يحمل معظم الناس في مخيلتهم أنّ "رجل الدولة الأول" شخصية يفترض أن تحمل في طياتها جدّية دائمة تعكس مدى حجم المسؤوليات الملقاة على عاتقه من جميع النواحي محلياً وخارجياً؛ بيد أن الملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز –رحمه الله- أعاد تشكيل تلك الصورة النمطية بفضل "كاريزما" امتاز بها، صهر من خلالها روحه المرحة وخفة ظله بقيادته الفذة، فهو صاحب طرفة وبساطة في الحديث عندما يستدعي الموقف حيناً، وفي أحيان أخرى عندما يبلغ السيل الزبى يكون صارماً وشجاعاً يزن مفرداته وزنها حتى في أشد حالات غضبه، بصدقٍ أكسب عباراته هيبة يشهد لها القاصي قبل الداني.

مزرعة بوش

في شهر أبريل من عام 2002م، عندما زار الملك عبدالله -رحمه الله –عندما كان وليّاً للعهد- الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن في مزرعته بالولايات المتحدة الأمريكية وعند وصوله حدث موقف رواه الراحل غازي القصيبي –في فيلم وثائقي عن الملك عبدالله بثته مجموعة MBC- وقال القصيبي –رحمه الله- :"عندما زار الملك عبدالله الرئيس جورج بوش في مزرعته قال له (هذه مزرعة جميلة!) فرد عليه بوش (صحيح، تعبت فيها)، فبادره الملك (هل أنت بنيتها وطورتها) فأجابه (نعم) فعاد الملك سائلاً وهو يجول بأنظاره نحو المزرعة (يعني كل هذه الأشجار والبيوت أنت من زرعها وشيّدها؟) فأجاب بوش بدهشة (نعم) فقال الملك عبدالله (لو جاك واحد الآن من برا أو مجموعة من البشر وقالوا لك :اطلع!، هذه المزرعة كانت مزرعتنا قبل ألف سنة، ماذا ستعمل؟ ألن تدافع عن مزرعتك؟) فأجاب بوش وهو لم يكن مدركاً طبيعة هذه الأسئلة من الملك عبدالله (بطبيعة الحال سأدافع عن مزرعتي) فقال له الملك (طيب وهل الفلسطينيون عملوا شيئاً غير هذا!).

ولم يكن هذا الموقف الأخير في مزرعة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش، إذ تلاه اجتماع ساخن شرح خلاله الملك عبدالله –رحمه الله- المعاناة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني وبالذات المدنيين وكبار السن والأطفال والنساء بالاستعانة بفيلم وثائقي تم إعداده مسبقاً، فشعر بعدها أن ردة فعل "بوش" غير مصّدقة بشكل كاف، بحسب رواية الأمير بندر بن سلطان –سفير المملكة في الولايات المتحدة آنذاك- فقال له بوش "أنه سيحاول مع رئيس وزراء اسرائيل أنه ما يصير هالشيء ونرى كيف نقنعه!"، فاستشاط الملك عبدالله –رحمه الله- غضباً وقال :"إذا كنت لم تتأثر بعد كل ما شاهدته فذلك يعني أنك لا تحمل شعوراً إنسانياً!، إن كنت تأثرت وأنا أرى التأثر بادياً عليك وإن لم تأخذوا موقفاً توقفوا من خلاله هذا العمل فنحن أمام مشكلة أكبر مما توقعت، ولذا إذا كان هذا رأيك أنا بمشي" وحاول بعدها بوش بإلحاح كبير أن يستمر الاجتماع ورفض الملك وأبى إلاّ أن يطلب سيارته للرحيل، واستدعى الجانب الأمريكي الأميرين بندر بن سلطان وسعود الفيصل اللذين حاولا تلطيف الموقف وتقريب وجهات النظر بيد أن الملك عبدالله كان رافضاً ومصراً على إحضار السيارات استعداداً للرحيل، في هذه الأثناء وقف الرئيس بوش رافضاً رحيل الملك قائلاً "إن ما حدث لا يعدو كونه "سوء فهم" وأرجوك تعطيني فرصة أشرح رأيي" فشرح بعدها بوش موقفه واقتراحاته؛ بما كان مشجعاً للملك عبدالله أن يستمر الاجتماع، وهو ما كان مفاجئاً للقيادات الأمريكية هذه الصراحة والشجاعة المتناهية التي كان يتحدث بها الراحل.

