حسين علي حسين


أبواب الوقف

ازدهرت التكايا في عديد من العصور، وأصبحت تؤدي أدوارا عديدة في المجتمعات الإسلامية، فهناك تكايا لمن انقطعت بهم السبل، وتكايا للعجزة، ولطلبة العلم، والأرامل والأيتام، بل إن بعض الدول كانت بها تكايا خصصت لجنسيات بعينها؛ أوقفها أصحابها من الموسرين على أهل البلد الذي ينحدرون منه. وكانت للتكية أسماء متعددة: تكي...

رمضان وعبق الذكريات

عندما كبرنا، وجدنا أن معالم رمضان، زادت على ما ألفناه، من الأكل والشرب، والملابس والعادات، التي سادت ثم بادت؛ أضيفت إليه ألوان جديدة/ قديمة، أبرزها أحاديث الشيخ «علي الطنطاوي» رحمه الله؛ كان الرجل يطل علينا، طوال الشهر الفضيل، أمامه ديكور بسيط، وبجانب الديكور، «مسجل» أكثر بساطة، كان عندما يختم حديثه، يستخر...

أهلاً رمضان

كانت معالم رمضان في الأيام الخوالي معروفة: طعام مختلف عن طعام أيام الإفطار، وهو عادة أكثر تكلفة، مادياً وبدنياً، وحالما يودعنا رمضان، كنا نودع طعامه، فلا "كنافة أو شربة أو مهلبية أو سقودانة أو تطلي أو قمر الدين أو عصير توت أو قطايف"، كل هذه الأطعمة اللذيذة وغيرها كثير كانت حكراً على رمضان. وكنت قبل رمضان...

أحمد رامي في مدرستنا

مدارس أبناء جيلي كانت أكثر رحابة من المدارس في أيامنا الراهنة؛ كانت المدرسة تضم مكتبة عامة، فيها ما لذ وطاب من ألوان المعرفة. وفي هذه المدرسة ملعب للرياضات البدنية، ورحلات للحدائق والمزارع، وفيها المدرس الأب، الذي يراقب طوارئ تلاميذه، فيسعى إلى حلها بشتى الطرق. وفيها الساعي، الذي يطرق باب بيت التلميذ، لأخذ...

مكتباتهم في جيوبهم

عاجلاً أو آجلاً، سوف يأتي علينا اليوم، الذي نتخلص فيه من أكوام الورق، المعروضة في المكتبات العامة، وفي دور العلم والدواوين، وربما لن نجد الورق إلا في المحلات باعتباره صديقاً للبيئة وأضمن صحياً من أكياس البلاستيك! لقد أصبت بالربكة قبل سنوات، عندما كنت أزور موظفاً في شركة لتوزيع المطبوعات لأطلب منه نسخة أح...

الوظيفة وعادات أهلها!

لم تتعد خدمتي الوظيفية الربع قرن، لاعتقادي الذي ورثته من كلام الأدباء، كبارهم وصغارهم؛ بأن الوظيفة العامة مقبرة للطامحين كافة، "وكنت أطمح أن أكون واحداً منهم"، في مكانة عامة، علمية أو فنية أو أدبية أو فكرية؛ فمن لديه طموح في واحد من هذه الأشغال؛ عليه وبصرامة، التزام تلك النصيحة، وقد فعلت ذلك طائعاً مختارا...

زيارة لعبدالباسط عبدالصمد

في عام 1971م، سافرت للمرة الأولى إلى خارج المملكة، وإلى مصر تحديدا، التي كانت تشهد إقبالا خجولا من المواطنين السعوديين. كانت القاهرة، التي وصلتها مساء قادما من جدة، حزينة لوفاة رئيسها الذي حدثت الهزيمة في عهده، وتترقب في الوقت نفسه اليوم الذي ترد فيه الدَّين للعدو الإسرائيلي، لم يخفف من وطأتها تسميتها النك...

الأم التي ربّت!

