فضيلة الفاروق


رواية دونكيشوتية لنجوى بركات

لا يمكن لقارئ رواية "مستر نون" لنجوى بركات أن يخرج سالماً من نصها، إنها ملحمة دينكوشتية معاصرة، تفرد واقعنا المعيش أمامنا تحت أشعة ساطعة، كل تفصيل فيها سنراه بمكبّر غير عادي، كل سلوك، كل حركة، كل النتائج الخاسرة لحياة بنيت على ارتباك قديم، ستتوضح بالقدر المؤلم الذي يقتلع قلوبنا من أمكنتها، ليس لأن الأحداث ...

شخصيات أدبية محيّرة

المبدعون الحقيقيون يبتكرون شخصيات لا تموت بموتهم، رنيه غوسيني نموذجًا، هو الذي لم يعش طويلاً؛ إذ توفي وهو في الواحدة والخمسين من عمره، لكنّه ترك روائعه لأجيال بعده، فأسعد الصغار كما أسعد الكبار باقتناص تلك اللحظات المشتركة بين أطفال العالم. ابتكر غوسيني شخصية "نيكولا الصغير"، ولن تدهش الأطفال فقط عبر سلس...

بارومتر التحضر

مهما عبّرت عن احترامي و إعجابي بالفنان الكبير وحيد جلال وكوكبة فناني زمنه مثل جهاد الأطرش، وسمير شمص، وسامي كلارك، والراحلين منهم مثل هند أبي اللمع، وإبراهيم مرعشلي ومحمود سعيد، وغيرهم، فلن أمنحهم حقهم، لقد صنعوا طفولتي بأصواتهم فائقة الروعة، ولفظهم السليم للغة العربية، وإلى اليوم وأنا في الثانية والخمسين ...

هاندكه ليس لصًا

يخبرنا بيتر هاندكه الحائز على نوبل 2019، أن اللغة تغيّر الكاتب؛ لأن هذا ما يحدث له حين يكتب باللغة الفرنسية، يقول أيضًا في مقابلة قديمة أجراها معه فرانسوا بوسنيل في برنامجه "لا غراند ليبريري" (المكتبة الكبيرة)، إن الكتابة أكبر مغامرة عرفها في حياته، فمادته تصله حين يبدأ بالكتابة، "أنا لا أملك خططًا لما أكت...

كتاب في مصيدة

خلال مسيرتي الأدبية والإعلامية حرصت على احترام الجادين ودعم نتاجهم، لا لشيء إلا لأن - كما يقول المثل - لا يبقى في الوادي غير حجارته. خلال الثلاثين سنة التي عرفت فيها نجوماً في الأدب والفن، والمجتمع، لم يغشني البريق المزيف لأغلبهم، لقد أدركت باكراً أن الأشياء الثمينة لا نصطدم بها على الأرصفة، أو في كل مكا...

المترجمون خلف الستارة

لا أحد وصف أهمية المترجم كما وصفها الكاتب خوسيه ساراماغو في قوله: "إن أدب كل أمة يصنعه كُتّابها بلغاتهم، أمّا أدب العالم فيصنعه المترجمون"، فقد ارتبطت عالمية كُتّاب بوزن ساراماغو وغيره بمترجميهم، سواء من باب الترجمة الصحيحة للنصوص، أو حفاظهم على الروح الحقيقية لها، أو بخياراتهم التي غالباً ما تكون ضربة حظ ...

تعساء المسرح

في القرن السابع عشر الميلادي كان كل من يتعاطى التمثيل مُحرّماً عليه أن يدفن في مدافن المسيحيين، فقد كانت الكنيسة الكاثوليكية تعتبرهم كائنات شريرة تسيء للأخلاق العامّة، لهذا اختفى ممثلون ومسرحيون خلف اسم مستعار لحماية سمعتهم، وشرف أسرهم الذي قد يلحقه العار. هذا بالضبط ما جعل مؤسس المسرح الفرنسي جان باتيست ب...

