عبدالله الناصر


ضياع الليل

يقول امرؤ القيس: وليل كموج البحر أرخى سدولهُ  ويقول أبو فراس: إذا الليلُ أضواني بسطتُ يدَ الهوى ويقول آخر: يا ليل الصبُ متى غدهُ..؟ كان الليل يطبق بظلامه على الكائنات فينتشر الهدوء مع انتشاره وحلوله، وحينما تشرق الشمس يصحو الكون وتدب الحياة فيستيقظ النشاط في الكائنات فكلٌ يسعى في طريقه وإلى وجهته. ...

أوبــة القصيدة

مرت مرحلة من عمر القصيدة بظروفٍ قاسية وصعبة، ألا وهي الدعوة إلى وأد القصيدة الطبيعية ودفنها بطين وتراب الحداثة.. الحداثة بمفهومها الفلسفي وليس بمعنى التحديث أو التجديد. فقد كانت كلمة الحداثة معلقة على أبواب المنتديات وصوالين الشعر ومن خرج عن مفهومها ومألوفها فهو متأخرٌ ومتخلف بل ومنحط كما يردد بعض دعاته...

مصائب لبنان

ذلكم البلد الرائع الجميل (لبنان) لم يترك الأشرار شيئاً من جماله وإنما حاولوا ويحاولون دائماً خمش وجهه بأظافرهم الحادة المسمومة... لبنان الذي كان وجهة السياح والمصطافين العرب أصبح اليوم وكراً للصوص والمجرمين وقطاع الطرق.. لبنان الذي كان يمثل التمازج الفكري والمذهبي والاندماج الوطني بكل سلاسة في مسألة التآلف...

من المضحكات

قد تختلف بعض المصطلحات من بلدٍ الى آخر بل، ربما اختلفت معاني الألفاظ أيضاً، وذلك حسب استخدام البلد أو الفئة وربما وقع بعض الناس في مثل هذا الإشكال أحياناً، وذلك بسبب اختلاف الثقافات واستعمال بعض الكلمات أو المصطلحات. أذكر مرة عندما كنت أعمل في بريطانيا أنه زارني أحد الأقارب للسياحة والاستطباب وقال لي: ابح...

نجــمٌ هـوى

فقدت الصحافة أحد نجومها المضيئين فقد هوى خلف أفقه البعيد.. تماماً كما يهوي النجم الدري في ليلةٍ شتائية. ذلكم هو الفقيد الأستاذ فهد العبدالكريم، والأستاذ فهد بنى نفسه بنفسه ولم يأتِ من خلال علاقة أحد، وإنما جاء من عالم ذاته واستطاع أن يشق طريقه ثم يلمع بجدارته وقدرته كمبدعٍ موهوب. وعلاوةً على موهبته الصح...

يا واسع المغفرة

ما أقسى لحظات الفجيعة وعنفها على القلب، ما أقسى فراق الأهل والأحبة، فللفجيعة لظى أشد من حرقة النار، وطعم أشد مرارة من العلقم.. وقد تأتي لحظات لا يستطيع معها المرء أن يجد متنفساً من حرها ولوعتها، حتى الدموع أحياناً تستعصي وتصعب على المفجوع وهذا داء عظيم كما قال الشاعر: فزعت إلى الدموع فلم تجبني وفقد الدمو...

إلى إشعار آخر

الإنسان الذي صعد الفضاء وذهب إلى أعماق الأرض، الإنسان الذي بنى ناطحات السحاب وسير السفن العملاقة تجوب البحار والمحيطات، الإنسان الذي صنع الحاسب الآلي والهاتف الجوال وأبدع في إنتاج ما كان مستحيلاً في العصور السابقة، هذا الإنسان بكل جبروته وعنفه وعنفوانه يقف ضعيفاً مستكيناً خائفاً يترقب بسبب كائنٍ ضعيف لا يس...

الرحلة العجيبة

تلك كانت رحلة من جنيف إلى لندن بالطائرة فعندما دخلنا في الأجواء البريطانية تغيرت حركة الطائرة من الهدوء إلى الاضطراب والاهتزاز، ومن السكينة والسكوت إلى الحركة والهرج ثم الصراخ... فمنذ دخولنا تلك الأجواء طُلب إلينا شد الأحزمة، والالتزام بالجلوس في المقاعد، وهذا شيء يشبه "الروتين" مع من تعود على تلك الرحلات....