توبيخ القذافي

ولا ينسى الكثيرون موقف الملك عبدالله –رحمه الله- عندما كان ولياً للعهد ومترئساً الوفد السعودي في القمة العربية التي احتضنتها "شرم الشيخ" عام 2003م، عندما تجّنى معمّر القذّافي -رئيس ليبيا آنذاك- على المملكة وسياساتها وساستها فكان الرد صاعقاً من أبي متعب عندما قاطعه قائلاً :"فخامة الرئيس، كلامك مردود عليه.. المملكة العربية السعودية واجهة.. المملكة العربية السعودية مسلمة.. المملكة العربية السعودية ليست عميلة للاستعمار مثلك ومثل غيرك. من جابك للحكم أنت؟ من جابك؟ قلّ لي صحيح من جابك؟.. لا تتكلم ولا تتورط بأشياء ما لك فيها لا حظ ولا نصيب.. والكذب هو أمامك.. والقبر هو قدامك".

يخسى ماهو سعودي

ومن العبارات التي دوّنتها أوراق التاريخ، حديث الملك عبدالله –رحمه الله- عندما كان يتحدث عن الانترنت وما نُقل إليه من ردود أفعال ناقدة لتبرعات السعودية لمنكوبي زلزال إيران قبل أكثر من عقد من الزمان، حيث روى –رحمه الله- ما كتبه شخص في الانترنت استهجن تبرع السعودية لمنكوبي زلزال إيران بالخيام والمؤن الغذائية ومستشفى وصفائح الدم للمصابين وغيرها، وطالب أن يخلط الدم المرسل بفيروس الإيدز، حيث علّق الملك -رحمه الله- :"هل هذه أخلاق إسلامية؟، هل هذه أخلاق إنسانية؟ هؤلاء إخواننا المسلمين.. أين الانسانية؟ كيف وضعوا أنه سعودي؟، يخسى هذا ما هو سعودي ونحن براء منه.. وإن شاء الله كل سعودي لا يمكن أن يبدر منه إلا كل شيء طيب.. بدينه، بإحساسه، بوطنه، بأخلاقه".

فيكم كسل وصمت

ولم تقتصر العبارات التاريخية للملك عبدالله –طيب الله ثراه- عند هذا الحد فحسب، حيث قال -رحمه الله- ذات خطاب بحضرة عدد من الأمراء والعلماء في عيد الفطر المبارك من عام 1435ه، في وقت تشهد فيه المنطقة العربية الكثير من الأحداث التي جعلت الحاقدين والشاذين يرتكبون جرائم يندى لها الجبين، حيث قال "أنا واحد منكم، وفرد منكم، ولا تحسبون إنني قاعد هنا، لو -الله لا يقدَّر- بيصير شيء أولهم أنا. أنا على ما فيكم"، وأضاف: "ما أقدر أتكلم الذي في صدري، لأن الذي في صدري أعتقد أنكم أنتم أدرى به، وما يسفطه قلبي ونفسي وأخلاقي ومبدئي إلا شيء أحسه من صغيركم وكبيركم ومشايخكم وهذا هم يسمعون كلهم، وأطلب منهم أن يطردوا الكسل عنهم، ترى فيكم كسل وفيكم صمت، وفيكم أمر ما هو واجب عليكم. واجب عليكم دنياكم ودينكم، دينكم، دينكم. وربي فوق كل شيء".

نعم مولاي

وكان من أول قرارات الملك عبدالله –رحمه الله- عندما تولى مقاليد الحكم هو أمر بأن لا يطلق عليه أحد لقب "مولاي" أو "صاحب الجلالة" وغيرها من ألقاب مشابهة وأن يتم الاكتفاء بلقب خادم الحرمين الشريفين، إلى جانب منع تقبيل اليد في السلام لأنه أمر لا يرضاه ولا يقبل به؛ إكراماً لهم وحفظاً لماء وجههم وكرامتهم، وتعود قصة هذا القرار إلى أنه عندما توفي الملك فهد –رحمه الله- جاء أحد المستخدمين إلى معالي رئيس الديوان الملكي –آنذاك- الأستاذ خالد التويجري فسأله بماذا ألقبه؟ فقال ب"مولاي"، فذلك أمر متعارف عليه، وعندما دخل المستخدم إلى الملك قال له "نعم مولاي" فرد الملك –رحمه الله- "ماالذي جدّ حتى تدعونني بمولاي؟" فما كان منه -رحمه الله- إلاّ أن استدعى التويجري وأعاد السؤال ذاته "ماذا استجد؟".. عندها أمر بإصدار القرار الوارد أعلاه بمنع ذلك اللقب والاكتفاء بلقب خادم الحرمين الشريفين.

