فضيلة الفاروق


قلق البوكر

كل سنة يصاب أغلب الكتاب العرب بقلق البوكر، كونها الجائزة التي نالت اهتماماً أكبر من غيرها، لهذا يلي إعلان قائمتها الطويلة، كثير من النقاش، والتكهنات، تزيد حدّتهما عند إعلان القائمة القصيرة، أما الرواية الفائزة وإن ظلّت محوراً لسجال طويل، فإن الأمر برمته يصبح محسوماً بحلول الدورة الجديدة. ومع هذا سأذكر أن...

عن الأذرية.. الخلابة الصامتة

ثمة أعمال تنبئ عن تميزها منذ الصفحة الأولى، ودون حاجة لترويج مكثف لها، تختطف القارئ سراً، فتسري في عروقه، كالمصل الحامل للشفاء، وتعتقه تماماً من وبال الأعمال السيئة التي وقع في شراكها بسبب الترويج الإعلامي. رواية لينا هويان الحسن، الصادرة مؤخراً عن دار الآداب، والحاملة عنواناً طويلاً "ليست رصاصة طائشة تل...

محنة الكاتب

يُقال إن دقّة تشارلز دكينز في توصيف الحياة اللندنية تعود لجولاته الليلية لساعات في شوارعها الفارغة، إذ وحده الليل كان قادرًا على إلهامه بما يجب كتابته. كانت تلك الساعات كافية ليختلي فيها مع نفسه ويحاورها، كما أنه دون أن ينتبه، كان يمارس رياضة المشي التي تساعده على تفريغ شحنات التوتّر اليومي التي يعانيها ...

مرض عائلي

أكثر من ألفي جائزة أدبية في فرنسا على الأقل تمنح سنوياً لكتب مختلفة أهمها الكتب الأدبية من بينها طبعاً أسوأ عمل أدبي والتي تحظى بالاحترام لأنها لا تخرج عن قانون تقييم الكتاب، وتقدير القارئ. تعج أوروبا والعالم الغربي بجوائز غريبة وعجيبة هدفها تسويق الكتاب، وقد أفردتُ مقالة عن هذا الموضوع سابقاً، أما في الع...

عملة أهل الكهف

يصنع البروفيسور الحاج أوحمنة دوّاق الحدث على مواقع التواصل الاجتماعي، بمقطع صغير يتحدث فيه عن عدة المسلم العقلية والعقائدية في الزمن المعاصر لتأهيل الذات، يصغي الجمهور العربي لخطابه العقلاني، النابع من خلفية ثقافية فلسفية عميقة، بشكل لم يحققه دعاة الفضائيات على مدى عشرات السنين. يخرج هذا الرجل بعباءة الف...

حشرات القصص

أعتقد أن هذه الأجيال الإلكترونية الهشة ترتعب لأدنى حدث غير عادي، مثلما حدث مع خبر اكتساح الجنادب الليلية للحرم المكي، انتشرت صورها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وحدّث ولا حرج عن الآراء الصادمة التي كشفت مدى جهل هذه الأجيال للطبيعة وأسرارها. إنّها أجيال لا تتعب نفسها حتى للبحث عبر غوغل عن تفسير علمي لظاهرة...

نقطة تحوّل

شهد العالم نقطة تحوّل رئيسة في تاريخ الأفكار في القرن الثامن عشر، وهو قرن الاكتشافات والتنظير العلمي، وطرح الأسئلة الفلسفية، والبحث عن حقيقة الأشياء. ولعلّ الأدب كان القاعدة الرّسمية لولادة الظّاهرة الفكرية التّنويرية، لأنّها سبقت كل التقنيات العلمية، كما سبقت الفلسفة التي أرادت أن تزيح ستائر الغموض عن م...

ابني اعتنق الإسلام

لم تتوقع السيدة البورجوازية الكاثوليكية كلارا سابين أن يعتنق ابنها "سيمون" الإسلام، كانت مخاوفها خلال تربيته تذهب نحو أمور أخرى، كالمخدرات، أو التقاط مرض مثل السيدا بسبب العلاقات غير الآمنة، أو غيرها من تلك السلوكات الغريبة التي يميل المراهقون لتجريبها في الخفاء. لكنها ذات فجر، سنة 2011 اقتحمت غرفته المضا...