بحثت عن عالم عربي في الطب أو الهندسة أو العمارة؛ وبحثت عن فنان في السينما أو الإخراج، حصل على جائزة عالمية، مثل «نوبل» أو «الأوسكار»، فلم أجد! كافة الذين حصلوا على مثل هذه الجوائز تربوا وترعرعوا خارج بلدانهم، حيث مراكز العلم والأبحاث والبيئة الملائمة التي تعلي من شأن المواهب، وتوفر لهم سبل الحياة الكريمة ك...

عاشق جدة!

قابلت المهندس محمد سعيد فارسي (1936 - 2019) عدة مرات في أواخر السبعينات الميلادية، عندما كنت مقيماً في جدة، بحكم عملي في "جريدة المدينة"، وكان كل من يقابل هذا الرجل حينذاك، يخرج بانطباع خاطئ، وهو أنه مغرور، ومتعجرف، ولا يحترم العادات والتقاليد! لعرضه مجسمات، لأناس لا يفرقون، بين جدة بوابة الحرمين، وبوابة ف...

قصة حياتهم!

لا تصدق الكاتب الذي يقول إنه لا يتحدث عن حياته الشخصية في كتبه. الكتاب كافة يفعلون ذلك بعدة طرق، نتف من حياتهم يتم دمجها مع أحداث ووقائع ولواعج في القصص والروايات والقصائد، ونتف في المقالات والمقابلات الصحفية. سوف تجد تعاسة "السياب"، وضياع "رامبو"، وبساطة "وايتمان"، وغرور "المتنبي"، وفلسفة "أبو العلاء" في ...

كبار الكتاب

لا أعرف من الذي يستحق لقب الأديب أو المفكر أو الكاتب الكبير، لكنني سوف أفترض أنه ذلك الذي له إنتاج أو مؤلفات جعلته معروفاً عند المهتمين بالقراءة، وعند أقرانه. هذه الفئة، من المشتغلين بالكتابة، في الغالب رقيقة الحال، محدودة الدخل، منطوية على نفسها أو منطلقة، سليطة اللسان أو مربوطة اللسان، والبعض من هؤلاء ل...

المهاجر التركي

في رواية "إيفالونا" للروائية التشيلية "إيزابيلا الليندي" تتوطد علاقة رسمت خيوطها الصدفة، لتشكل مفصلاً من أهم مفاصل هذه الرواية التي شقت الطريق واسعاً أمام هذه الكاتبة، التي نقلتها الصدف، وربما الأقدار، من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، من مدرسة الجد الجنرال الليندي إلى مدرسة الرأسمالية بكل نعيمها وجبروتها. ...

وظائف العين

في الأفلام المصرية القديمة، وكذا على أرض الواقع، إبان الوجود العثماني وبعده، قد تجد من يُقدم أو يقدم نفسه، في المناسبات العامة، وفي دوائر صنع القرار، بأنه "من الأعيان"! وكانت هذه الصفة تعني أن المذكور عاطل عن العمل، لكن لديه أو لدى أسرته قدراً من الثروة التي تدر عليه دخلاً ثابتاً أو متقطعاً، أو لديه عقارات...

أهل الحداثة!

في جدة، كان أول لقاءاتي بمن صاروا يلقبون بالحداثيين أو المجددين في الأدب السعودي، عندما كان يستضيفنا الصديق العزيز فهد الخليوي في منزله، وكانت نقاشاتنا وأحاديثنا حول أحدث الروايات والدراسات التي تتصف بالخروج على السائد والمألوف في كل حقول المعرفة. وبعضنا كان يذهب بانتظام إلى "استديو" في شارع الملك عبدالعزي...

ازرع قوتك!

كان مصمم الأزياء الفرنسي الشهير "بيير كارادان" يفتخر بأنه يزرع ما يأكله في حيز من حديقة منزله، حتى يضمن غذاء خالياً من الكيميائيات! وقد اتخذ هذه الخطوة، عندما بدأت التجارب والدراسات الهادفة إلى توفير فاكهة أو خضراوات الصيف في الشتاء، والعكس صحيح! وهو ما أصبحنا نراه الآن. أنواع متعددة من الخضراوات والفواكه...