يا الله

ضج العالم وصاح وناح بل ضجت البشرية جمعاء ولا يزال ضجيجها ونواحها يعلوان ويرتفعان بسبب وباء الـ"كورونا"، هذا الفيروس الذي لا يرى بالعين المجردة..! فيضحك المرء من هذه الحالة ويقول: أين قوة الإنسان؟ أين صلفه وغروره.. أين القنابل الذرية والنووية والصواريخ العابرة للقارات؟ أين ترسانات الأسلحة وخزائنها في واشنطن...

ربيع الذعر

كورونا هذا الفيروس الذي لا يُرى إلا بالمجهر خوف الإنسان وروعه وأقض مضجعه وأربك حياته اليومية في كثيرٍ من البلدان، فقد أعلنت دولٌ كبرى عظيمة عن حالة الاستنفار في محاولة لمواجهته ومنعه من الانتشار.. دول جبارة وعملاقة أصابها الذعر واستبد بها الخوف وأخذها القلق كل مأخذ.. والمرء يقف متعجباً وربما مذهولاً، إذ ...

ثقافة البهلوانية

لكل شيء حدوده ولكل حمى محارمه ولكل مهنة أصحابها، فالحداد لا بد أن يعرف حدود مهنته، والبناء والسباك وكل عملٍ لا بد أن يكون له من يؤديه بكفاءة ومعرفة ومهنية ومقدرة. هذا هو منطق الأشياء.. ولكن أن يمارس السباك الجزارة وأن يمارس الصيدلاني أعمال الميكانيكي فهذا شيءٌ مخلٌ بقانون المهنة ومنطقها. ولكن يبدو أنه في ...

نفوس ونفوس

هناك أناس حساسون شفافون قلوبهم كالزجاج القابل للكسر والعطب، وهناك أناسٌ غلاظ الأنفس جامدو المشاعر كالصخور أو أشد قسوة. والكون يكتمل بكل أولئك فأصحاب القلوب الحساسة النقية هم مشاعل الكون ونهاراته، وأصحاب القلوب الجامدة هم ظلام الكون وسواده، وكما أن النهار تظهر فيه الكائنات الواضحة لتعمل وتؤدي دورها الوجودي ...

عقرب الساعة

دخلا الجامعة سوياً وتخرجا سوياً وعينا في إدارة واحدة ولكن زميله كان أكثر حركة وتواصلاً مع المسؤولين، كان يلبي الطلبات وينفذ الأوامر في إذعان ودونما تذمرٍ أو رفض، لذا ترقى بسهولة وسرعة.. بينما ظل هو ينظر إلى الأشياء نظرة عملية فحسب. فهو يؤدي دوره العملي بإتقان وانضباط دونما تزلف أو مداراة، فهو يأتي قبل الدو...

صوت الحق

غريب وعجيب أمر هذا الكون فهو قائم على التناقض والتخالف والتضاد في كل شيء، ليل ونهار، وحرٌ وبرد، وماءٌ ونار، حلمٌ وغضب، شحٌ وكرم، وهو يسير في موكبه كسفينة عملاقة في بحر لجي تعصف بها الرياح وتتلاطم حولها الأمواج وتصطرع تحتها الحيتان وهي في طريقها تضطرب حيناً وحيناً تسير في سكينة ورخاء.. والكائن البشري يحمل ا...

ريشة الغراب

لست أدري لماذا يتشاءم العرب من الغراب، هل ذلك بسبب لونه؟ أم بسبب نعيقه؟ أما عن ريشة الغراب فقد كنا في المدرسة الابتدائية نضع ريشة في الموقف من سور القرآن.. وذات يوم رأى الأستاذ مع أحدهم ريشة فصاح به: أتضع ريشة الغراب في المصحف يا عدو الله، ثم صارت قضية بالمدرسة، هل ريش الغراب وما شابهه من الطيور الأخرى نجس...

