إبراهيم المطرودي

أستاذ مساعد في كلية اللغة العربية من جامعة الإمام

نازلة العصر

شيخ معروف وداعية مشهور وقاض قديم يلتقطون الصور، ويبعثون بالمقاطع، ويمضون في حياتهم كأن لم يأتوا منكرا، ولم يقعوا في محظور. تلك صورة تبعث على التفكير في التفاوت الكبير بين ما يقوله النص ويُحكى عن العلماء فيه وبين ما يسير عليه الشيخ والداعية والقاضي في حياتهم؛ هناك صدام وفير بين ما يقوم به الموجّه، وهو هنا ع...

القمة وفرز الشعوب

كانت أميركا، وهي الآن دولة الحرية والحقوق، قبل سبعة عقود بلدا يُضطهد فيه اليهود، وتُسنّ لهم فيه القوانين المستقلة، والأنظمة المختلفة، وهم إذ ذاك مواطنون أميركيون، لا يختلفون عن أهل تلك البلاد إلا بانتمائهم الديني، واختيارهم العقدي. ولم تمض بأميركا الأيام حتى أصبح اليهود مساوين لغيرهم في الحقوق والواجبات، و...

تأريخ أفكارنا

لكل شيء تأريخ، من خلاله تُدرس مراحله، وتُعرف تغيراته، وبه تتكشف للناس أطواره وتنقلاته. وتأريخ كل شيء هو أصدق الدالين عليه، والمتحدثين عنه، ومَنْ لم يُعنَ بتأريخ ما يهمّه وتهفو نفسه إلى معرفته، وتدور معظم أحداث حياته عليه؛ فقد فرّط عظيم التفريط، وأهمل كثير الإهمال، وترك أمراً ما كان له أن يدعه، ويغفل عنه؛ إ...

جامعاتنا والشراكة الفكرية

>حاجتنا للغرب واحتياجنا إليهم مظاهره في كل شيء بادية، وأماراته عن كل شيء صادرة، وما جرت عليه دولتنا منذ عقود، واتخذته منذ عشرات السنين، يكشف عن ذلك ويدل عليه؛ فقد ابتعثت الطلاب والطالبات، وأقامت الشراكات، وجلبت الخبرات.. ما أكثر الأعلام الغربيين الذين يردون على ألسنتنا، ونستند إليهم في علومهم، ويرجع بعض...

التعليم وحرية التعبير

>لو رُبّي المواطن في صغره، في أسرته ومدرسته، على حرية التعبير، وحق الآخرين فيه، ومُنع من التطاول عليهم، والسخرية بهم؛ لحللنا بحول الله كثيرا من تحدياتنا التي تواجه مجتمعنا، وتجعله عرضة لاستغلال الأعداء، وسعيهم بالوقيعة بيننا.. ربما لا يتعلّم المواطن حرية التعبير في أسرته، ولا يجدها في بيئته التعليمية ال...

الاندماج وحرية التعبير

>العلم وأهله هم الذين صنعوا فكرة الاندماج، واضطرونا إليها، ودفعوا بنا إلى قبولها والاستحسان لها، وهم الذين كشفوا لنا عن حاجتنا إليهم وإلى ما بين أيديهم، ومعظم ما أراه في عالمنا هذه الأيام من اندماجات ولقاءات يعود الفضل فيه إليهم، ويرجع إليهم السبق فيها.. المجتمعات اليوم مندمجة سياسيا وثقافيا واجتماعيا و...

لغة أبينا آدم

>من الأشياء التي لاحظتها، ووقفت عليها؛ أن كثيرين جداً ممن تدخل معهم في نقاش، لا يُكلّفون أنفسهم النظر في حجتهم، والتأمل لها، وإنما يدفعهم حبّ الغلبة، والشوق إلى فَلَجِ المحاور، إلى إيراد الدليل وإقحام البيّنة دون أن يُعطوا أنفسهم فرصة في قراءتها، ووقتاً كافياً لتقليبها وفهم مراميها.. قال ضَبّة بن أُدّ: ...