يا والد

تشعر أنك قد دخلت في دائرة كبار السن، عندما تسمع نداء: يا والد، أو يا عم، أو يا خال! النداء من الخارج هو الذي يجعلك تدرك أن مرحلة جديدة من تداعيات العمر قد دخلت أو هي في طريقها إليك. تحزن أو تقول باستهانة: "كل وقت ما يستحي من وقته!" وإذا كنت مستهتراً فإنك سوف تطرح السؤال الاستنكاري: هل هناك أحد خرج من الدن...

جدة.. مهمة يحيى حقي!

عندما وصل "يحيى حقي" إلى جدة العام 1929 ليباشر عمله في السفارة المصرية، كان في الثانية والعشرين من العمر، والعمل في جدة كان بداية مشواره الدبلوماسي. سكن ببيت "باناجة" في حارة الشام، وهو يصف هذه الأسرة بالثراء الواسع، وأن لهم عمارة كبيرة في ميدان "باب اللوق" بالقاهرة، لكن صاحب "قنديل أم هاشم" ذاق الأمرين من...

أهل الهمم

لفت نظري في وسائل الإعلام الإماراتية، غياب كلمة "المعوقين" أو ذوي الإعاقة، لتحل مكانها كلمة "أصحاب الهمم" وهي عبارة جميلة ومؤثرة، تعطي دلالة بأن العلة لن تكون عائقاً أمام من يتحلى بهمة عالية، تخترق الصعاب. ومن هذا المنطلق رأينا عديداً من هذه الفئة، قد وصلوا بفضل هممهم وإصرارهم، إلى أعلى المراكز العلمية وال...

عام زايد آل نهيان

تعودت القيام برحلة سنوية في شهر نوفمبر من كل عام إلى دولة الإمارات، لكن محطتي الأساسية غالبا ما تكون إلى أبو ظبي أو دبي، ومنهما "أُخرم" على الشارقة، لساعتين أو ثلاث، أزور خلالها معرضها السنوي للكتاب، وهو معرض فاخر لم أستطع تسجيل ملاحظة واحدة عليه، رغم أنني أرتاده للمرة السادسة على التوالي؛ ففي هذا المعرض ك...

مدلول الكلام!

كان الرجل في الحجاز حالما، يجلس مع صديقه، يبادره بالسؤال الاستفهامي: هات الهرجة؟ والمعنى: ما آخر الأخبار أو الأحداث المتداولة أو التي سمعها ذلك الصديق. و»الهرج» عند أبناء البادية والحاضرة في الحجاز، هو الكلام، وقد قال عبدالله اللويحان دلالة على هذا التماثل بين أبناء البادية والحاضرة، مطالبا بالاختصار في ال...

هواتف سادت ثم بادت!

لسنوات خلت كنت في كل مساء، وقبل الدخول إلى غرفة النوم أعمد إلى سحب فيش التليفون، فقد كان من "الآفات" الكبرى في عديد من المنازل، وفي بعضها كان باباً للأحاديث الحميمة والغزل والمعاكسات والمكائد؛ فقد كانت "الهواتف"، إذا نام أهل المنزل، أو إذا خرجنا إلى أعمالنا، تستغل أسوأ استغلال من بعض عاملات المنازل، خصوصاً...

الكرماء!

أترك الأخبار والمعلومات المغلفة بورق السلوفان، لأدخل في الملامح والوقائع، التي لا يمكن تغليفها، لكننا نحن العرب أو المسلمين، نحرص غاية الحرص على الباسها ثوباً غير ثوبها، بحجة الحرص على العادات والتقاليد مرة، وبحجة الحياء واللياقة والأدب والذوق مرات. فالمريض المقبل على الموت تجد من يقول عندما يسأل عن حاله: ...

جدة.. أم الرخاء والشدة

كنت أذهب إلى جدة بانتظام، قبل أن أختار الاستقرار في الرياض، في تلك الأيام الخوالي كنت أركب التاكسي من المدينة إلى جدة، وكانت غرفتي الفندقية، كرسي شريط في طريق المدينة، أو طريق مكة، بريالين في الليلة، والمواصلات بواسطة خط البلدة، والأكل غالباً لا يتعدى فول «القرموشي» أو «شاورما» شاكر! أما الهدف من وراء تبذي...