شخصية مرحة

وعلى النقيض مما سبق، يظهر أن الملك عبدالله –رحمه الله- قائداً قوياً جاداً حتى ظن البعض أنه لا يبتسم إلاّ نادراً، في حين أنه استطاع أن يمزج تلك الشخصية القيادية بخفّة ظل فريدة من نوعها كسر من خلالها كل البروتوكولات الرسمية دون أن يؤثر ذلك على هيبة ملك، بل أنه وظّف الكاريزما التي يمتلكها حتى تربّع في قلوب شعبه.. "أبو متعب" رحل ولا تزال عباراته بعفويتها وحكمتها خالدة في الأذهان، فلا ننسى مقولته عندما تعافى من وعكة صحية حيث قال "جاءتني هذه الوعكة ما أدري ما هي ناس يقولون لها إنزلاق، وناس يقولون لها عرق النساء.. النساء ما شفنا منهن إلا كل خير!.. والعرق هذا من أين جاءنا هذا عرق فاسد".

وفي إحدى زيارات الملك عبدالله –رحمه الله- إلى الولايات المتحدة الأمريكية وفي ختام مؤتمر إعلامي جمعه بالرئيس الأمريكي باراك أوباما، حيث شكر الملك الراحل أوباما والشعب الأمريكي، ثم قال ضاحكاً :"وأشكر أصدقاءنا الصحفيين الله يكفينا شرهم ويطعمنا خيرهم"، وضحك بعدها أوباما وقال "هذا دعاء طيب"، وذلك في موقف يعكس مدى حرصه –رحمه الله- على أهمية دور السلطة الرابعة في إشراكها بالمسيرة التنموية.

الله يطول عمره

وفي أحد خطابات الملك عبدالله –رحمه الله- كان يتحدث عن مستقبل المملكة الزاهر، ثم روى موقفاً مضحكاً حيث قال: "كنّا في مجلس الوزراء، وقلت لهم أدعو للي أنا بقول، قالوا وشو؟، قلت: قولوا الله يطول عمره. قالوا: الله يطول عمره، منهو هذا؟. قلت قولوا الله يطول عمره.. قولوا.. قالوا: الله يطول عمره. قلت: البترول".

وفي يوم افتتاح المدينة الجامعية لجامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن، كان موقف آخر لا ينسى، فبينما كان مسرح الحفل ممتلئاً والحضور يترقبون كلمة الملك، والهيبة تعم أرجاء المكان، بدأ الملك كلمته مستغنياً عن كل المقدمات الرسمية وقال بعفوية "بغينا ما نجيكم.. مسكونا ساعة وزود شوي -في إشارة إلى الزحام المروري أثناء طريقه للمدينة الجامعية-.. والله يحط فيها البركة.. والسلام عليكم".

وكما يعلم الكثيرون، فإن "أبا متعب" فارس هُمام، يهوى الخيل بشغف، حتى أنه يولي خيله عنايته الشخصية بنفسه، فيعمل على تنظيفها ورعايتها، كما يروي ذلك ابنه الأمير متعب، الذي قال إن أحد مسؤولي الحرس الوطني جاء إلى الملك عبدالله –عندما كان وليّاً للعهد-، وعرض على الراحل مشكلة تعترضهم وهي أن زملاءهم في الحرس المسؤولين عن الخيول يجدون إحراجاً في تنظيف الخيول ويمتد هذا الحرج إلى أسرهم كونهم هم من يتولى تنظيف الخيول ويجدون في ذلك عيباً، فأجابه الملك:"هذه بسيطة".. وبعدها جاء الملك –رحمه الله- إلى الخيول، ووجد حصاناً متسخاً، وقال "كل واحد منهم شايمة نفسه أنه ينظف حصانه" وذهب بنفسه إلى الحصان على الرغم من نداءات من حوله بأن يكفوه عناء المهمة، وطلب سطلاً وأزال بنفسه مخلفات الحصان من تحت نشارة الخشب التي توضع في الأرضية ثم قال "وش ضرّكم؟"