ملوك القراءة في الهند

في العام 1954 أسس هربرت موشيل في نيويورك بالولايات المتحدة وكالة أنباء توزع الأخبار المالية للشركات أطلق عليها اسم PR Newswire والتي تعتبر من أهم وكالات الأنباء والمراجع لتأكيد معلومات بالأرقام، توفي هربرت سنة 2003 لكن وكالته تحوّلت إلى عملاق إعلامي تعتمد عليه أهم شركات التسويق لمنتوجاتها ومن بينها شركات ت...

أحلام والتر الصغير

هاجر مزارع ذو أصول إيرلاندية إلى أميركا، والتقى شابة ذات أصول ألمانية تعمل كمُدَرّسة، تزوجا سنة 1888 في مدينة أركون بفلوريدا وأنجبا خمسة أطفال أذكياء، من بينهم الصبي والتر الذي ولد سنة 1901. يصعب على أبناء المدن الحديثة أن يتخيلوا طفولة هذا الصبي الحالم مع أخوته، وهم يركضون في مزرعة شاسعة، وينتظرون مرور...

مغامرة البحث عن الكنز

يبدأ الموسم الأدبي (أو الدخول الأدبي) الفرنسي في خريف كل سنة، فتقوم الدنيا ولا تقعد في كل أنحاء فرنسا، بل إن هذه العدوى أصابت البلدان المجاورة وامتدت إلى أميركا ليصبح حدث الدخول الأدبي حدثا عظيما، فتوزع الإصدارات الجديدة على المنابر الإعلامية المختلفة، ويُبرمج الكُتّاب للقاء قرائهم في المدارس والجامعات وال...

الغادة الدمشقية الفريدة

في الخامسة عشرة من عمري خطفت غادة السمان قلبي، بصفحتها "لحظة حرية" في مجلة توقفت عن الصدور في بداية هذا القرن. فقد حملتنا على أجنحتها آنذاك وعلّمتنا أصول الطيران. لم تغضب غادة لا من منتقديها ولا من ناقديها، لا من الناقمين عليها ولا من محاربيها، فقد بقيت وفية لمبادئ يندر أن نجدها اليوم عند كاتبة عربية. لن...

التاريخ لمن يحفر اسمه

يسأل جورج ويستينغهاوس منافسه اللدود توماس إديسون: "لماذا تحفر اسمك على كل اختراع تافه تطلقه في السوق؟" وسيجيبه إديسون: "لأننا بعد أن ننير العالم لن يتذكرنا أحد". تتحقق نبوءة المخترع الشرس إديسون، فبعد أن أنير العالم، نسيت الأجيال الجديدة جورج ويستينغهاوس ونيكولا تسلا المهاجر الصربي الذي حمل ذكاءه الخارق...

الصحافة الثقافية إلى أين؟

في الوقت الذي نشعر فيه أن الوعي الثقافي في ازدياد، من إقبال على القراءة، وورشات للكتابة، وتوقيعات كتب، وعروض مسرحية ونوادي كتب، وإطلاق مشروعات ضخمة مثل العواصم الثقافية، نلاحظ شبه غياب للصحافة الثقافية على المستوى العالمي عموماً، والعربي على وجه خاص. وإن كانت بعض القلاع الثقافية لا تزال صامدة ومنها جريدة...

قراصنة

يتجاوز عدد الكتب التي تروي مغامرات القراصنة باللغة الفرنسية الأربعة آلاف كتاب، وباللغة الإنجليزية الخمسة آلاف، أما في اللغة العربية فلا أعتقد أن هناك كماً كبيرًا من هذه القصص غير ما ورد في ألف ليلة وليلة من مغامرات والقليل جداً من التراث المغاربي الشفوي. من قراصنة الكرتون إلى قراصنة العالم الإلكتروني كوّ...

عن أخطر أبواب الحب

وإن أخطر باب للحب هو باب الكتابة، وأسوأ نهاياته هي تلك التي تحدث حين تلفظ الكتابة أنفساها الأخيرة! الأمر يتعلّق هنا بسر عظيم يسكن أصابع الكُتّاب والمَلَكات الأدبية، حين يخبو هدير الكلمات المنبعثة من الداخل، فهذا يعني أن العلاقة المتأججة بين اثنين قد انتهت، نحن هنا لسنا أمام امرأة ورجل عاديين، تزوجا لتأسيس...

