عبدالهادي السعدي

خبز وماء

سحر الموسيقى

في مطاعم المدينة لن تجلس بعد اليوم أسيراً لوقع أقدام النادل، وهو يذرع المكان ذهاباً وإياباً، ولن تقع ضحية شجار عابر بين شخصين داخل المكان، فينعكس الشجار على مزاجك، و»تنسد نفسك»، وقد تغادر المطعم، ولن تلوذ بجوالك هرباً من الانتظار، ولن تتفحص بنظراتك وجوه الآخرين، وهم يدلفون إلى الداخل، ستجلس هذه المرة بشكل ...

موسم الهجرة إلى السودان

"إزّيكم، كيفنّكم أنا لي زمان ما شفتكم".. هكذا كان يصدح سيد خليفة بصوته الشجي، ليروي ظمأ المهمومين والعاشقين، فتتمايل على نغماته وُرَيْقات الصفصاف على ضفتي النيل، من مدينة أم درمان وحتى الشمال، معلنة حدادها الأبدي على رحيله، فيتعقبه الطيب الصالح في رثائه العميق، لوجدان السودان، وشعب السودان: عدت إلى أهلي يا...

يا مال الشام

يا مال الشام يلا يا مالي، طال المطال يا حلوة تعالي، يا مال الشام على بالي هواكي، أحلى زمان قضيتو معاكي. هكذا كان يصدح بمواويله الحَولية، فيستجيب له الحالمون من تونس وبغداد والرياض ودمشق وعمان، وكل العواصم العربية التي تمايلت طرباً لمواويله، يشعل شوقهم وحنينهم للشام، وليالي الشام، ومقاهي الشام، ظل هذا الص...

الفنان الأرزقي

كانت صرخات أمه الأولى لحظات طلقها، هي إعلان كبير عن ولادته، عندما سقط على الأرض متسربلاً بحبله السري، أجهش ببكاء عميقٍ وطويل، تفتحت عيناه على عويل أمه التي ما لبثت أن فارقت الحياة بسبب تعسرها بولادته، بدأ الزحف ثم المشي، وعندما اشتد عوده بدأ يسعى في مناكب الأرض، لكنه بدل السعي لقوته، سعى لاختلاس قوت الآخري...

محمد بن سلمان وقمة الكبار

محمد بن سلمان هو من انتصر للمرأة إيماناً منه بدورها الاجتماعي الرائد ورسالتها النبيلة، وهو من رفع كرتاً أحمر بوجه الفساد والفاسدين عندما أطلق مفرداته الشهيرة ألا أحد ينجو من الفساد مهما كان مركزه الاجتماعي والوظيفي، وهو من أعاد هيكلة القطاع الخاص والعام، وأحدث تغييراً هائلاً في نمط الحياة العامة، يلمسه كل ...

للتقبيل.. مكتبة ثقافية

شكل هذا الإعلان ألماً عنيفاً، ووخزاً عميقاً، للكثير من المثقفين والمتابعين من المعنيين، وأولهم عبدالله الغذامي، الذي تعامل مع الخبر بشيء من الاحتواء والتسامي، وكأنّ شيئاً لم يحدث، بينما مفرداته غارقة في وجع أزلي، وخيبة أمل كبيرة بحجم العمر، الذي كرّسه لنشر الثقافة والوعي منذ نعومة أظافره وحتى هذا اليوم، فه...

زيارات الخير والنماء

جاءت زيارة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله-، لمناطق ومدن المملكة في إطار حرصه الشديد على دعم ومواكبة مشروعات التنمية العملاقة في الخدمات التعليمية، والخدمات الصحية، والخدمات الاجتماعية، التي تركز على الإنسان ورفاهيته، وتحسين مستوى حياته، فقد دأبت المملكة على دفع عجلة التنمية لتواك...

أبو شنب

كان الشارب الطويل يعد رمزاً اجتماعياً موغلاً في مهابته، نظراً لما يضفيه من كبرياء واعتزاز بالنفس، حتى أن طول الشارب، كان يلفت نظر النساء وإعجابهن في الأزمنة الغابرة، فكان العربي يحتفي ويعتني بشاربه، فلا يُقَص ولا يُمَس تحت أي ظرف من الظروف، لأن ملامسته عند بادية العرب وبالتحديد باليد اليمين يعتبر حدثاً خطي...

