عناوين الرياض اليوم | بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات |  Riyadh Daily   

Friday 31 January 2003 No. 12642 Year 38

الجمعة 28 ذو القعدة 1423العدد 12642 السنة 38

  أبا خالد.. إلى رحمة الله!!

د. فيصل عبدالعزيز المبارك

فجع الكثير بوفاة الشيخ حمد بن علي بن عبدالله المبارك، رئيس مجلس إدارة صحيفة اليوم منبر الصحافة في المنطقة الشرقية، والتي تولى قيادتها لاكثر من ثلاثة عقود. غيب الموت يوم الاثنين السادس والعشرين من شهر شوال الماضي نجما ساطعا تألق في سماء المنطقة الشرقية عرف عنه الحب والخير ومساعدة القاصي والداني. الموت هو سنة الحياة وختام وجودنا في الدنيا وبداية الاخرة، ولكن نهاية اي إنسان لابد وان تجد الحرقة واللوعة في قلوب ذويه ومحبيه. الكل يستطيع ان يجعل من فقيدهم رمزا تاريخيا لربما لمبالغة المحبين وحظوتهم تجاوزا. كذلك تركت وفاة الشيخ حمد حزنا عظيما لما تركه في نفوس أسرته وأصدقاء مسيرة الإنجاز العريض يتلألأ بأعمال الخير وحب الغير من عامة الناس وخاصتهم. وهو حمد بن علي بن عبدالله بن علي بن حمد آل مبارك آل راشد آل حمد، من آل أبو رباع من الحسنى من وائل من عنزة. استوطنت أسرته شعيب حريملاء وعمروها منذ أكثر من خمسمائة سنة. اشتهرت أسرة آل مبارك بالإمارة وطلب العلم، وترعرع في مدارس حريملاء وتتلمذ على الشيخ محمد بن عبدالوهاب أول سني حياته قبل ان ينطلق بدعوة تطهير الدين من الشوائب والبدع التي تفشت آنذاك جنبا إلى جنب وبمؤازرة الإمام مح
مد بن سعود - رحم الله الجميع.
دهش الذين حضروا جنازته رحمه الله لكثرة المعزين من أبناء أسرته وأهالي المنطقة الشرقية - يتقدمهم صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن فهد بن عبدالعزيز أمير المنطقة الشرقية - وغيرهم من مناطق المملكة، حيث غص بيته بالكثير ممن عرفوه من الوزراء وكبار المسؤولين ورجال الاعمال وكبار الأسر وغيرهم ممن وسمهم فضله سواء بالمساعدة المادية أو المعنوية، وممن ألفوا صدق العلاقة الخالصة التي جمعت بين المحبة وحسن العشرة لما عرف عنه من مقدرة مذهلة في متابعة أحوال الأقارب والأصدقاء وأصحاب الحاجة حتى وهو على فراش المرض. لو سألت الجميع لاتفق أولهم وآخرهم على تمتع الفقيد بخصال عديدة أهمها صلة الرحم ومساعدة الغير وحسن الضيافة، فلم يعرف عنه رده لمحتاج الذي كان يجد منه رحمه الله المواساة والرأفة.
عاش الشيخ حمد في المنطقة الشرقية ما يقرب من ستين عاما، جاء إليها وهي قرى صغيرة تقبع في سكون الماضي تعيش على الصيد وقليل من التجارة والزراعة، قرى تقبع بين واحات النخيل، قضى سنوات شبابه في ربوع الشرقية مما جعل أقاربه من أهل الرياض يميزونه عن غيره ممن حملوا اسم حمد من أسرة آل مبارك "بحمد الدمام" لطول الفترة التي قضاها متنقلا بين عدد من الوظائف القيادية والخيرية، قدم إليها وهي تفيق من سبات عميق على إيقاع نبضات صناعة النفط التي تفجرت به أرض الصحراء القاحلة كنوزا لم يشهد لها التاريخ مثيلا بمثل تلك الظروف. لقد اثبت جدارة نادرة منذ ان ولاه خاله الشيخ عبدالله بن عدوان رحمه الله وزير المالية السابق عددا من المهام التي كشفت عن خصاله النادرة.