الحياة داخل محبرة

لم ينجب العالم العربي مثيلاً لغادة السمان بعد، هذه الكاتبة الجبّارة التي منحت قارئها ومحاورها الكثير من الاهتمام، والاحترام. لقد تفرّدت في خطابها، وظلّت وفية لذلك التّفرُّد الذي لم تلوثه الميديا إلى يومنا هذا. فوحدها كتبت من عمق تجربة حقيقية، مختبرة المجتمعات العربية والغربية بما أوتيت من حدس وذكاء، وسجّ...

قهوة وكتاب

اشتهر صالون مي زيادة الأدبي عربياً، ولم يبلغ أي صالون شهرته رغم انتشار الظاهرة في إحدى الحقبات التاريخية في القاهرة وبيروت ودمشق وبغداد، منتقلة إلى المشرق من العاصمة الفرنسية المعروفة منذ منتصف القرن السادس عشر بصالوناتها الأدبية. لكن هذه المجالس تراجعت إلى أن اختفت تماماً لأسباب كثيرة يضيق المقام لذكرها، ...

حين تتحوّل الكتابة إلى مغامرة

يمضي الكاتب سعيد خطيبي في مشروعه الروائي بخطى واثقة، على مسار مختلف، إذ شق لنفسه خطًّا تجريبيا قلّما يختاره كاتب من كتاب اللغة العربية، واضعاً أمام عينيه الأسئلة الخطيرة التي تبحث في أعماق الإنسان. في كتابه "جنائن الشرق الملتهبة، رحلة في بلاد الصقالبة" أقلع الكاتب في رحلة لاستكشاف الجانب الشرقي من أوروبا...

مُحاصرٌ بين قطبين

لو أن نجيب محفوظ حي يرزق لاحتفلنا بذكرى مولده المئة وخمس سنوات، ولا أدري هل يعني هذا الرقم شيئاً لقرائه وأسرته وجيرانه وأحبته وسكّان الحي الذي كان يقطن فيه، وروّاد المقهى الذي كان يجلس فيه حيث لم يبارح طيفه المكان؟ سيسأل البعض ماذا يعني ذلك؟ وسأجيب بسؤال: ماذا يعني للطفل ادّخار قطع نقدية صغيرة في حصّالته...

تسالي

الثقافة ترياق للعنف يدعونا لفهم الآخرين ويعزز مشاعر التسامح فينا، فكلما ارتفع مستوى الثقافة في مجتمع ما، كلما ارتفع منسوب التفاهم بين أفرادها، لأنّها وَحْدها تعلمنا كيف نصغي ونتأمّل ونفكّر. وقديماً قيل إن التسلية تجمع والثقافة تفرّق، وهذا جانب مهم علينا أن نقف عنده بنظرة عادلة، لندرك المعنى الحقيقي للجمع ...

مسألة ثقة

في الوقت الذي نبحث فيه عن جوائز بمبالغ خيالية، ونرفع تحدي الإبداع والقراءة بالأرقام التي تهزُّ الأفئدة، تضج أوروبا بأعرق جائزة فرنسية "غونكور" التي حددت قيمتها بمبلغ يقلّ عن العشرة يورو، وهي على مدى قرن وخمس سنوات لا تزال تصنع الحدث الأوروبي والعالمي، ما دامت قد توجت أدباء يستحيل أن يجدهم القارئ وهم مطمورو...

حين يصنع الكتاب الحدث

ظاهرة تبدو جميلة وجديدة على معارض الكتاب في عواصم عربية عديدة، منها الرياض، والجزائر، وأبوظبي، حيث صغار العمر يقبلون على اقتناء الكتب بشراهة لم نعهدها، وهذا لا يمس الأطفال فقط، بل الفئات الشابة على مختلف أعمارها. وإن كانت المناهج العلمية لم تتغير كثيراً خلال السنوات الأخيرة، إلاّ أن هذه التغيرات الحميدة ال...