لا نريد للحلم أن يتراجع

قصف كثيف بكل أنواع الأسلحة، التقليدية، والنفسية، حتى الجرثومية، وجهت للملكة براً وبحراً وجواً، قصفاً شاملاً، وكاسحاً، لا يستثني أحداً، من قبل قوى إقليمية لا يهمها تنمية واستقرار شعوبها بقدر ما يهمها الإنفاق على أبواق الدعاية الإعلامية الرخيصة، والقوى الخارجة على القانون، من أجل إحداث الفوضى التدميرية لدول ...

تعطيل المسرح في المدارس

المسرح هوية ثقافية متجذرة، تعكس أصالة الشعوب وعمقها الحضاري، وأي تغييب للمسرح هو تغييب لهذه المفاهيم وهذه القيم، من يَزُرِ المدارس خاصة الابتدائية منها، يُصَب بخيمة أمل عميقة، نتيجة الإهمال الصارخ للمسرح المدرسي، مع كل ما يمثله من سياقات ثقافية وإنسانية وحضارية، حتى إن أغلب المدارس التي افتتحت في العقد الأ...

المدارس وغياب الأخصائي الاجتماعي

يتدحرج صالح بحقيبته المثقلة بحكايات الغيب، والتاريخ، والزواج، والطلاق والصفقات الدسمة، وما إلى ذلك من أنساقنا الاجتماعية، يتهادى إلى بوابة المدرسة، يسوقه والده الغاضب على أمه، أو أمه المغلوبة على أمرها، جاء صفحة بيضاء، خالية من كل العاهات الإنسانية المعتلة، ليسلم مفاتيح عقله، ومستقبله وكل حياته إلى المدرسة...

الزميل فهد العبدالكريم

ترجل الزميل فهد العبدالكريم عن ظهر جواده، للاستراحة بعد رحلة شاقة، استمرت لأكثر من خمسة وعشرين عاماً تقريباً، عندما كان جندياً يقبع في الصفوف الخلفية لفيلق مجلة اليمامة، الذي كان يأتمر بأوامر الأستاذ فهد العرابي الحارثي، فيما يتصل بالتكتيك، والتقدم، والانسحاب، والانقضاض على العدو عندما تسنح الفرصة، والذي ك...

اليوم الوطني

اليوم الوطني هو يوم توحيد المملكة على يد المؤسس الملك الراحل عبدالعزيز طيب الله ثراه، الذي أرسى قواعد هذه الوحدة العظيمة، وسار على نهجه أبناؤه من بعده، لتصبح دولة قوية وفاعلة، ونظراً للأحداث التي تعصف بالمنطقة العربية، فإن المملكة مثل سفينة عملاقة، تسير وسط رياح عاتية، وأمواج متلاطمة، تسير بكل قوة واقتدار،...

المخابز وغياب الرقابة

أصبحت المخابز التقليدية تشكل وخزاً عميقاً، يمس حياة المواطن بشكل مباشر، نظراً لطبيعة هذه المخابز، وما يكتنفها من غموض في كواليسها المعتمة، حتى أن فوضوية هذه المخابز المبثوثة داخل الأحياء باتت تشكل خطراً داهماً على صحة الناس، وحرجاً كبيراً على أمانة المدينة، نظراً للقطيعة شبه الأبدية بين المراقب الصحي للأما...

الجدوى الوطنية

يقول خبراء الاقتصاد والتجارة: إن الجدوى الاقتصادية أولوية حتمية من أولويات المشروع الناجح، والجدوى هي مجموعة التكاليف التي تنفق على المشروع، من مال وجهد ووقت، من البداية وحتى نهاية المشروع، فإذا كانت هذه التكاليف تتجاوز حجم الأرباح المتوقعة، فإن صاحب المشروع يتراجع عن تنفيذه، لأنه مكلف وغير ذي جدوى، وهذا ي...

