حسين علي حسين


نوم السطوح

خلال الأيام القليلة القادمة، سوف نودع، وعلى مهل، أيام الصيف الثقيلة، التي لم تقصر في أي عام، في إهلاك أبداننا وجيوبنا، لندخل، وعلى مهل أيضاً، إلى فصل رحيم نسبياً، يعجب كثيراً من الناس، خصوصاً الذين يعانون من فواتير الماء والكهرباء وفواتير الترحال شرقاً وغرباً، وبعض هؤلاء يتكلف من أمره شططاً، فيأخذ القروض ف...

دراسة الفنون

ما السر الذي يجعلك تلجأ إلى رواية كتبت قبل عشرات السنين؟ وما السر الذي يجعلك لا تمل مشاهدة مسلسل "رجب فوق صفيح ساخن" لعادل إمام، أو "غوار" أو "درب الزلق" أو "طاش ما طاش" أو فيلم "سلفني ثلاثة جنيه" لعلي الكسار أو فيلم "شاطئ الغرام" لليلى مراد؟ إنه ببساطة، الصدق والعفوية في الأداء، بغض النظر عن المحتوى البسي...

طبيب النفس

أطباء النفس وحدهم عندهم الاستعداد والقابلية لاستقبال زوارهم أو مراجعيهم دون أن يلزموهم بتسجيل أسمائهم الحقيقية؛ لأن مجرد النطق أو الموافقة على العلاج بالاسم الحقيقي، قد يعرض مرضاهم لمزيد من الحرج والقلق، بل إن صاحب العلة الذي لا يدرك أحياناً جسامة أو خطورة علته، يسكن في داخله موروث قديم، يقرن هذه الاعتلالا...

حضور الكتابة!

تعرفت مبكراً على كاتب "شفوي" كان يغشى مجالس الأدباء والكتاب، وطائفة ممن هم على خطه. كان يروي قصصاً وذكريات لا حصر لها، بينما رصيده من الكتابة المنشورة لا يتجاوز بضعة مقالات، أشهرها مازال عالقاً في الذاكرة، أستحضره كلما قرأت عما يقال عن "حبسة" الكتابة (التوقف دون سبب معقول عن الكتابة لمدة من الزمن)، ذلك الص...

البدو الرحّل!

عندما اخترت مدينة الرياض سكناً قبل نصف قرن تقريباً، كانت حدود العمران تنتهي أمام المطار القديم، عندما كان مطاراً إقليمياً، حتى عندما تزوجت كنت أقضي مع زوجتي شطراً من إجازة الأسبوع على أرصفة خالية، في منتصف شارع الستين بالملز، ومعنا قهوتنا وسواليفنا، قبل أن نستدل على جلسات فنادق اليمامة وصحارى وزهرة الشرق، ...

تكافل اجتماعي

ما أزال أذكر مناسبات الزواج في الحارة، بكل البهجة التي تحف بها، لمدة أسبوع كامل، في كل يوم منها فعالية، حتى فعالية الليلة الكبيرة، التي تنتهي مع ساعات الفجر الأولى، عندما يُزف العروسان إلى بيت الزوجية، دون أن يغرم أهل العروسين ريالاً فوق ريالات المهر القليلة! والبركة في كل ذلك تعود إلى "القود" أو "الرفد" ا...

تجربة خروف العيد!

منذ سنوات طويلة، وبإلحاح من أفراد أسرتنا الصغيرة، قررت شراء خروف لذبحه في عيد الأضحى، وهو ما لم أتعود عليه إلا في منى، وكان سوق المواشي بعيدًا، ويحتاج شراء الخروف إلى واحد من أهل الخبرة، وسيارة خاصة تليق به، فليس من اللائق سدحه في ونيت، والأغلال في يديه ورجليه، مثله مثل أصحاب السوابق أو المجرمين. تحمست للف...