تسمين الخراف

التقى بصديقه القديم فلم يكد يعرفه لطول الغياب وبسبب ما تفعله الأيام في الوجوه والملامح… تجاذبا أطراف الأحاديث ولم يتركا شيئاً إلا وعرجا عليه… ثم فجأة سأله صديقه قائلاً: كم زوجة عندك؟! تفاجأ بالسؤال وقال زوجتى الأولى أم فلان.. فصر الآخر عينه في شيءٍ من عدم التصديق وقال: ههه أعلي أنا تضحك؟ فقال: ولماذا أضحك؟...

انفــراج الأزمات

يحكى أن فلاحاً قام بزراعة أرض واسعة حيث استدان فحفر بها بئراً وركب آلة السانية، ثم حرثها وبذرها، وأخذ يتعهدها بالسياقة والرعاية حتى نبت زرعها، وصار منظره مبهجاً يسر الناظرين، وذات يوم مرّ سرب جراد عظيم فبات فيها، فلما أصبح الفلاح ساء صباحه حين رأى مزرعته قاعاً صفصفاً، بيضاء مغبرة، ليس بها إلا مخلفات الجراد...

الراعي والذئاب

كان الجوع يعصف بمعدة الراعي وكانت الريح الباردة تشوي وجهه وكان الطريق طويلاً والأغنام تسير في هدوء ووجل.. كانت تسير خلف الراعي في امتثال تجتمع كتلة واحدة ثم تتفرق وفقاً لسعة الطريق والتواءاته لتعود مرة أخرى إلى الالتحام ببعضها وكان هو خائفاً مذعورا فهذه المناطق الجبلية موئل السباع.. دب الذعر في قلبه؛ وفجأة...

ذلكم الرجل

غنيٌ عن القول إن التعليم هو أساس بنيان الأمة.. فالأمم والمجتمعات التي تنال حظًا وافرًا من التعليم والمعرفة هي بلا شك مجتمعات راقية، وقادرة على أن تتعامل وتتفاعل مع الحياة والأحياء بشكلٍ إيجابي وخلاق، بينما المجتمعات المتدنية في معارفها، فهي مجتمعات هشة، تتفشى فيها الأمية والتخلف. والتعليم بناءٌ، والأبنية ...

كلب فرج

كان للمرحوم فرج كلبٌ ضخمٌ وكثير النباح، وكنا نخافه ونخشاه ونحن في طريقنا إلى المدرسة، وظللنا فترة طويلة ونحن إذا مررنا في طريقنا إلى المدرسة نشعر بالذعر وتظل قلوبنا ترتجف وتَجِفُ وجيفاً شديداً.. وذات يوم كان معنا قريبٌ قد زارنا وحينما مررنا بالكلب بدأ في النباح وبدأنا في السرعة والركض.. فاستغرب ذلك منا وقا...

الأعرابي في إيوان كسرى

لم يكن أحد يتصور أن التاريخ ينقلب بطريقة سريعة لا يستوعبها العقل بسهولة.. والتاريخ هو عمل بشري يصنعه الرجال العظماء في لحظات من الزمن تنقلب فيها العادات والمفاهيم والقيم، وتنقلب فيها السمات والصفات الاجتماعية.. فمن كان يتصور مثلاً أن رجلاً أعرابياً عاش في جزيرة العرب حيث رياح السموم وبيوت الشعر والرحيل على...

أبو عصام

لدينا أسماء لا تغيب عن الذاكرة، ويجب أن لا تغيب.! من بين هذه الأسماء (أبو عصام) معالي الأستاذ عبدالعزيز بن عبدالله السالم هذا الراجل الأديب النبيل، إنه نموذج وعينة للإنسان الوطني الرائع فعلاوة على كونه من أوائل الذين خدموا في مجال العلم والمعرفة مع الملك فهد بن عبدالعزيز رحمه الله عندما كان وزيراً للمعارف ...