تأريخ اللغة وحرية التعبير

>حرية التعبير، كما ظهرت في حال البشر مع لغاتهم، قَدَر كتبه الله تعالى على الإنسان، وأراد له أن يعيشه، ويتحمّل أعباءه، ولولا حرية التعبير التي منحها الله الإنسان ما وُجدت اللغات، ولا ظهر هذا التنوع اللغوي المدهش الذي نعجب منه، ونحار في تفسيره.. في اللغة شيء من صفات الإنسان وخِلاله؛ فالمنتَج على قدْر المن...

نُغيّر ونأبى التغيّر

>هل من العدل في معاملة الناس أن تسمح لنفسك بتغيير أديانهم وتحوير مذاهبهم، وتذهب بك حرية التعبير إلى أن تُعلن ذلك، وتدعو إليه، وتحض غيرك عليه، ثم يجدك هؤلاء الناس ترفض الاختلاف في بيئتك، وتتهم الداعي إليه مرة بالفساد والنفاق، وتارة بالبدعة والعمالة؟ في جمهورية أفلاطون يرد على لسان سقراط أحياناً كثيرة جمل...

التطرف وحرية التعبير

>دون حرية التعبير لا يستطيع المجتمع أن يُداوي نفسه، ويُبرئ أهله، ويتعقب ما فيهما من تطرف شخصي واجتماعي وثقافي، وستبقى العيوب، عيوب الإنسان والمجتمع والثقافة، في منأى بعيد عن المعالجة والمداوة.. ما الأثر الذي يُحدثه تداول مجموعة من المعارف (دينية أو اجتماعية أو فكرية) في الناس، تجري بينهم وتسري في عقولهم؟ ...

أهداف الرابطة ومقاصد التعليم

>حرية الإنسان، ومنها حريته في التعبير، قضية محورية، وبنية عميقة، تنتهي بها كثير من القضايا، وتؤول إليها، ونجد أنفسنا دوما مع مَنْ يختلف عنا نصطدم بها، ونعود إليها.. الدول تُقاس بمواطنيها، والمجتمعات تُعرف بالمنتمي إليها، والإنسان يُخبر عن وطنه كما يُخبر عن نفسه، ولعله في هذه الأعصار ألصق بدولته منه بأسرته...

نصيحة أرسطو في إصلاح التعليم

>يحذر كثير من الناس المساس بالغايات، ويخافون الخوض فيها؛ لأنها عند الكثيرين أمور مسلمات، وقضايا من البدهيات، ومَنْ يخطر في باله مراجعتها، ويقوى عنده الشك فيها، ويظن بها الظنون؛ فعليه أن يُواجه سيلاً من الهجوم، ويترقّب جمعاً غفيراً من ردود الأفعال.. وزارة التعليم عليها عبء عظيم، ومسؤولية كبرى، فهي تنهض بثل...

التعليم والمجتمع الدولي

>المناهج والمقررات يقودها أمران؛ علاقة الدولة بالدول، وعلاقة الدولة بشعبها، وكلتا العلاقتين هدفها السعادة، سعادة الدولة وسعادة الإنسان المواطن ختمت مقالتي السابقة (مشكلة التعليم وهدفه) بأقوال لثلاثة من الفلاسفة، وكان ثانيها قول الأستاذ أرسطو الذي يذهب فيه إلى أن مهمة الدول هي التعاون في الوصول إلى الفضيلة...

مشكلة التعليم وهدفه

>ما دام الخلاف ينتهي بهدف التعليم ويعود إليه؛ فلعل الهدف الذي تدعو إليه الحياة اليوم، وتندبنا نحوه، هو تربية مواطن عالمي وتعليمه، مواطن همه مشاركة العالمين في صناعة الحياة وتقدمها.. هل للتعليم في بلادنا مشكلات؟ لو طُرح هذا السؤال على طائفة من المواطنين لربما كانت إجاباتهم صنفين؛ الأول يرى أن في التعليم ...

لِمَ الشك..؟

>الشك العلمي محله الجامعات وبحوثها، ومراكز الدراسات وجهودها، ومتى خسر العقل والتفكير الجامعات والمراكز، وصارت جهودها في دعم المألوف والمستقر؛ فمن ذا يُعينه على يقظته، ويُحرّره من إلفه وعادته؟ في الجامعات العربية ومراكز الدراسة الإسلامية يحسن أن يقوم البحث العلمي باختبار الأقوال المنقولة، والآراء المروية، ...