أطفال الأحزمة الناسفة

أمس حلقت في سماواتنا أسراب هائلة من الحمام الأبيض، وطافت في شوارعنا فراشات بيضاء وزرقاء ملونة، واجتاحت أرواحنا نوبات فرح عارمة، وانتفضت أرصفتنا من سباتها البليد، لتستقبل فلذات أكبادنا، وهم يمتشقون حقائبهم المدرسية، إنه يوم فرح تاريخي عميق وعظيم، إنهم جيل المستقبل يا سادة، هل تفهمون ماذا يعني جيل المستقبل؟ ...

فيروز في القدية

يلبقلك شك الألماس دروب دروب.. من يدري؟ ربما ستشدو بها فيروز يوماً، لأنها القدية وما أدراك ما القدية؟ إنها صحراء جرداء قاحلة لا حياة فيها، ويسألونك عن القدية، إنها عاصمة الترفيه المستقبلية، بعدما نفخت فيها الإرادة المترعة بالحلم والأمل حتى اخضرت أرضها وازرقت سماؤها وكثرت أشجارها وغردت أطيارها. لأن الإرادات ...

رسالة إلى معالي وزير الإسكان

من سكني المنداح في أحشاء حي شعبي قديم، أكتب لمعاليكم فيما عقارب الساعة تقترب من الثالثة فجراً، وصوت أم كلثوم يسافر داخلي ليلامس جوانبي الداكنة والبعيدة، معالي الوزير أكتب لكم متجاوزاً قدري كمواطن بسيط يتمحور لهاثه اليومي بين الخباز والخضّار، وتتلخص علاقاته بين الفراش والحارس، ولهذا فإن مخاطبتي لكم تتجاوز ا...

غزل بعد منتصف الليل

في كل ليلة تأسرني إطلالتها الأنيقة، وبياضها الأخاذ، فهي لا تخرج من خدرها إلا في الليل، فالليل والسهر قاسمنا المشترك، كلانا يحاول فهم الآخر لكن الخوف والحذر يحولان بيننا، هذه الليلة اقتربت من صومعتي كثيراً، وبدأت أمعن النظر بجسدها الأبيض عن قرب، كانت ناصعة مثل غيمة بيضاء تجلت في الأفق البعيد، فمددت يدي بهدو...

المرأة

انطلقت المرأة بمركبتها مدفوعة بروح وتأثير الرؤية العظيمة التي مكنتها من مزاولة القيادة، كحق أصيل من حقوقها المسلوبة، نتيجة ثقافات معلبة منتهية الصلاحية، هذا هو الشهر الثاني والمرأة تقود بكل حزم ويقظة وانضباط، قد يفوق انضباط ويقظة الرجل، هذا هو الشهر الثاني والمرأة تزين الشوارع والطرقات والأحياء، عكس ما روج...

العنصري

العنصري هو كائن فطري أليف، يعاني من اعتلالات عقلية عميقة، تعود لسنوات طويلة من الثقافات والقصص والروايات التي شكلته ومسخته، يروج لثقافات اجتماعية عنصرية بالية، يرتاد المناسبات والمجالس بكثرة، تشاهده في الحارة والمدرسة والجامعة والدائرة، تجده بهيئة طالب وموظف، وأحياناً بهيئة محاضر للأسف، يدس في عقول الأجيال...

شهادة الاستدامة العقارية

شهادة الاستدامة العقارية، هي بالمعنى البلدي، وقف جميع الطرق الملتوية التي دأب عليها بعض أصحاب النفوس الجشعة، من تجار ومسوِّقي العقار، للإيقاع بضحاياهم من شريحة ذوي الدخل المحدود، هذه الشريحة الولَّادة لشركات الأقساط المختلفة التي اعتمدت عليهم في حقول تجاربها، لأنهم الحلقة الأضعف في السلسلة، وهم حطب النيران...

من يخلف عامل النظافة بابو؟

بعد يوم طويل وعصيب، يتكي بابو على الجدار بعد أن ينهكه العمل، يخرج رسالة من جيبه، يفتحها بشغف، ينكب على قراءتها، ثم يجهش ببكاء عميق، تسقط الرسالة من يده على الأرض في غياب شبه تام، ينهض بتثاقل، ينسل داخل الحارة ويختفي، يغضب بابو من حال القحط العاطفي التي نقابله بها لأنه إنسان له مشاعر وأحاسيس، ومع ذلك فلا أ...