منذ ذلك الوقت و"حمد الدمام" يسعى بين الناس بالخير يسأل عن المحتاج ويواسي المصاب ويآلف بين المختصمين بما منَّ الله عليه من خصال شخصية يندر ان توجد في غيره. وهنا نعود لخصلة رابعة لحظتها فيه تمنيتها في الكثيرين من أهل هذه الأيام ألا وهي الإيجابية في وجهة النظر، وعدم التجريح بالعيوب. ورغم تفشي ذكر الغير بالنقص في هذا الزمان إلا أنني لا أذكر أحدا إلا وذكره بالخير والحب واثنى عليه بمجرد ذكر أسمه أو أعرض عن ذكر من لا يتفق معهم. فقد كان رحمه الله يقف في طريق حاجة الناس، بينما الكثير يتوارون من المحتاج خشية التورط في مسائلهم. عرف عنه ترقب القادمين إلى الشرقية للعمل أو الاستطباب أو السياحة، كبارا وشبابا، وإذا تأخروا في طلب مساعدته يوبخهم على عدم زيارته، ليس حرصا منه على مكانته بينهم ولكن شعورا صادقا لما تمليه خصلة حسن الضيافة الفطرية المتأصلة فيه، يرى في ضيافته لهم حقاً لهم عليه لا تشريفا له. كان رحمه الله يعمل تلفونه بالاتصالات ويجوب بسيارته بحثا عن الاقرباء أو الأصدقاء اذا علم بقدومهم وكان يبادرهم باللوم والعتاب والتعليق المحبب إلى قلوبهم، بل كان يداهم أماكن إقامتهم طلبا لهم معاتبا إياهم خشية ان يقصر في حقوقهم.
لقد كان منزله محط القاصدين والمسافرين، وكان اهل داره نعم المضيفين لا يتبرمون ولا يلوون ألسنتهم بالترحيب تكلفا بل عن طيب خاطر ورحابة صدر. من القصص انه دعا أحد الاقرباء من صغار السن فتعذر بأنه مدعو عند صديق له، فما كان منه إلا ان بادر بالاتصال بذلك الصديق وطلب منه اما التنازل عن الدعوة وحضوره ضيفا مع زميله أو  إحضار الطعام إلى بيته مهددا إياه بسوء العاقبة بأسلوبه المعهود، وعندما سأل الضيف الشاب مضيفه عن ذلك التصرف المفاجئ بتغيير مكان الوليمة، قال له من يستطيع رفض طلب للشيخ حمد. جمع بين الوقار والمرح، أذكر أنه في إحدى المناسبات هدد ضيوفه بسكب ما يتبقى في صحونهم إذا لم يستكملوا ما فيها من طعام. كان رحمه الله يستدرج ضيوفه "بعدم التكلف" في السفرة اللهم ليفاجئ ضيوفه بما يستحقونه في نظره من حسن الضيافة بطيب خاطر. واذا اشترط الضيف البساطة رأيته لا يبتعد عن ذلك. كان يحيط ضيوفه بمناخ من البساطة والترحيب قل ان توجد في غيره. لم يأنف من الشيخ حمد إلا مخطئ أو حاسد لئيم، هذا ان وجد.
ندبه الذين أحبوه. وصفه الشيخ محمد بن زيد "بدماثة الاخلاق وسعة الافق وحضور البديهة"، وقال فيه خالد الزامل "كان يشيع في مجلسه المحبة والوئام"، وقال فيه الدكتور عبدالعزيز الدخيل "رعي (اليوم) حتى صنع منها صرحا إعلاميا كبيرا"، وقال فيصل الشهيل، "كان يكره التدليس والمكر والكذب والخداع"، وقال عنه الدكتور يوسف الجندان "بأنه ذو شخصية عظيمة تجعله كبيرا في نظر كل من تعامل معه، عرف عنه احترام المواعيد ولطافته في التعامل مع الاخرين"، ووصفه الدكتور علي العبدالقادر "بالصدق مع نفسه ومع الآخرين، وهو الذي أوصله لمكانة عالية في قلوب محبيه"، ووصفه عبدالله أبا عود بغزارة المعلومات، ومعرفته بالتاريخ والانساب، ذو إجابات رصينة شافية وكافية، ومقدرة فذة على سرد الوقائع التاريخية من ذاكرة حاضرة". وقال الدكتور عبدالواحد الحميد، انه كان يفتح أبواب بيته للجميع، ولم توصد طيلة حياته، كان مجلسه يضم العديد من شرائح المجتمع، وله أساليبه الذكية في إدارة الاحاديث، يعين المحتاج والمعوزين من أبناء المنطقة وغيرها من مناطق المملكة".