القوة الناعمة

لم تعرف فرنسا ولا إيطاليا ولا مصر واليونان ولبنان وغيرها, بثرواتها البترولية والصناعية والسياحية, ولكنها عرفت, ربما في المقام الأول, بفنونها في النحت والرسم والموسيقى والسينما والمسرح والأوبرا, وبمتاحفها, وعمارتها, ومكتشفاتها الأثرية؛ فأصبح عندها إعلام في كافة الفنون, مثل مايكل أنجلو, وبفاروتي, وبيتهوفن, و...

مديح العزلة!

العالم الآن في طريقه إلى نمط مخيف من الحياة, نمط يبجل العزلة, ويسعى إليها. هذا يحصل الآن مع الكبار والصغار. الطفل عندما يكون في المنزل, بات ينادي على عاملة المنزل, لتجلب له كأس ماء, ولولا أن هناك مدرسة أو روضة, لاحتض الكمبيوتر, ففيه ما لذّ وطاب من القصص والبرامج, ولا معنى أو فائدة, من إلقاء الدروس عن محتوي...

وجبتك المفضلة!

الخوف من الأمراض، والحرص على حياة خالية من المشكلات الصحية، جعل الناس، حتى البسطاء منهم، يحرصون على تناول وجبات معينة، أو الامتناع عن أخرى، وفي بالهم أو أمامهم، قائمة من الوجبات الجالبة للأمراض، أو التي قيل لهم إنها قد تتسبب في بعض الأمراض، مبتعدين بطبيعة الحال، نتيجة لهذه المحاذير. والذين يقدمون هذه المحا...

عزيزة جلال!

أشياء كثيرة إذا تركتها تركتك، من أبرزها الاحتراف في الرياضة البدنية والكتابة، ونضيف إليها الآن الغناء، بمناسبة ظهور المطربة المغربية "عزيزة جلال"، بعد أكثر من ثلاثين عاماً من الاعتزال الطوعي، الذي قيل إنه تم بعد زواجها، لكي تتفرغ للأسرة، الشيئ المؤكد في هكذا حالة، أن الجو الفني الآن غير الجو الذي تركته، فل...

مترو العاصمة!

منذ سنوات وسكان العاصمة يعيشون معاناة طويلة، وإن كانت أو ستكون مؤقتة، حتى وإن طالت كافة الشوارع والطرق، إن انتهاء هذه المعاناة سوف يؤمن لمدينتهم راحة من الازدحام، وربما خفض لما يعانيه الناس من تعاظم الضجيج والتلوث الذي تطلقه وسائل المواصلات المختلفة، التي لا مثيل لكثافتها، والتي أعيت من يتصدون لمعالجتها من...

الطلاق

رغم أن طالب الزواج لم يكن يجرؤ على طلب رؤية شريكة حياته، مجرد رؤية محدودة، ليقرر هل تصلح له الفتاة التي اختيرت من قبل الأم وبمباركة من قبل الأب، وعلى الابن أن يخضع لقانون متعارف عليه، هو ألا يرى الزوجة إلا في عش الزوجية، حتى إننا كنا نشبه الزوجة بالبطيخة، لا تعرف إذا كانت حمراء أو بيضاء، جيدة أو رديئة، إلا...

وجه جديد

التغيير هو الشيء الوحيد، الذي لا يلاحظه ابن المكان بسهولة، لكن العائد من سفر بعيد يرى ويقارن، قياساً على المكان الذي فارقه. هذا ينعكس الآن، ومنذ سنوات قليلة، على المدينة السعودية وسكانها، من الجنسيات والأعراق كافة. هناك الآن سيدة تقود السيارة، وتباشر البيع والشراء، ويكون لها وجود في مفاصل الدولة. الوظائف ا...

هذه الرائحة

ليس هناك من أمر مربك مثل "الرائحة" وقدرة البشر على تعريفها وعلى استقبالها أو التخلص منها؛ خصوصا عندما تتعدد الروائح، مألوفة كانت أو طارئة. لماذا عندما تدخل منزلك بعد غياب تحس برائحة مقلقة، لكن حالما تمر عليك بضعة أيام فلا تشعر بأن هناك رائحة على الإطلاق! لكن صديقك العزيز عندما يزورك، بعد أيام من حلولك في ا...

الأخضر بن يوسف ومشاغله!