كاتب الشباب

يقال فيما معناه إن أميركا تعلمك كيف تؤكل الكتف، وهذا ما يتعلّمه الكُتاب الذين يلجأون إليها لتعلم قواعد الاستحواذ على عقول أكبر نسبة من القـرّاء، ولعل النماذج كثيرة؛ لكني سأتوقف اليوم عند الكاتب الفرنسي غيوم ميسو، الذي أصدر كتابه الأول سنة 2001، ولم يجد أي صدى في الوسط الأدبي، فقد كتب لفئة من القرّاء لها كُ...

عمر الأدب

اللغة مخادعة، إذ لا يمكننا أن نفهم محمولاتها بمقصد كاتبها تماما، ثمة في مسارات التلقي والإدراك ومحاولات الفهم والاستيعاب تأويلنا الخاص للمعنى، هكذا تعيد القراءة إنتاج النص من جديد، وكلما تعدّدت القراءات كلما تجدد النص وصعب قتله، وموت النص بالمعنى المجازي يشبه حكاية موت الكاتب التي نادى بها دعاة نظرية التلق...

آخر جيل بدائي

كنت طفلة على عتبة المراهقة حين اقتنينا التلفزيون أول مرة، والهاتف أبو الأرقام الدوّارة، والسماعة الثقيلة الموصولة بشريط لولبي لقاعدة الهاتف، استبدلنا التلفزيون القديم (الأبيض والأسود) بآخر جديد ملون وأنا صبية في الثانوي، عشت زمن الراديو الضخم الذي يشغُلُ زاوية من غرفة الجلوس، قبل أن يتحوّل إلى ديكور، ثم ع...

أبو الفنون

اختلف جمهور المسرح على مدى قرون، منذ كان مسرح العنف يجذبه للفرجة، إلى أن تحول إلى مكان تقصده الأسر النبيلة والبرجوازية، ورجال الطبقة الحاكمة من ضباط وديبلوماسيين، ورجال مال، وقد وصل إلينا متأخراً بعد أن أصبحت أبواب المسارح تفتح للطبقات كلها في منتصف القرن الثامن عشر، ودخل إلينا من بوابة الغرب إلى الشام أول...

بُشْرى للمترجمين

انتعش قطاع الترجمة في حقبة معينة من الزمن العربي غير المستقر على حال، ثم بدأ يتراجع لأسباب عديدة، منها تردي مستوى التعليم في بعض الدول العربية الشهيرة بالنشر، ثم انهيار عملتها الوطنية واستبدالها بالدولار، ثم تراجع فضاءات تسويق الكتاب بسبب الحروب، وقلة القراء لأسباب اقتصادية كثيرة، لكن مؤخراً عاد هذا القطاع...

جوخة العالمية

سال الكثير من الحبر بشأن فوز الكاتبة جوخة الحارثي بجائزة مون بوكر العالمية، والمؤسف أنها قُيِّمت من خلال لباسها، وكأن الإبداع يستلزم بدلة خاصة، كما قُيِّمت من خلال "النفط الخليجي" وكأنها تتربع على آبار من البترول وخزائن من المال، إذْ نُسِفت درجتها العلمية تماماً، كما أصولها المنحدرة من بيت مثقف وشاعر.. ف...

تجربة المئة عام

تبنى المثقف العربي تيارات فكرية عديدة منذ مطلع القرن العشرين، وعلى مدى مئة عام كتب في كثير من الموضوعات، وفتح سجالات ونقاشات كبرى امتدت من الخليج إلى المحيط، كردة فعل عن كل ما حدث من نكسات وانتصارات بملء جوارحه، ويمكن اعتبار انتصار الثورة الجزائرية على الاستعمار الفرنسي منحى مهماً في تاريخ المنطقة كلها بما...

مسافة أمان

ينتهي الموسم الدرامي نهايات حزينة في غالبه هذه السنة، ثمة كآبات كثيرة طغت على الفضائيات كلها، أمام تراجع المشاهد عن متابعة أعمال "الهبل الكوميدي"، الذي يتحفنا به بعضهم لإضحاكنا، بتفضيل الأعمال الجادة. وقد حفر كُتَّاب السيناريو في تراثنا كما في واقعنا المعاصر لإيجاد ما قد يرضي الجمهور ويثيره، حللوا أخطاء ال...

