أعتقد أن الاستنتاج الذي توصلت له وكالة الائتمان موديز بأن المملكة ودول مجلس التعاون النفطية لديها المقدرة على امتصاص الصدمة الناتجة عن تراجع أسعار النفط يحتوي على بعض المسكنات رغم صحته. بالفعل فإن المملكة والكويت وقطر والامارات لديها وسائد مالية كافية تمكنها من الاعتماد عليها إذا ما استمر انخفاض سعر برميل النفط العام القادم ووصل متوسط مستواه خلال العام إلى أقل مما تم تحديده في الميزانية. طبعاً موديز التي تقيم القدرات المالية والائتمانية لبلدان العالم يهمها تصنيف المملكة وبقية البلدان الخليجية الغنية بالنفط لتقديمه لأصحاب الأعمال قبل اتخاذ قراراتهم بالتعامل مع بلداننا. ولذلك فهي في هذا المجال على حق بأن تصنيف بلدان مجلس التعاون النفطية لن يتأثر ربما خلال العام القادم 2015 بانخفاض أسعار النفط.

من ناحية أخرى فإن مثل هذه التقارير المفيدة على المستوى القريب هي عديمة الجدوى على المستوى المتوسط والبعيد. بل أنها قد تكون مضرة إذا ما فهمت بشكل خاطئ. فنحن كمواطنين وحكومات يهمنا بالتأكيد الوضع الاقتصادي في بلداننا خلال العام القادم، ولكن الأكثر أهمية هو المستوى المتوسط والبعيد وليس القريب. وعلى هذا الأساس فإن الاعتراض ليس على تقرير موديز التي بحكم تخصصها لا تصدر تصنيفات على المستوى البعيد وإنما على بعض التحليلات التي ركبت الموجة وصارت تعزف على نفس الوتر. فهذه التحليلات التي أعقبت تقرير الوكالة تأخذنا دون شك نحو السكينة والشعور بالاسترخاء. وهذا ليس ما نطمح فيه. فالناس في أمس الحاجة إلى ما يحفزها على النشاط والعمل من أجل تحقيق الأهداف التي تطرحها خطط التنمية والتي على رأسها تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط.

وهذا الأمر يكتسب أهمية فائقة، خصوصاً بعد الأخبار القادمة من ليما عاصمة البيرو والتي تنعقد فيها، بدعم من منظمة الأمم المتحدة، المفاوضات المتعلقة بالتغيرات المناخية. والبيرو مثلما نعلم تقع في نفس القارة التي انطلقت منها جولة الأورغواي التي مهدت الطريق لقيام منظمة التجارة العالمية التي غيرت الكثير من قواعد التجارة والتنمية الصناعة. ففي ليما الأن وعلى مدى أسبوعين وربما أكثر يجري التفاوض حول المناخ والإجراءات التي من شأنها الحفاض على سلامة البيئة. ولذلك فإنها قد تنتهي بوضع قوانين تفرض على بلدان العالم وتجبرهم على تقليص استخدام الوقود الاحفوري-أي النفط والغاز والفحم.

ولكن كما يقول المثل رب ضارة نافعة. فنحن سوف نكون مجبورين، بفعل التحدي الخارجي، على العمل من أجل تسريع أنجاز الأهداف التي وضعتها بلدان المجلس لأنفسها فيما مضى. فليس من المعقول، في ظل تلك التحديات التي نواجهها، أن يبقي هيكلا الناتج المحلي الإجمالي وميزان المدفوعات على ما هما عليه منذ السبعينات دونما تغيير يذكر. أنه يفترض والحالة تلك أن نسرع الخطى نحو الانتقال من اقتصادات وحيدة الجانب إلى اقتصادات متعددة المزايا النسبية. فمفاوضات المناخ بما تشكله من تهديد لاهم مصادر دخلنا قد تكون الشرارة التي سوف تحفزنا على تغيير كامل نظرتنا إلى التنمية وبالتالي هي أفضل من تقرير موديز الذي يبعث في نفوسنا السكينة والاطمئنان.