لم أعرف أحدا يلفت نظرك إلى خلل أو سلبية في تصرف قمت به أو عمل اديته بأسلوب لبق هين يغلب عليه التعليق النبيل كالشيخ حمد. كان يرحمه الله خفيف النفس، خفيف الظل، تشتاق القلوب إلى مجلسه، يستفيد منه الحضور لسعة علمه بالتاريخ والانساب وقصص الرجال، لا يدور حديث في مجلس هو فيه الا خرجت بعلم نافع أو تكشفت فيه حقيقة دفنت في ذاكرة الاحداث. عرف عنه سرعة البديهة، لم أذكر قط أنه تبرم للأوضاع العامة والخاصة، كان ثقيلا كالجبل، طويل القامة نحيل الجسم ذا صوت جهوري تتلاطم به حوائط المجالس، قوي الحجة، يجتاح المواضيع بحجة تجمع بين العلم والادب في المخاطبة وحسن تقدير الحضور. كنا صغارا نتراكض فرحا عندما نسمع صوته يهدر في دهاليز المنازل ويصيح الجميع جاء "حمد الدمام". كم منا اليوم يفرح الناس لقدومه كما حمد؟ كان عندما يقدم الرياض لا يقر له القرار حتى يزور أكبر عدد من كبار السن رجالا ونساء، ويختص المرضى والارامل والايتام. لقد تميز الشيخ حمد بأسلوب قريب إلى القلوب، يجمع بين التعليق الذكي الساخر والتقريع الفاضح لمن تسول نفسه إخفاء شيء عنه، تلقي بما في يديك من حجج واعذار احتراما وتبجيلا. لقد جعل الله في شخصه مزيجا من الخصال الجسمية والشخصي
ة قلما توجد في غيره من الرجال.
لا شك ان مشاعر الحزن والشعور بالوفاء تجتاح الكثير غيري وتغمر كل محب ولأي فقيد كان، ولكن الذين عرفوا حمد المبارك حزنوا على فراقه ليس إشفاقا لموته (فالله سبحانه نعم الرفيق وإليه نعود) ولكن حزنا على فقده وللفراغ الذي خلفه في قلوب محبيه من الذي عرفوه والذين لم يعرفوه، فوجئ أحد المسافرين لحضور العزاء على طريق الدمام بعامل محطة البنزين يسأله هل هو ذاهب لحضور عزاء رجل يدعى حمد؟ فرد عليه المسافر بالايجاب، فقال له العامل بلهجة شبه القارة الهندية نحن لا نعرفه ولكننا شعرنا بالحب له. هكذا كان أبو خالد. إلى جانب الحزن الاليم الذي عصف بقلوب الكثير ساعات دفنه رحمه الله وأيام العزاء الثقيلة، كان سؤال يجول بخاطري دون إجابة: من سيخلفك في خصالك الفطرية الخالصة وفي أي بيت؟ وما كان شخص بمثل تلك الخصال الرفيعة ان يقوم بذلك الدور الكبير لولا فضل الله ثم مساندة وحضور أسرة لا تمل ولا تكل كانت له بمثابة الجناحين للصقر المحلق في سماء مكارم الاخلاق. إلى حرمه الفاضلة وأبنائه خالد وعلي ووليد وزياد وكريماته الخيرات نقول: لكم أحسن الله عزاءكم وعزاءنا جميعا في أبي خالد.




 

بقية المواضيع

 

 

[ عناوين الرياض اليوم | احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2002
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

عناوين الرياض اليوم

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

مقالات اليوم

الرياض @ نت

الرياض الاقتصادي

دنيا الرياضة

إنضم إلى قوائم
الرياض