عبدالله الناصر


ثقوب الذاكرة

جلس على زلفة باب بيتهم القديم وأخذ يتذكر: كم من الناس مروا من هنا، كم من الذكريات عبرت من هنا؟ ماذا لو تحدثت هذه الجدران، لو تحدثت هذه الأبواب والنوافذ القديمة لو تحدث تراب الأرض.. وهذه الرياح العابرة كم أثارت من الغبار الخفيف، وهذا الممر الضيق كم تزاحمت الحيوانات به وكم تزاحم الناس، كم تزاحم الرجال في طري...

كان يصغي إلى الموج

قال: كنا نسير ليلاً على الشاطئ، كانت أضواء المدينة تصل إلينا واهية ضعيفة، وكان البحر شبه صامت ما عدا وشوشات ضعيفة تجدفها الأمواج ضعيفة كأنه يتحدث مع نفسه بشيء عن واقعه الوظيفي كأنه يتوجس من معاملة رئيسه، الذي لا يرضيه شيء ولا ينفع معه شيء.. هذا الرئيس الغامض الذي تختبئ وراء نظراته أشياء تجعله هو بعيدا عن ا...

مغناطيس القلوب

رحم الله الشيخ علي الطنطاوي رحمة واسعة، فقد كنا نتحلق حول التلفاز لسماع حديثه، لم يكن حديث الشيخ وما يطرحه أو يناقشه شيئاً غريباً علينا، فربما كنا سمعنا مثله أو ما يشبهه، ولكن الرائع والجميل الذي يشدنا إلى الشيخ كان أسلوبه وصدقه، فلقد كانت نبرات صوته تذهب إلى القلب في متعة لا يعادلها أي متعة، وفي طراوة وعذ...

من شيم النفوس

أمر الظلم قديم قدم البشرية، والظلم عادة يقع من البشر على البشر فالحيوانات والوحوش لا يقع منها ظلم منظم وإنما ظلمها يقع عند جوعها أو الاعتداء عليها، غير أن ظلم الإنسان شيء آخر، فهو يقع من الإنسان على أخيه الإنسان وبشكل متعمد ومدروس ومخطط له؛ لذا فالظلم طبعٌ أصيل في الإنسان والمتنبي قد أوضح ذلك أشد إيضاح عند...

ثبات المعرفة

يتعلم الإنسان لحظة بلحظة طوال حياته، ومصادر المعرفة مختلفة ومتعددة، ولكن أكثرها تمكناً ما يتعلمه المرء في المدرسة، فالمعلومة تنطبع بشكل راسخ ومكين، ولذا فهي تأخذ صفة الثبات وعدم التغيير.. فتلك المرحلة حاسمة وخطيرة في مسار المعرفة الذهنية، وكم تعلمنا أشياء ظلت ولا تزال راسخة في أذهاننا من تلك الأزمان بصرف ا...

عُــد

يقول عمر أبو ريشة: خصاصةُ العيشِ ما مدّت لنا يَدها إلاّ وأقدامنا من سعينا حُمُر      بهذا البيت أبدأ حديثي عن أحد المبدعين، الذين لم تأخذهم خصاصة العيش، وإنما تخمته التزود.. فطوى جناحه عن التحليق في دنيا الأدب والشعر ورضي أن يمشي مشي التجار، وأصحاب رؤوس الأموال..  أنه شاعر مبدع، ولد وعلى لسانه...

الديك

اشترى أحد أفراد (الشلة) ديكاً للعشاء عليه.. ذهبوا إلى مخيمهم، وأنزلوا الديك ووضعوه بينهم قال أحدهم يبدو أن هذا الديك سلالة ديك رومي، وقال آخر بل هو ديك حبشي فعقّب الثالث: بل هو ديك عادي من ديكتنا، ولكن ربما أن صاحبه كان يغذيه بما لذ وطاب من حبوب وثمار فكبر وبرزت أكتافه وانتفش ريشه.. وبدأ الجدل حول الديك ...