أرض الشمس الساطعة!

عندما نزلت في مطار "هواري بومدين" في الجزائر، منذ سنوات طويلة، كان يدور في ذهني سؤال واحد: أين هي الشمس الساطعة ذات الطعم الخاص، التي تتميز بها مدن جزائرية غير طعمها في كافة البقاع بما فيها الجزيرة العربية، والتي تتميز شمسها بكرم وافر، تتمنى معه أحياناً أن تحتجب ليوم أو أكثر لصالح المطر والغيم والهواء المن...

ملاذ آمن!

أين تذهب إذا كانت شريكة حياتك من النوع "الزنان"؟، التي لا تترك لك الفرصة لالتقاط الأنفاس، وأنت عائد للتو من ساعات عمل طويلة، ولن تتركك مرتاحاً مع صحيفتك، أو برنامجك التلفزيوني، في حالة مثل هذه، هل تختار التجوال في الشوارع، والجلوس في المقاهي، أو النوم لساعات طويلة، أم تعطيها دماغك، لتأخذ منه ما تشاء، وتترك...

شركة استثمارية

اتصل بي مندوب قائلاً إنه ينتمي لشركة استثمار دولية، وأنه يضع أمامي فرصاً استثمارية واعدة، وأن شركته، اختصتني بتقديم هذه الفرصة كوني من الناشطين في الاستثمار بالأوراق المالية! وقد باءت جهودي بالفشل في إقناع المندوب اللحوح بجهلي المطبق في الاستثمار المالي والعقاري والتجاري، وأن شيئاً واحداً، مازلت أحاول إقنا...

مقاهٍ وسط المدينة

منذ ربع قرن قمت بزيارة أمانة منطقة الرياض، وقد عرجت بعد تلك الزيارة، للسلام على صديق، كان يعمل مديراً لصحة البيئة، وكنت من المحبين لمجالسة ذلك الرجل، لعدة أسباب، صدقه، وحرصه على تنفيذ الأنظمة، بدقة، إضافة إلى ذلك كرمه، وطيب نفسه، وخفة ظله، والأكثر من ذلك، حلمه أن ننتقل، إلى حيث تكون عادات المواطن الأوروبي ...

حوض البقر

قبل سنوات طويلة سافرت إلى مكة المكرمة، وكنت للتو قد انخرطت في السلك الوظيفي، كنا مجموعة من الشباب، انتدبنا من الرياض، وكنا نقضي سهرتنا وننام في منطقة يقال لها «حوض البقر» ولم يكن ينافسها في هذا الاسم الطريف سوى منطقة يقال لها «اللصوص»! كانت الأسماء غريبة، لكن مثلها موجود في عديد من المدن. القضية ليست هنا،...

مفارقة الواقع!

ليس الكتّاب فقط، هم الذين يفارقون الحياة في لحظة يأس، حصل هذا مع المطربة «داليدا « المصرية/ الفرنسية، بنت شبرا، التي تميز صوتها بالقوة والانطلاق والفرح. لم يكن أحد ليصدق، أن هذه الفنانة الاستعراضية المنطلقة، سوف تتمدد على سريرها، بعد أن أخذت جرعة الموت، في لحظة يأس، من الواقع، من أهلها، من الوسط الذي تعيش ...

معاصر لثلاثة عهود!

تعرفت مبكراً على «محمد حسين زيدان»، كنت وقتها أتلقى الدرس، وفي المساء أنصت يومياً عبر الراديو في روشان منزلنا إلى صوته، وهو يرسل خطرات «تمر وجمر»، متحدثاً بعفوية عن أحداث، وذكريات، عبر بها، أو سمعها، أو تأثر بها. وأقرأ له في الجريدة «كلمة ونصف» كلمة مثل البرقية، لكنها نافذة وصميمة. تحس وأنت تستمع إليه، أو ...