الإعجاز البياني والأمة اللغوية

>لقد ظُلم القرآن الكريم عندي حين فُسّر إعجازه للعرب، وتحديه لهم، بالإعجاز البياني، وظُلم العرب حين جُعلت اللغة وفنونها أعظم خصالهم وأبرز اهتماماتهم وأزهى إنجازاتهم.. مشكلة الإنسان دوما في أفكاره، ومن ظواهر ذلك أننا نسعى جاهدين، مهما كانت أفكارنا، أن نُطوّع الواقع، واقع الإنسان والأسرة والمجتمع، ونبذل جه...

الإعجاز البياني وموقف الصحابة

>لم تُطرح قضية القراءات القرآنية الشاذة في كتب البلاغيين، ومنهم الباقلاني في "إعجاز القرآن" والجرجاني في "دلائل الإعجاز"، ولم يبحث هذان الشيخان فيها وفي أثر الروايات عن الصحابة والتابعين على فكرة الإعجاز البياني التي تبنّياها، وسعيا جاهدين إلى نشرها والدفاع عنها.. جاء تحدي العرب في القرآن الكريم في سور عد...

آيات الإعجاز ودلالتها

قادني إلى الإعجاز القرآني، ودفعني إلى الحديث عنه؛ أمور يحسن بي أن أضعها بين أيدي القراء الكرام قبل المرور بالآيات الكريمات التي ورد فيها الحديث عن التحدي؛ أولها أنني رأيت البلاغيين، ومنهم الشيخ الجرجاني، يُقارنون بين القرآن الكريم وبين معجزتي موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام، والجامع بين هذه المعجزات عندهم...

العرب والإعجاز القرآني

>مَنْ يُفكّر في الإعجاز القرآني، ويخطر له فيه رأي؛ لن يسلم له نظره، ويصلب له رأيه، دون أن يعود إلى قراءة تلك الروايات التي جمعتها كتب أهل الأدب عن العرب في نقدها للأشعار، وحكمها عليها.. العودة للبدايات ضرورة، والرجوع إلى الماضي حتم، فكل ما نملكه من أفكار، أو معظمها، راجع إليه، ومُسْتقى منه، ومبني على تصور...

الذاكرة المسلمة..! (2/2)

>العلاقة الإشكالية بين الأفكار والذاكرة تفتح لنا، ونحن نعيش هذا العصر الإشكالي في علاقتنا بأنفسنا وعلاقتنا بالعالمين من حولنا، باباً إلى تغيير ما نحن عليه، وتُظهر لنا أن تغيير ما نحن فيه لا سبيل إليه إلا أن نُغيّر من أفكارنا، ويكون شعارنا في هذه الحقبة: غيّرْ أفكارك؛ إن أحببتَ تغيير ذاكرتك، أو طمعت في تجدي...

الذاكرة المسلمة! (1-2)

>مقاصد الأمم في الحياة تُباين مقاصد أفرادها، وأهدافها فيها تختلف عن أهدافهم، ومقتضى ذلك أن يكون لها ذاكرة مستقلة وخطاب مختلف، تُعالج بهما ما يُعانيه الفرد، ويعيش في أُتونه، وتسعى جهدها أن ينزع تلك الذاكرة المخرومة الظالمة، ويضع مكانها غيرها، تعدل في الناس، وتعرف خيرهم، وتحتفظ بمزاياهم.. الفخر بالماضي والت...

انتشار الإسلام أم انتشار المذاهب؟

الإنسان المشغول بالماضي أمجاده وبطولاته مهموم بالماضي في إشكالاته ومشكلاته؛ فالماضي لا يأسر العقل بتذكار ما كان من أمجاد، وإحصاء ما كان من بطولات، ويقف بنا عند هذا الحد، بل يصطحب معه ما حدث فيه من مشكلات، وما نتأ فيه من إحراجات، ويُرغم الإنسان على الانشغال بها، وإن كان بعيدا عنها، وزمانه لا يحتملها، فليس ا...

الدعاء والتدخل الخارجي

>من ينظر لعصور السلف الأولين، الخلفاء والأمويين والعباسيين، يجد أن الناس في الدولة كانت لهم مذاهب مختلفة، ومشارب متباينة، ولم تُفكّر الدولة أن تمنع اختلافهم، وتُحدّ من نظرهم وآفاقهم فيه.. لا يكمل الحديث في ظني عن الدعاء على الآخرين ما لم يتناول الكاتب فيه خطب الرسول صلى عليه وسلم، وما لم ينظر في سيرته مع...