الدنيا بخير

لن أتحدث عن الحدود الجغرافية، ولا الحدود الشرعية وإنما على الحدود الشخصية.. فلكل منا حدوده الشخصية في التعامل مع الآخرين، قد تتسع هذه الحدود، وقد تضيق وفقاً لعلاقتك مع هذا الشخص، فعلاقتك مع مديرك مثلا تختلف مع زميلك في العمل وعلاقتك بأصدقائك وأقاربك تختلف من شخص لآخر.. من المؤكد أنه في الصداقة المتينة ...

الخيبة

في أيام الصبا كنا نخيم في البر، أصدقاء وأقارب.. كنا نلعب الكرة ونغني السامري ونقنص الأرانب ليلاً.. وذات ليلة قال لنا أحد أصدقائنا وهو قادم: إنه رأى أرنباً وهو في طريقه إلينا.. تقافزنا وقلنا: الليلة عشاؤنا أرانب.. ذهبنا إلى الموقع وقد ركب الصديق معنا وبعد فترة من السير قال: هنا رأيتها والعلامة هذه الشجرة!! ...

قباحة الروح

قال: نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ونستعيذه من بعض المخلوقات البشرية.. مثل ذلك القميء صاحب الوجه المليء بالسماجة والغثاثة والترهل الطيني.. فأنت حين تراه، تدرك أن الله جعل من بعض الوجوه أذية تشبه المرض والعقاب، فتصاب أنت بالهم والاكتئاب والغم.. إذ نظرت إلى وجهه، فكأنك ترى بعض الوجوه الباسرة عندما...

لا تقتلوا الذئب

كم حزنت عندما رأيت ذئباً مقتولاً ومعلقاً بغصن شجرة.. اقتربت منه وتفحصته: نظرت إلى عينيه شبه المغمضتين وإلى أذنيه الحادتين كنصلي رمح، وإلى مخالبه المعقوفة كرأسي خنجرين ملويين، وقلت في نفسي لماذا نقتل هذا الكائن النادر؟ هذا الكائن الشجاع النبيل، هذا الكائن المرافق والمشابه لابن هذه الجزيرة في صبره، وجلادته و...

الحرمان

لن أتكلم عن الحرمان بمفهومه التقليدي كالحرمان من المال أو الحرمان من الرعاية، أو من عطف الوالدين لموتهما مثلاً.. وإنما سوف أتحدث عن الحرمان المعرفي، سأتحدث عن الحرمان من القراءة.. فالقراءة هي من أعظم منن الله ومتع الدنيا إن لم تكن أمتعها على الإطلاق.. القراءة هي السياحة في كون الله الواسع، هي السياحة في ا...

الصراع الأزلي

الصراع بين البشر أمر وجودي، أي منذ وجودهم وبداية خلقهم، فالصراع بين قابيل وهابيل كان النموذج للصراع الإنساني الأول.. فالشر والخير نزعتان موجودتان في كل نفس بشرية، فنحن نرى الدماء تسفك والأرواح تزهق.. غير أن أحد الأمرين: الخير، والشر، قد يتفوق أحدهما على الآخر بسبب عوامل كثيرة منها الدين، والقيم، ونوع الثق...

رجال أهملهم التاريخ

ما أكثر الذین أغفلهم التاریخ مع أنهم غیروا مجراه، وما أكثر الذین ذكرهم التاریخ مع أنهم لم یقدموا الكثیر الذي یستحقون عليه الخلود التاریخي.. فهذا مثلاً زید بن الخطاب وهو أخو عمر أكبر منه سناً وسبقه بالإسلام، وقف في معركة الیمامة بعد أن كاد ینهزم المسلمون وحفر حفرة بنفسه ودفن رجلیه وثبت یجالد بسیفه وكان یناد...

عمقنا الثقافي ودور الكاتب «2»

لست من دعاة الوقوف على الماضي والبكاء على أطلاله، ولست ممن يؤمنون بالدوران والطوفان على أضرحة الشعراء الأقدمين كأولياء للإبداع، يطلب منهم العون والمساعدة.. كلا، هذا أمر مستحيل.. ولكنني أؤمن بأن التجربة الإنسانية واحدة أو تكاد تكون كذلك، ومن ثم فإن الماضي إذا امتزج بالحاضر بكل ما فيه من تجارب خلاقة، فإنه يص...