وفي موقف آخر، زار الشيخ عيسى الدباغ –معلم أبناء المؤسس- الملك عبدالله وهو يستقبل مبايعيه عندما تبوأ مقاليد الحكم، ومازحه "أبو متعب" قائلاً: "أعلّم عليك وش سويت بي وإلا ما أعلّم؟.. أنا ما راح أخذ رأي منك! ما تذكر الضربة التي ضربتني إياها؟" فرد عليه الدباغ الممازحة قائلاً "ضرب الحبيب زي أكل الزبيب".

وفي إحدى زيارات الملك فهد –رحمه الله- لتدشين مشروعات حكومية وبمعيته الملك عبدالله -رحمه الله-، وبينما كانا يستمعان للحفل الخطابي المعد، وإذ بحمامة بيضاء ترفرف أمامه قبل أن تحط رحالها أمامه، ثم دنا إليها وأمسكها وسط ابتسامات الملك فهد وبقية من شهدوا الموقف.. وهذه العفوية التلقائية ليست ببعيدة عن موقفه عندما كان يتجوّل في أحد الأسواق التجارية هو والوفد المرافق له، وبينما هم يسيرون فضل تناول شيء من البطاطس المقلية من أحد مطاعم الوجبات السريعة، ودعا الملك سلمان –الأمير آنذاك- لمشاركته البطاطس، وفي موقف آخر في أحد المجمعات التجارية بادرته طفلة تبكي وتبحث عن والدتها، فاحتضنها وسألها عن اسم أمها فأجابت "منيرة النويصر"، وطالب من مرافقيه البحث عن "منيرة النويصر" وهو لا يزال محتضناً الطفلة حتى وجدت والدتها.

هذا الصويصة

رياضياً، عكست مواقف "أبو متعب" مع الرياضيين مدى متابعته واهتمامه بالرياضة فهو كما يروي أبناؤه يحرص على متابعة مباريات الدوري السعودي في حالة وجد لديه وقت فراغ، وفي تشريفه تتويج العديد من البطولات الكروية يكون هناك ممازحات لا ينساها الكثيرون، ففي إحدى النهائيات كسب فريق الهلال نظيره القادسية، وكان لاعب الهلال الدولي محمد الشلهوب المعروف بقصر قامته قد بذل مجهوداً كبيراً في ترجيح كفة فريقه، وأثناء سلامه مازحه الملك –رحمه الله- ضاحكاً وهو يشير إليه بسبابته "هذا الصويصة"، وفي تتويج آخر كانت المباراة بين فريقي الأهلي والنصر الذي خسر النهائي بأربعة أهداف مقابل هدف وحيد، فكان –رحمه الله- يبارك للفائز ويواسي الخاسر وقال "قلنا لو تجيبون واحد وأشوى جبتوا واحد"، وفي تتويج آخر كان الفائز فريق الاتحاد بركلات الترجيح على نظيره الهلال، وفي أحد الركلات برع حارس الاتحاد مبروك زايد في التصدي لركلة جزائية مما أدى لفوز فريقه، فقال له الملك عبدالله –رحمه الله- أثناء التتويج "برافو عليك.. غفصتها غفص".

ترجّل أبا متعب من صهوة جواده ورحل بجسده بينما سكنت روحه أفراد شعبه.. رحل وترك أعماله تتحدث عن مسيرة بناء وحب وطن.. رحل وبقيت بسمته في الأذهان وصدى صوته "لا تنسوني من دعائكم" يعم الأرجاء.. وداعاً عبدالله بن عبدالعزيز إلى الملتقى -بإذن الله- في جنّة قطوفها دانية.


الملك عبدالله بن عبدالعزيز في طفولته

امتزجت روح القيادة وخفة الظل في شخصية الملك عبدالله

الملك عبدالله في حديث باسم مع أحد المواطنين

مؤتمر في القمة العربية كان شاهداً على صراحة الملك عبدالله وقوة خطابه