لو كنّا مع النبي..!

> لم يدع على قريش بالذل والهلاك وانقطاع النسل وجمود الدماء في العروق؛ فالحياة في نظره صراع بين الحق والباطل مستمر، ولو أُبيد الباطل وأهله في مرحلة فسيظهرون تارة أخرى، فغاية الحق وأهله أن يُنصروا وتكونوا لهم الغلبة في مرحلة تأريخية عابرة، تُصبح شاهداً على مَنْ بعدهم وهدى لأجيالهم.. في سيرة النبي عليه الصل...

اللهم اغفر لقومي

يختلف المسلمون كثيرا في فهم النصوص الفردية، يُشرّقون فيها ويُغرّبون، يذهبون في فهمها طرائق قددا، وينتهون في دلالتها إلى مذاهب شتى، ومن هنا خرجت لنا المذاهب، وتكاثرت في تأريخ الإسلام الأفهام والنحل، وللقارئ الكريم أن يُطالع قضية من قضايا العقيدة، أو مسألة من مسائل الفقه، ويرى مقدار خلاف الناس فيها، وكثرة نز...

لماذا يُدعى عليهم؟

الانفتاح على الأفراد والمجتمعات والدول يقود الإنسان إلى مراجعة ما كان عليه في عهد الانغلاق وزمن الانكفاء على الذات؛ فكثير من التصورات حول البشر قائمة على المخاوف والأوهام، وحالما يُفتح للإنسان سبيل معرفة الآخرين الذين يُشاركونه سكنى هذا العالم حتى تطير مخاوفه منهم، وتتوارى أوهامه عنهم، ويرى الناس من حوله ك...

الإسلام والعرب

ما قدّمه ابن خلدون للعرب من وصف وعلاج، وداء ودواء، يبعث اليأس في النفوس، ويُحرّك مياهه فيها، فداؤنا عنده قارّ ثابت، ودواؤنا عارض طارئ، داؤنا أننا أمة بدوية وحشية، بها ميل جبلي إلى الفرقة والاختلاف، والنزاع والتنازع، ودواؤنا آتٍ من الدين الذي طهّر أنفسنا، وجمع كلمتنا، وانتزع أسباب فرقتنا، فصرنا به أمة، تسوس...

مَن العرب عند ابن خلدون؟

>ابن خلدون جعل العرب حبيسين في سجنين؛ الأول سجن العرق والجنس، الذي لا أمل فيه، ولا بارقة أمل معه، والثاني سجن المذاهب والنحل، الذي جعلهم أمماً مختلفة الآراء، وشعوباً متباعدة الظنون.. الصورة التي رسمها ابن خلدون للعرب في مقدمته قاتمة، ومن قتامتها أنها تُظهر العرب عرقا غير قابل للإصلاح، ولا مستعد له؛ فطبي...

لماذا ابن خلدون؟

لو انتقدتَ ما شئتَ من فلاسفة العصر وحكمائه، وعدوتَ على أهل العقول في ماضي الزمان وقديمه، وتناولت بالسخرية حكماء المشارق والمغارب؛ لرأيتَ الجمهور يهشون إليك، ويبشون من حديثك، وتأخذهم سَوْرة الفرح (شِدته) أن رأوك تدحض أقوالهم، وتدفع آراءهم، وتغلبهم في علومهم وأنت البعيد عنها، والخاوي إلا قليلاً منها، يُقبلون...

بين ابن خلدون وهيجل

حديث هيجل عنا كحديثنا عن غيرنا، هو وجهة نظر، يُبديها المرء حسب ما لديه، ويقولها وفق ما عنده، وينتزعها من عصره الذي عاش فيه، وتكوّن من أزواده، فهو يعزو الرأي إلى ما حصّله، وينسبه إلى ما يعرفه، ويعود به إلى أفق المعرفة الإنسانية في زمنه، فالإنسان يُحتجز، مهما بلغ ذكاؤه، في أمرين؛ أولهما طاقاته وقدراته وآماله...