمي إلى ضحك وهي تردد.. قهوة..!! قهوة..!! ثم سألت.. وليه قهوة...؟؟ قلت: علشانه يحب القهوة.. وحنا ما عندنا قهوة.. وأبيه إلى جا من السفر يحصّل عندنا قهوة.. ثم سألتها تروحين معي العصر..؟؟ قالت لا.. فشعرت بارتباك شديد، وقلت: وشلون أروح، فقالت: أنت رجاّل، تروح مع الرجاجيل. فشعرت بالاطمئنان والراحة، وقلت: إيه أبروح معهم.

مرّ الوقت بطيئاً.. هاه جا العصر..؟؟ كل دقيقة أسألها هذا السؤال، وهي تقول: لا.. بعد شوي.. وعندما قالت في آخر مرة.. هالحين يبي يذِّن.. لبست شماغ أبي الكبير بدون طاقية، وخرجت بلا حذاء، وكان الملك سعود قد خيّم بجوار البلدة من الجنوب، في مكان اسمه (برج الحويش) وبيتنا كان في الزاوية الغربية الجنوبية من البلدة، أي قريب من المخيّم.

اتجهت جنوباً نحو (برج الحويش) ورأيت المخيّم فشعرت بالزهو والفرح البالغ، وشعرت مرة أخرى بالرغبة في التحليق، ولذلك عدت للقفز.. قفزتين.. قفزتين.. وعندما أوشكت على الوصول للمخيّم خرج منه رجل طويل القامة، أسمر اللون، يلبس ثوباً أبيض، وغترة بيضاء، وعليه محازم سوداء اللون تحيط بخصره وتصعد لكتفيه بخطين متقاطعين، وسألني عمّا أريد، فقلت له: هل أنت الملك سعود..؟؟ فضحك وقال: لا، فقلت: وين الملك سعود..؟؟ فقال: موجود، لكن وش تبي بالملك سعود..؟! قلت: أسلم عليه علشان يعطيني ريال فضة وثوباً وغترة، فزاد ضحكه وقال: بعد العصر يا ولدي. رح وتعال إلى جو أهل الديرة. تّونا مبكرين. قلت طيب. ورجعت إلى البلدة.

في طريق عودتي، رأيت الخدّة على يدي الشمال (سور المزرعة غير العالي) ورأيت بها ظلاً، فقلت لنفسي لماذا أرجع.. سأنتظر هنا في ظل الخدّة، وإذا جاء الأهالي سبقتهم. وذهبت للظل، وجلست فيه، أنظر للبلدة حتى أرى الأهالي عندما يقبلون، والهواجس الكثيرة، والآمال، والمشاريع التي سأبنيها بريال الفضة تسرح، وتمرح في ذهني.

بعد وقت قليل سمعت صوتاً. كان صوت أمي... يا عبدالله.. يا عبدالله.. واستيقظت.. كنت فزعاً.. لا أعرف ماذا حصل.. كان قد حل الظلام.. وكنت في حالة ارتباك ذهني.. وكان المخيم أمامي.. لا أراه، ولكن أرى بعض الضوء الخافت يخرج منه.. فقلت لأمي وأنا فزع مضطرب: وين أهل الديرة..؟ ما جو..؟ قالت: جو وراحوا. فزاد فزعي وقلت: وشلون..؟ قالت يوم تأخرت عليّ سألت بعضهم عنك، قالوا ما ندري، وقال واحد إنه شاف (بزِرّ) تحت الخدّة نايم وهم راجعين.. ثم قالت هاه..؟؟ وين الريال والغترة والثوب..؟؟ ما خذتهم..؟؟ فأدركت كل شيء.. أدركت أني نمت.. وجاء الأهالي وأخذوا ثيابهم وغترهم وريالاتهم وأنا نائم فشعرت بغبن شديد.. وصرخت مجيباً أمي.. ماخذت شيء.. جيت قبلهم وجلست تحت الخدّة انتظرهم ونمت... ثم بكيت.. قلت لأمي: تعالي نروح للمخيم. قالت: لا.. متأخرين وأنا أمك.. يمكن ناموا.. بكرة إن شاء الله تجي المخيم وتاخذ حقك.. فرجعت مع أمي للمنزل.. وكان لدي بعض الأمل.. سأخرج غداً وأطلب ثوبي وغترتي وريالي.

عندما أيقظتني أمي في الصباح لأذهب للمدرسة قلت: ما نيب رايح. قالت: وش بلاك..؟! قلت: وشلون أروح وأنا ماخذت حقي..؟؟ يبون يعايروني في المدرسة. قالت ما عليك منهم. رح وادرس، وبعد العصر رح وسلّم على الملك سعود ويبي يعطيك حقك.

وذهبت للمدرسة مكسور الخاطر، ووجدت أن قصتي قد أصبحت على كل لسان.. ما تدرون..؟؟ مسيكين ولد الفوزان نام تحت الخدّة وما خذ شي.. وخرجت من المدرسة أشعر بقهر شديد.. وفور حلول العصر خرجت للمخيم، ولم أر له أثراً، وحاولت أن أتمسك بالأمل، فاتجهت إلى مكانه، وحين وصلت رأيت الآثار، وتلفّت يميناً وشمالاً كأني أبحث عن المخيم تحت الأحجار.. وتفجرت الحقيقة المرةّ.. جلست على الأرض ووضعت رأسي على ساعدي الأيمن وانخرطت في بكاء مرير.) انتهى من ذكريات الدكتور. عبد الله ناصر الفوزان الوطن السعودية2009)

وإذا كانت الذكرى أساسها حدث مهم حصل للفرد أو مجموعة الأفراد، فإن الغالبية لا يستطيعون كتابة انطباعاتهم عن ذلك الحدث في حينه، ولكن تبقى آثاره في نفوسهم فرحة أو رهبة أو معاناة أو أملا أو ألما...الخ.

حتى إذا ما تهيأت للفرد وسيلة التعبير من كتابة و إتقان لها، أو موهبة شعرية وتمكناً من توظيفها أو فصاحة وخطابة...الخ، تم للفرد التعبير بعد زمن قد يطول، ولا شك أن الطفل صاحب الذكرى لم يكتبها في حينه إلا بعدما مرت عشرات السنين وتهيأت له فرصة التعبير، وهذا دليل على أن الأحداث تبقى في ذاكرة الناس ولا غرابة أن يؤرخوا بالمهم منها.

وفي حب الأوطان ما يجعل المتعلق بها وبالديار أكثر رسوخا من غيره.

يقول الشاعر سالم سيف الخالدي في حب الوطن:

حب الوطن ما هو مجرد حكايه

أو كلمة تنقال في أعذب أسلوب

حب الوطن إخلاص مبدأ وغاية

    تبصر به عيون وتنبض به قلوب 

حب الوطن احساس يملا حشايه

وانا بدونه في الأمم غير محسوب

وتبقى ذكرياتنا كأنها لا تزال حتى ولو غابت الشخوص

هذا شاعر ساقته ذكرياته إلى مكان صباه فماذا قال وهو يرى بلدته وقد غاب ماضيها الذي كان يعرفه.يقول:

البارحه وقفت في موقفٍ سي

    رجعت للماضي وطول وقوفي

في ديرةٍ حمراء على يسارها حلي

    ويمينها جيلان حمر الكهوفي

الديرة اللي عشت فيها وانا صبي

 احبها والها علي معروفي

مريتها طرقي وهي قفر وخلي

     غير الذهوب بجوها ماتشوفي

اثر الديار بدون اهلها ولاشي

   لو حبها قطع معاليق جوفي


د. عبدالله الفوزان