رمضانيات

أمس خرجت من البيت في وقت الظهيرة، الطريق خاوٍ من المارة، إلا من عامل النظافة الذي يفتعل حراكاً متعمداً عندما تقترب منه ليشعرك بأنه يعمل، الجميع صيام وفي سبات عميق، سكون قاتل يغشى المكان، الشمس ترسل أشعتها الحارقة بشكل عمودي وكأنها متوقفة في كبد السماء، فتحت باب السيارة، وجلست خلف المقود، وربطت حزام الأمان ...

العاصوف في عين العاصفة

سأل القاضي المتطرف الذي قتل فرج فودة: لماذا قتلت فرج فودة؟ أجاب لأنه كافر، ثم سأله القاضي أي من كتبه عرفت أنه كافر؟ فقال أنا لم أقرأ كتبه، وسأله القاضي كيف؟ قال أنا لا أقرأ ولا أكتب، وفرج فودة لمن لا يعرفه هو كاتب مصري دافع بقلمه عن مصر، وأطفال مصر، ونساء مصر، ووقف في وجه أولى موجات الهجوم الصحوي التتري ال...

موائد إفطار الصائم

أيها المتهيئون لرمضان بالأكل والشرب فقط، وهدر المياه، ونحر الخراف، وإقامة الموائد على هامش موائد إفطار الصائم، وما أدراك ما إفطار الصائم! تذكروا جيداً صورة القرن التي التقطها المصور العالمي كيفين كارتر لنسر يحط بجانب طفل سوداني يحتضر بسبب الجوع ليلتهمه، والذي انتحر بعد التقاطه هذه الصورة بثلاثة أشهر احتجاج...

تراجع المشروع الإيراني

على العرب أن يتذكروا جيداً مساء اليوم الأول من فبراير العام 1979، حيث وصول طائرة الخميني مطار طهران، ومغادرة الشاه إلى جهة غير معلومة، وإعلان حكم الملالي لإيران، هذا التاريخ يجب أن يحفر في الذاكرة العربية، لأن من ضحى بنظام الشاه المدني العلماني الليبرالي المقبول عالمياً واستبدله بنظام رجعي كهنوتي قديم، لاش...

«الكاشيرة» مزنة

دعوني أصرخ، دعوني أبكي، ما لكم وشأني، سأمزق الصمت بأعماقي، سأغتال الحب بشراييني؛ لأنه رداء قديم قسا عليه الزمن، بعض ملابسي أصبحت تضايقني، تخنقني، دون القدرة في الشروع بخلعها، لأن خلعها يمثل خروجاً على دستور القبيلة وتحدياً صارخاً لأمي وأبي، وأنا لا أستطيع الخروج على عرف القبيلة، ولا على التحدي، زوجي يمسك ب...

قمة القدس

لأجلك يا مدينة الصلاة أصلي لأجلك يا بهية المساكن يا زهرة المدائن عيوننا إليك ترحل كل يوم ترحل كل يوم الطفل في المغارة وأمه مريم وجهان يبكيان بهذه الصلوات تسافر فيروز في أعماقنا كل يوم منذ أن كنا أطفالاً وإلى هذا اليوم، وفيروز تلكز في خواصرنا وخزها العنيف فيسري في أرواحنا حتى الصراخ فننتحب من ضعفنا وننت...

نهاية رجل قديم

يتقاطرون من أطراف المدينة، يحتدمون أمام الباب، يطيلون الوقوف، ينهرهم الحارس، يتراجعون للوراء بخوف وحذر شديدين، يختفي الحارس وراء الأبواب، يعودون إلى التدافع من جديد، يفترشون الأرض لساعات طويلة تحرياً لفتح الباب، كان (صعيان) أحد هذه الجموع، جاء من بعيد يبحث عن المقسوم، وهو أب لأسرة ضخمة، وزوج لثلاثة نساء، ي...