عندما صدر ديوان "الأخضر بن يوسف ومشاغله" لشاعر العراق "سعدي يوسف"، انشغلنا، ونحن نخطو في درب الكتابة، ليس باسم الشاعر، وهو حقيق بذلك، لكننا انشغلنا بمن كان باسمه الديوان، وبلون الكتابة الجديدة، التي غزت صفحاته. من ذلك الزمان البعيد (صدر الديوان عام 1972) أصبحت أتابع ما يكتبه "سعدي يوسف". هذا مبدع، تشعر وأ...

في عشق الكتب

مثلما يعشق الرجل امرأة؛ يعشق بعض الناس الكتاب.. عاشق الكتاب يقف متبتلاً، أمام صفوف الكتب، يقلبها كتاباً كتاباً حتى تنقض يده على كتاب من بين الكتب المرصوصة على الرفوف أو في الخزائن أو على الأرض بعناية تامة وربما في فوضى تامة، يأخذ الكتاب تحت إبطه بعد دفع ثمنه، وكلما توقف أمام إشارة مرور رفعه وأعاد فيه النظر...

أبواب الوقف

ازدهرت التكايا في عديد من العصور، وأصبحت تؤدي أدوارا عديدة في المجتمعات الإسلامية، فهناك تكايا لمن انقطعت بهم السبل، وتكايا للعجزة، ولطلبة العلم، والأرامل والأيتام، بل إن بعض الدول كانت بها تكايا خصصت لجنسيات بعينها؛ أوقفها أصحابها من الموسرين على أهل البلد الذي ينحدرون منه. وكانت للتكية أسماء متعددة: تكي...

رمضان وعبق الذكريات

عندما كبرنا، وجدنا أن معالم رمضان، زادت على ما ألفناه، من الأكل والشرب، والملابس والعادات، التي سادت ثم بادت؛ أضيفت إليه ألوان جديدة/ قديمة، أبرزها أحاديث الشيخ «علي الطنطاوي» رحمه الله؛ كان الرجل يطل علينا، طوال الشهر الفضيل، أمامه ديكور بسيط، وبجانب الديكور، «مسجل» أكثر بساطة، كان عندما يختم حديثه، يستخر...

أهلاً رمضان

كانت معالم رمضان في الأيام الخوالي معروفة: طعام مختلف عن طعام أيام الإفطار، وهو عادة أكثر تكلفة، مادياً وبدنياً، وحالما يودعنا رمضان، كنا نودع طعامه، فلا "كنافة أو شربة أو مهلبية أو سقودانة أو تطلي أو قمر الدين أو عصير توت أو قطايف"، كل هذه الأطعمة اللذيذة وغيرها كثير كانت حكراً على رمضان. وكنت قبل رمضان...

أحمد رامي في مدرستنا

مدارس أبناء جيلي كانت أكثر رحابة من المدارس في أيامنا الراهنة؛ كانت المدرسة تضم مكتبة عامة، فيها ما لذ وطاب من ألوان المعرفة. وفي هذه المدرسة ملعب للرياضات البدنية، ورحلات للحدائق والمزارع، وفيها المدرس الأب، الذي يراقب طوارئ تلاميذه، فيسعى إلى حلها بشتى الطرق. وفيها الساعي، الذي يطرق باب بيت التلميذ، لأخذ...

مكتباتهم في جيوبهم

عاجلاً أو آجلاً، سوف يأتي علينا اليوم، الذي نتخلص فيه من أكوام الورق، المعروضة في المكتبات العامة، وفي دور العلم والدواوين، وربما لن نجد الورق إلا في المحلات باعتباره صديقاً للبيئة وأضمن صحياً من أكياس البلاستيك! لقد أصبت بالربكة قبل سنوات، عندما كنت أزور موظفاً في شركة لتوزيع المطبوعات لأطلب منه نسخة أح...

الوظيفة وعادات أهلها!