الكاتب بدون قوقعته

تُرى إلى أين يريد أن يأخذنا الأخوان حنّا بعملهما الدرامي "الكاتب" ؟ هل يمكن للعالم المنزّه للكتاب والمثقفين أن يكون مليئاً بازدواجية قاتلة؟ لقد تعوّدنا أن نتحدث عن تلك الازدواجية خارج إطارِ المكتوب، تملأ حكاياتنا فضاءات المقاهي والمجالس الخاصة، عن كل النعرات التي يتصف بها بعض الكتاب، نعرف أن الكاتب فلاناً ...

المبتذل في الأدب

يكتب و كأنّه يقف أمام قارئه غاضبا ويبصق الكلمات المبتذلة على أنواعها في وجهه، يقتني تلك التي تثير الإشمئزاز، والغثيان، والقرف، ويطرّز بها نصه، تبدو الأمور وكأنّها تصفية حسابات قديمة بينه وبين أحدهم، ولكنّه في فورة الكتابة يُشرِك الجميع في حفلة غضبه تلك... سنة 1930 كتب آلدو هاكسلي كتابه "الابتذال في الأدب"...

إكسسوار ثقافي

يبدأ الموسم الرمضاني بغزو درامي تلفزيوني ضخم، يضيع المشاهد بين نتاجاته، حتى إن البعض يعتزل التلفاز تماما ويفضل مشاهدة ما يريد على قنوات الإنترنت. لكن عموما لم تعد الدراما تجمع الأسرة، فبعد تنوعها، واختلاف منتجيها حسب أهوائهم وأهدافهم، انقسم الجمهور أيضا، انتهت أيام «رأفت الهجان» و»ليالي الحلمية» و»رحلة ا...

كتاب متأخر

جملة واحدة أعادته إلى الماضي، اختصرت خياراته وكبواته، وأخطاءه التي لا تغتفر، شريط حياته كله مرّ أمام عينيه وحاسب نفسه كثيراً، ليس لأنه ارتكب تلك الفداحات في حياته، وليس لأن الكتاب أيقظ كل تلك الذكريات المطمورة، بل لأنه كان طيلة الوقت قربه كمنقذه ولم يهتم. أمسك الكتاب الذي نسيه صديق قديم عنده، وتذكر كل ...

ضمانات

هل أسست الجوائز الأدبية لاكتشاف أقلام جيدة، أو لمكافأة الكتاب الجيدين، أو لتسويق الكتاب؟ سؤال له الكثير من الإجابات، لكني أعتقد أنها الضمان الذي يؤكد صلاحية قراءة كتاب، وإن فشلت في هذا الأمر، فإن الجائزة لا معنى لها. إنّها باختصار تقدم نصيحة للقارئ وتختار له كتاباً ليقرأه. لهذا من أهم الشروط التي يجب أ...

الجريمة والأدب

لم أعرف الكاتبة الأميركية "لي إزرايل" إلا بالصدفة، بعد أن شاهدت فيلماً يروي جزءاً من حياتها بعنوان "هل يمكنك مسامحتي؟"، فيلم مؤلم عن كاتبة جادّة لم تأخذ حقها، بسبب استخفافها بطُرُق الترويج التي يقوم بها وكلاء الكُتاب في الغرب، للحصول على جمهور لكتبها، بدءاً بالاعتناء بالمظهر الخارجي للكاتب، إلى تلبية الدعو...

فجر المحرّق الرّهيب

الشيء الذي لا يمكنني أن أنساه خلال زيارتي للبحرين هو الفجر البحريني الفريد من نوعه، حين ترتفع أصوات المآذن إعلاناً لصلاة الفجر، وترتفع معها أصوات الطيور مُسَبِّحة بالخالق، لا مثيل لتلك الصلاة المفعمة بالرّهبة، وأنا أفتح عيني بعد نوم عميق في نُزُلِ مركز الشيخ إبراهيم، دون أن أشعر بأي إزعاج يُذكر، فقد تسللت ...