جوائز غريبة

ليس غريباً على الغرب أن يجد طرقاً غريبة للترويج للكتاب، وتسويقه، فقد ابتكر الجوائز لرفع مستوى المبيعات للمادة الأدبية، ولجذب أكبر عدد ممكن من المبدعين والمعلنين لتمويل جوائزهم، وقد اتضح أن الجائزة مهما كان نوعها فإنها تظل جائزة، ولها من السحر ما يكفي لتستقطب جمهوراً جيداً. من أغرب هذه الجوائز «جائزة الان...

رسالة

عزيزي الدكتور الشاعر، سلام أمّا بعد.. فكرت مليا قبل أن أكتب لك، وكنت قد فكرت أكثر وأنا أقف أمام مجموعتك الشعرية في أحد الرفوف في مكتبة تعوّدتُ اقتناء كتبي منها، ترددت أولا قبل أن أفتح الكتاب، ففي الغالب كل من يضع حرف الدال قبل اسمه، يشعرني بالتقزز، ليس لأن مرتبته العلمية تقززني، لا والله؛ بل لأن النص الشع...

سرّ القراءة النّاجحة

تتصل بي إحدى صديقاتي وتسألني عن كيفية التركيز في القراءة، فهي تحب القراءة، ومع هذا حين تقرأ تتشتت، وأحياناً تضيع تماماً بعيداً عن محتوى النص بالرغم من أنّها لم تتوقف عن القراءة. فما الذي يحدث للقارئ فيفقد تركيزه؟ إن لم تسمعوا من قبل بقاعدة «القراءة التزام» فمقالي اليوم يهمكم جداً، فالقراءة مثل أي فعل آخر...

أحفاد سيرفانتس

إذا كان ميغيل دي سيرفانتس بطيبة أهل هذه المدينة الإسبانية، وهو الذي وقع أسير القراصنة الجزائريين، وأودع السجن خمس سنوات كاملة، حتى دفعت أسرته فدية لاسترجاعه، فقد وجب عليّ أن أعتذر له.. فهذه المدينة السعيدة التي قضيت فيها أسبوعا لا مثيل له في كل سفراتي، كوني أمضيته في مدينة سيرفانتس «ألكالا دي هيناريس» بين...

ربع ساعة من التصفيق.. لا تكفي

يتحمّل زين، أحد أطفال الشوارع، حمولة ثقيلة على عاتقه.. إذ في خلال رحلة عبر يومياته بين الشوارع، سنكتشف حجم المأساة التي أوجد فيها.. طفل يتحمل المسؤولية بوعيه الصغير، فيحاول إنقاذ أخته من زواج مدبر لها وهي لاتزال طفلة، ولكنّه يفشل، يطعن زوجها بسكين، ثم يهرب محاولاً إيجاد مأوى لنفسه بعد مغادرة «بيت» والديه. ...

حياة أجمل من كتاب

إن الكارثة الحقيقية التي يمكن أن تحلّ بكاتب هي حين يسبق زمنه بأفكاره، وفي تاريخ الأدب على مدى عدة قرون، دُمّر بعض الكتاب بتهميشهم لهذا السبب. عاشوا حياة مزرية حتى الموت، مارسوا أعمالاً شاقة ليوفروا لقمة عيشهم، وجدوا أنفسهم وسط مجتمعات مستذئبة نهشت أجسادهم بكل وحشية، قتل بعضهم، سجن آخرون، وذاق كثرٌ منهم مرا...

أشرار القصص

هل يمكن للأدب أن يحوّلك إلى شخص شرير؟ ذاك المليء بالألاعيب التي تهيّج غريزة العنف والمُحاك بخيوط الشرّ كقاعدة لمسار حكائي مثير. الأخوان جاكوب وفيليهلم غريم جمعا القصص الشعبية الألمانية حتى لا تندثر في القرن التاسع عشر، وقبل أن تصلنا في صيغتها اللطيفة المحببة للأطفال المدعومة بالرسوم السّاحرة، كانت محشوة ...

مسألة ذوق

رُفِضت مخطوطة الكاتب الجمايكي مارلون جيمس «شيطان جون كراون» سبعاً وسبعين مرة من طرف دور النشر التي راسلها، حتى شعر أن الشيطان سكن المخطوطة فعلاً فتخلّص منها، ورمى بجهازه حتى لا يراه، بعد فترة ليست بالقصيرة، فتح جهازاً قديماً كان قد استغنى عنه، فقفزت إليه المخطوطة مرة أخرى من بين بريده، ففكر أن يرسلها للمرة...