عمقنا الثقافي ودور الكاتب

ثقافة الأمة "أي أمة" هي المعيار الحقيقي لما وصلت إليه من نبوغ فكري وإبداعي، فأنت تحكم على الأمة الراقية والعظيمة من خلال إبداعها، فإذا كان إبداعاً راقياً رفيعاً فهو يدل على نبوغ الأمة ورقيها، وإذا كان ضعيفاً هزيلاً فهو يدل على ضعفها وهزالها، بل جهلها وانحطاطها. وعبر العصور يظل الإبداع الرفيع هو الذي يبقى...

حكاية المُرَقّش

المرقش الأكبر واسمه عمرو بن عوف، هو أحد عشاق العرب وشعرائها وصاحب القصيدة المشهورة التي مطلعها: سَرى لَيْلاً خَيالٌ مِنْ سُلَيْمى فأَرَّقَني وأصْحابي هُجُودُ أحب ابنة عمه سلمى حيث تربيا سوية فلما كبرت عُزلت عنه، فخطبها من عمه فاشترطت عليه أمها مئة من الإبل، فذهب إلى أحد الملوك ومدحه بقصائد كثيرة فأعطاه ...

حكاية «تشو» والشبان

تجمع الشبان في استراحة صديقهم "ص" لمشاهده المباراة المهمة، وقبل ساعة أرادوا أن يطمئنوا على عمل التلفزيون في نقل المباراة، وحينما قاموا بالبحث عن القناة التي ستنقلها لم يجدوها، جُن جنونهم وصاحوا بصاحبهم: كيف تدعونا وأنت لم تتأكد من سلامة تلفزيونك ومحطاته؟ ضجوا وأكثروا اللوم عليه، فقال: الأمر سهل، نتصل على ع...

جراد ومطر

يحكى - فيما مضى - أن فلاحاً قام بزراعة أرض واسعة، حيث استدان فحفر بها بئراً وركب آلة السانية، ثم حرثها وبذرها، وأخذ يتعهدها بالسقاية والرعاية، حتى نبت زرعها، وصار منظره مبهجاً، وذات يوم مر سرب جراد عظيم فبات فيها، فلما أصبح الفلاح ساء صباحه حين رأى مزرعته قاعاً صفصفاً، بيضاء مغبّرة، ليس بها إلا مخلفات الجر...

البلــوى

حكى عليٌ بن معتلي العلياني قائلاً: ليس شرطاً أنك تختار الصداقة، أو الأصدقاء.. أبداً ليس شرطاً.. فهناك أصدقاء تخلقهم الزمالة في الدراسة أو العمل.. وهناك أصدقاء تخلقهم الصدفة، وهذا الرجل الذي سأتحدث عنه وأسميه صديقاً إنما هو من صناعة الصدفة..! إذ كنت يوماً في زيارةِ أحد الأقارب فوجدته هناك، فأخذ يتحدث إلي بإ...

كلٌ على قدر أمنيته

لحَى الله ذي الدّنْیا مُناخاً لراكبٍ ** فكُلُّ بَعیدِ الهم فيها مُعَذَّبُ إنها الدنیا الشاقة والمتعبة، وبالذات لأصحاب الأماني الكبار، والهمم العالیة، فالدنیا لا تسعفهم، ولا تساعدهم دائماً في تحقیق أمانيهم ورغباتهم، لأن وراء تحقیق تلك الأماني والرغبات عقبات كَأْداء وعوائق شائكة، وظروفاً غیر مساعفة، وربما ...

هكذا نأكل السموم

لا شك أن الدولة حريصة كل الحرص على سلامة وصحة أبنائها ومواطنيها، بل إنها تعمل على وقايتهم من الأمراض، فتقوم بتلقيح أجسادهم وتحصينهم من الأوبئة المعدية، وهذا هو حال الأمم التي تريد أن تصنع جيلاً فتياً قوياً سليم الذهن والجسد، يكون قادراً على خدمة وطنه والارتقاء به.. بيد أن هناك بكل أسف من يتهاون بصحة أبناء...