لم تتعد خدمتي الوظيفية الربع قرن، لاعتقادي الذي ورثته من كلام الأدباء، كبارهم وصغارهم؛ بأن الوظيفة العامة مقبرة للطامحين كافة، "وكنت أطمح أن أكون واحداً منهم"، في مكانة عامة، علمية أو فنية أو أدبية أو فكرية؛ فمن لديه طموح في واحد من هذه الأشغال؛ عليه وبصرامة، التزام تلك النصيحة، وقد فعلت ذلك طائعاً مختارا...

زيارة لعبدالباسط عبدالصمد

في عام 1971م، سافرت للمرة الأولى إلى خارج المملكة، وإلى مصر تحديدا، التي كانت تشهد إقبالا خجولا من المواطنين السعوديين. كانت القاهرة، التي وصلتها مساء قادما من جدة، حزينة لوفاة رئيسها الذي حدثت الهزيمة في عهده، وتترقب في الوقت نفسه اليوم الذي ترد فيه الدَّين للعدو الإسرائيلي، لم يخفف من وطأتها تسميتها النك...

الأم التي ربّت!

بحثت عن عالم عربي في الطب أو الهندسة أو العمارة؛ وبحثت عن فنان في السينما أو الإخراج، حصل على جائزة عالمية، مثل «نوبل» أو «الأوسكار»، فلم أجد! كافة الذين حصلوا على مثل هذه الجوائز تربوا وترعرعوا خارج بلدانهم، حيث مراكز العلم والأبحاث والبيئة الملائمة التي تعلي من شأن المواهب، وتوفر لهم سبل الحياة الكريمة ك...

عاشق جدة!

قابلت المهندس محمد سعيد فارسي (1936 - 2019) عدة مرات في أواخر السبعينات الميلادية، عندما كنت مقيماً في جدة، بحكم عملي في "جريدة المدينة"، وكان كل من يقابل هذا الرجل حينذاك، يخرج بانطباع خاطئ، وهو أنه مغرور، ومتعجرف، ولا يحترم العادات والتقاليد! لعرضه مجسمات، لأناس لا يفرقون، بين جدة بوابة الحرمين، وبوابة ف...

قصة حياتهم!

لا تصدق الكاتب الذي يقول إنه لا يتحدث عن حياته الشخصية في كتبه. الكتاب كافة يفعلون ذلك بعدة طرق، نتف من حياتهم يتم دمجها مع أحداث ووقائع ولواعج في القصص والروايات والقصائد، ونتف في المقالات والمقابلات الصحفية. سوف تجد تعاسة "السياب"، وضياع "رامبو"، وبساطة "وايتمان"، وغرور "المتنبي"، وفلسفة "أبو العلاء" في ...

كبار الكتاب

لا أعرف من الذي يستحق لقب الأديب أو المفكر أو الكاتب الكبير، لكنني سوف أفترض أنه ذلك الذي له إنتاج أو مؤلفات جعلته معروفاً عند المهتمين بالقراءة، وعند أقرانه. هذه الفئة، من المشتغلين بالكتابة، في الغالب رقيقة الحال، محدودة الدخل، منطوية على نفسها أو منطلقة، سليطة اللسان أو مربوطة اللسان، والبعض من هؤلاء ل...

المهاجر التركي

في رواية "إيفالونا" للروائية التشيلية "إيزابيلا الليندي" تتوطد علاقة رسمت خيوطها الصدفة، لتشكل مفصلاً من أهم مفاصل هذه الرواية التي شقت الطريق واسعاً أمام هذه الكاتبة، التي نقلتها الصدف، وربما الأقدار، من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، من مدرسة الجد الجنرال الليندي إلى مدرسة الرأسمالية بكل نعيمها وجبروتها. ...

وظائف العين

في الأفلام المصرية القديمة، وكذا على أرض الواقع، إبان الوجود العثماني وبعده، قد تجد من يُقدم أو يقدم نفسه، في المناسبات العامة، وفي دوائر صنع القرار، بأنه "من الأعيان"! وكانت هذه الصفة تعني أن المذكور عاطل عن العمل، لكن لديه أو لدى أسرته قدراً من الثروة التي تدر عليه دخلاً ثابتاً أو متقطعاً، أو لديه عقارات...