الأدب والأسماء المستعارة

بدأت قصة الأسماء المستعارة مع الكاتبة البريطانية ج. ك. رولينغ وكأنّها قدر فُرض عليها، إذ إن اسمها الحقيقي «جوان» كما قالت لا أحد يناديني به إلاّ إذا كان غاضباً مني، أما اسم «جو» فهو أقرب إليها وإلى الذين يحبونها، وقد حمل دوماً نفحة من الدفء المحبب لقلبها. ج. ك. رولينغ اختصار لـ»جوان كاثلين رولينغ» بحيث إن...

كنموذج من أدب الفضائح

لم ينل الكاتب الفرنسي «بيير كوديرلوس دو لاكلو» مرتبة النبل إلاّ بصعوبة، فقد انتمى إلى أسرة من عامّة الشّعب، وقد أجبره والده ليلتحق بالجيش، لتتغيّر حياته، رغم أنه برع في الريّاضيات ولم يكن يشبه المؤسسة العسكرية في شيء، بل إن البعض صنفوه على أنه عسكري فاشل، وهذا جزء من نقمته على تلك المؤسسة التي سيطر عليها ن...

متلازمة الشعر والفقر

في حوار قديم بين شاعرين كبيرين هما الفلسطيني عز الدين المناصرة، والمصري أحمد عبدالمعطي حجازي منتصف الستينات، قال حجازي: «عندما يستطيع الشاعر أن يضع شعره في أشكال أخرى غير القصيدة قد يعيش من أدبه»، مضيفاً أنّ «قلّة جداً من الأدباء عاشوا من أدبهم وليس بينهم شاعر واحد»، ولا أدري إلى أي مدى كلام الشاعر صحيح، ل...

أكاذيب الأدب

تقول المعطيات النقدية الغربية أن الأدب وليد الأكاذيب، كما في الأوديسة وبطلها الأسطوري أوليسيس ذي الأحاديث الغامضة، ومغامراته التي لا يصدقها العقل، وحسب المعطيات نفسها فإن الحقيقة التي كانت دوماً جارحة، لم تتناسب مع الأدب الذي استعمل الحيلة أحياناً لإيصالها بطريقة مغايرة، وأحياناً أخرى مشرطاً سحرياً شذّبها ...

تحنيط

نسرد ونعدُّ عظماء الشعر القديم، ونتوقف دوما عند حدٍّ جارح يفصل الماضي «الجميل» عن حاضرنا البائس، تتشابه هذه «السّرديات» العجيبة في كل حقبة من حقب أعمارنا، وإن كنت اليوم لست صغيرة في السن، وقد عشت نصف قرن بالتمام والكمال، لهذا أعتقد أنّ شهادتي يجب أن تؤخذ في الحسبان، فنحن في خلال هذا الكرنفال المتكرر ننسف ب...

البوهيمي يروي حكايته

يخلق الولد وتخلق حربه معه، كل جيل عربي جديد ينبثق من حرب ويخوض حربه، هكذا يمكن اختصار كتاب الشاعر اللبناني فيديل سبيتي «لماذا تركتني في الثورة وحيدا؟». الشّاعر الذي وجد نفسه على ركح الثورة وحيدا، مثل مقاتل أخير، يتأمل ساحة الوغى وقد فرغت إلا منه، هو الذي لم تستهوه لعبة حمل السلاح وإزهاق الأرواح منذ البد...

تلك الكلمة..!

اختلف إيميل زولا في طريقته في الكتابة، فهو لا يكتب إلا إذا بحث، وسأل، وجمع أطراف الحكاية، لقد أدرك منذ البداية أن منبت كل حكاية هو الواقع المُعاش، فكان يسأل، ويصغي، ويتحقّق، ثم يدخل في رحلة بحث بين الكتب والوثائق وكأنّه ينجز مادة أكاديمية، ثم أخيراً يجلس إلى أوراقه، يكتب ويمزق ويرمي عشرات الأوراق ا...