في طرفة عين

كنا مجموعة من الأصدقاء نتحدث في شؤون الحياة والثقافة والإيمان فقال أحدهم عن شخص: إنه لن يؤمن إلا إذا آمن الحمار!! فقلت له هذا لا يجوز فكثير من الملاحدة تحولوا إلى الإيمان في طرفة عين.. بسبب موقف أو هداية مفاجئة، وأوردت له قصة سبق لي أن ذكرتها هنا، حيث أشرت إلى أن صديقاً أثق فيه قال لي: كنا مجموعة أصدقاء من...

في انتظار الضربة..!

من الجهالة والسذاجة بل من الحماقة أن تُعتبر إيران عدواً للغرب .. وأنه سوف ينزل بها شديد عقابه وعذابه، فيشن عليها حرباً تدكها وتدمرها...؟! هذا جهلٌ عظيم، فالغرب بكل بساطة لا يريد للمنطقة أن تعيش في أمن وسلام واستقرار.. لا يريد لها أن تبني نفسها، فتصنع وتبدع وتتفوق مثل بقية الأمم المتحضرة، لا يرغب أن تصدر ...

شموخ وطن

الوطن منجم من رجال، ونساء يتطاولون شموخاً كهامات نخله الكريم، كجباله الباذخة الشماء.. تتماسك فيه الأيدي والأفئدة سلسلة من ألفة ومحبة.. طين الوطن هو عجينة التكوين الأولى لإنسانه. رائحة الوطن هي عطره الوجودي، كما رائحة النفل والشيح والخزامى في براريه.. الوطن هو أغاني الفلاحين والرعاة، هو مواويل السمّار، ه...

نتف اللحية

تقول بعض الروايات إن رجلاً عالماً سار في طريقه إلى الحج فمر بقرية ودخل للصلاة بمسجدها، فلما صلى خلف الإمام استغرب من سوء قراءته وجهله بالقرآن، وقال يا أهل القرية ابحثوا لكم عن إمام غير هذا، فهو جاهل والصلاة خلفه باطلة!. فلما سمعه الإمام صاح به وقال: أنت الجاهل ابن الجاهل وكادا أن يتعاركا؛ وقد تجمع الناس حو...

نموذجان للشعر الوطني

من غير المجادل فيه أن الشاعر نزار قباني كان صاحب فتح كبير في تطويع لغة القصيدة ورقتها وسلاستها، حيث عمل على صفائها وتنقيتها من كل الشوائب والأغبرة والعوالق الخشنة.. فأصبحت لغة مائية ناصعة سهلة حتى صار يفهمها ابن المدرسة ورجل الشارع، إذ إنه حول القصيدة كما يقول «إلى خبز يومي يأكله كل الناس»، والواقع أنك حين...

النَهَّاقْ

دَحيّم له قدره على أن ينبح كالكلب، وينهق كالحمار، ويهدر كالبعير ويؤذن كأذان الديك.. ويستطيع أن يقلد أصوات البشر، ويمشي كمشي البهائم، وكان يقول عنه أستاذه بالمدرسة: إن هذا موهبة تمشي على الأرض، وتنام على الفراش، وتقفز نحو السماء، ولكن أحداً لم يكتشفها ويعتني بها..! وذات ليلة أخذ يعوي عواء الذئب، فهرع أهل ال...

عتيق الذيب

كان الحجاج في العهد العثماني يتعرضون للنهب والسلب والقتل من اللصوص، وقطاع الطرق، حتى أصبح الحج غير آمن، بل صار نوعاً من المغامرة، إلى درجة أن الشاعر أحمد شوقي وجّه قصيدة يلوم فيها الخليفة العثماني على تخاذله في أمن الحجاج، فقال قصيدته المشهورة والتي مطلعها: ضَجَّ الحِجازُ وَضَجَّ البَيتُ وَالحَرَمُ وَاِس...

إنه المشهد الإنساني العظيم

أقول بكل ثقة وإيمان لا تنالهما زعزعة: إنني أتحدى كل عاقل وحكيم، بل كل مشكك أو ملحد، أتحدى ألا يمتلئ قلبه ذهولاً بل رهبة وخشعة أمام مشهد الحج العظيم، هذا المشهد الفريد وأقول «فريد»؛ لأنه فعلاً شيء متفردٌ لا مثيل له في كوننا، لا أحد يستطيع أن يعمل عملاً يشابهه حتى ولو حوّل الكرة الأرضية إلى كرةٍ من ذهب وأنفق...