العرب.. الصحراء والحنين

الجزيرة العربية ملتهبة في الصيف باردة في الشتاء.. كثيرة الرياح والزوابع الترابية، شحيحة الماء والنبات، ومع هذا يتعلق بها أهلها تعلقاً شديداً ويحنون إليها حنيناً غريباً، وما ذاك إلا لجمال ربيعها - رغم شحه - وجمال صباحاتها وأماسيها ولياليها المقمرة ورائحة أزهارها كالنفل والخزامى والشيح، وربما فوق ذلك كله الح...

الذكريات

الذكريات دائماً هي وقود النفس والروح، والإنسان بلا ذكريات، أو الحياة بلا ذكريات هي حياة بلا معنى أو هي حياة ناقصة ومشوهة.. والشاعر شوقي يقول: والذكريات صدى السنين الحاكي..  لذا فالطفل الذي لا يتمتع بطفولته فيمارس حرية بتلقائية وفطرية، هو طفل ناقص التكوين النفسي، ففي الطفولة يستمر بناء الإنسان الجسدي والر...

بُناة المجد

أعلم يقيناً أن كثيراً من الناس لا تستهويهم الكتابة الفلسفية أو الفكرية المضنية، لأن الحياة لم تعد تحتمل مثل هذا الاعتياص الذهني الذي سوف يعانون منه وهم يقرأون أو يتابعون مثل هذه الكتابات.. فالناس اليوم تستهويهم الكتابة السريعة والأفكار السريعة مثلما تستهويهم الوجبات السريعة، وكما أن العقل يجد صعوبة في هضم ...

قلوب الجبناء

أخذ سالم، يتكلم كلاماً غير لائق، عن مدير المدرسة فقال: إنه يضرب أخته المطلقة وأنه ذات مره سجنها لمدة ثلاثة أيام ليس عندها إلا الماء، وأنه يعاني من لوثة عقلية، تجعله يتصرف كالمجنون، والدليل أنه يضرب الطلاب المساكين بخيزرانة غليظة، لا يُضرب بها حتى الحمير.. وقال إن السبب في ذلك كله زوجته، فهي متسلطة عليه وتض...

حوار الضرار

أحياناً أحس بالغضب ممزوجا بالحسرة من بعض محاورينا وبالذات في قضايانا الوطنية وذلك بسبب ركاكتهم وضعفهم في مقارعة الحجج والإدلاء بالبراهين… وأعزو ذلك لعدة أمور منها سوء الاختيار، فلست أدري كيف يتم اختيار بعض الأشخاص الذين يتولون الحديث في الأمور الحساسة والهامة..؟ وكذلك ضعف الثقافة، فمتى كان المحاور ضعيف الث...

ثقوب الذاكرة

جلس على زلفة باب بيتهم القديم وأخذ يتذكر: كم من الناس مروا من هنا، كم من الذكريات عبرت من هنا؟ ماذا لو تحدثت هذه الجدران، لو تحدثت هذه الأبواب والنوافذ القديمة لو تحدث تراب الأرض.. وهذه الرياح العابرة كم أثارت من الغبار الخفيف، وهذا الممر الضيق كم تزاحمت الحيوانات به وكم تزاحم الناس، كم تزاحم الرجال في طري...

كان يصغي إلى الموج

قال: كنا نسير ليلاً على الشاطئ، كانت أضواء المدينة تصل إلينا واهية ضعيفة، وكان البحر شبه صامت ما عدا وشوشات ضعيفة تجدفها الأمواج ضعيفة كأنه يتحدث مع نفسه بشيء عن واقعه الوظيفي كأنه يتوجس من معاملة رئيسه، الذي لا يرضيه شيء ولا ينفع معه شيء.. هذا الرئيس الغامض الذي تختبئ وراء نظراته أشياء تجعله هو بعيدا عن ا...

مغناطيس القلوب

رحم الله الشيخ علي الطنطاوي رحمة واسعة، فقد كنا نتحلق حول التلفاز لسماع حديثه، لم يكن حديث الشيخ وما يطرحه أو يناقشه شيئاً غريباً علينا، فربما كنا سمعنا مثله أو ما يشبهه، ولكن الرائع والجميل الذي يشدنا إلى الشيخ كان أسلوبه وصدقه، فلقد كانت نبرات صوته تذهب إلى القلب في متعة لا يعادلها أي متعة، وفي طراوة وعذ...