بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات

موقع الرياض: صفحتك الرئيسية - إضافة للمفضلة


Thursday 30 October 2003 No. 12914 Year 39

الخميس 04 رمضان 1424العدد 12914 السنة 39

  ميثاق السيرة متخيلاً

محمد العباس

معظم الروايات الأولى هي سيرة ذاتية، وبالضرورة هي رواية مقنعة هذا ما يستنتجه كليف جيمس ويعلنه بنبرة نقدية جازمة، وتتلقفه يمنى العيد لتؤكد بأنها- عربياً- كذلك، خصوصاً حين يتعلق الأمر بثالوث الجنس والدين والسياسة، فالتطواف حول هذه التخوم ما زال محظوراً في الحياة والكتابة العربية، الأمر الذي يبرر توسل "المتخيل الروائى" كبديل تعبيري، ليبدأ التأسيس الفعلي لديالكتيك نظرية الرواية كما يرسم معالمها رينيه جيرار في "الأكذوبة الرومانسية والحقيقة الروائية" بحيث يبدو ذلك المتخيل اقرب للصدقية في تجسيد السيرة، فهو إذا يضمر ميثاقها، يتقدم في فعل الكشف عن الذات، وان بشفافية الازدواج بين الروائي والكاتب.عند هذا المنعطف الاعترافي، وفي صعود الفردانية تحديداً، تولدت الرواية المحلية الأحدث ايضاً، اي فيما يسميه لوكاتش التوتر الدون  كيشوتي بين عالم الرومانسي الخيالي وعالم الواقع، فرواية "شقة الحرية" يمكن التأريخ بها لهذا المفصل، حيث جاءت "العدامة" كفاصل بين الما قبل الذاتي، والما بعد الفرداني، والى حد ما "الغيمة الرصاصية" كتعميق للأنوية، من حيث تورط الروايات الثلاث في نموذج المثقف المناضل كمركزية وكمثال للشخصية الجاذبة، حتى وان بدا تائباً او مهزوماً، فمزج ذات الراوي بأنا الكاتب تضيف شيئاً من الانجذاب للسرد وتزيد من  تواتره، رغم ان تلك الروايات وغيرها لم تبلور شخصية اشكالية تستغرق حياتها حتى النهاية لتأكيد مسلكها المثابر لتعلق في الذاكرة الاجتماعية.
وعليه تبدو تلك المنطقة المحفورة بوعي سردي جديد منطقة على درجة من الحيوية موضوعياً ومن الوجهة الفنية تبدو موضوعية المجتمع السري مظهراً ادبياً مغايراً وجاذباً، خصوصاً حين يتوغل السرد في الكشف عن دهاليزه، وافشاء اسراره، وهنا ممن الوعي الروائي، بتصور إيان واط، فالرواية تعبير عن مجتمع يتغير، ولا تلبث ان تصبح تعبيراص عن مجتمع يعي انه يتغير، وهذا ما يمكن امتصاصه من عالم بعض الروايات الجديدة، المحقونة بالمضامين حد تحولها الى خطابات تعقيمية، فالرواية، بتصور ميشال بوتور ليست مغامرة الفرد بل المجموع، اي المجتمع الذي "لايتألف من اناس فقط، بل من كل ماهو مادي وثقافي".
هنا تتصد خصوصية التجربة، التي تغري حتى القاريء بالتفتيش في ضمير الفرد، وتصعيد التوق لمسألة وعي الراوي بما هو كائن لا يبتعد كثيراً عن الملتقى، فيما يشابه بين فردانية المنتج والمستقبل حيث يشتركان في التواطؤ على فض التفاصيل الداخلية والحميمة لكائن هو بمثابة "أنا" احتياطية او رديفة لحياة داخلية، وبما يشبه التمري الجمعي في سيرة مشتركة  او مقتسمة بمعنى ادق، ومرورية بسرد استعاري، يعبر بها الفرد عن واقعه او جوده الخاص، حسب تصور فيليب لوغون، لجدلية السيرة بالتاريخ الشخصي، حتى ولو بمواربات المتخيل الروائي.
هكذا بدأ القصيبي ترجمة وعيه بذاته وفردانيته داخل وخارج الكتابة، وتبعه آخرون في إنطاق انواتهم والتحدث عن الرواية من داخلها، وعبرها فيما يشبه التسليم الواعي، ا المدلل عليه بالنص الروائي، بالانتقال من كتابة وجدانية ووصفية الى محو ادائي فطن تتعمده "الأنا" للإندساس في التاريخ ومسألة صيرورته، اي الكتابة بروح اللحظة التي تماثل النص الإبداعي بمقومات الخطاب الاجتماعي والسياسي، فيما يعني الاقرار بالتحول وبالتاريخ الإنساني كترجمة لانزياحه المستمر، حسب فيصل دراج، وكتعبير عن زمن راكد يعوزه التغيير والتبدل، على اعتبار ان الرواية، برأيه، تنتمي الى زمن الحداثة الاجتماعية، التي تمارس ضرباً من نقل العلاقات الاجتماعية من الواحد الى المتعدد، ومن المتجانس الى المختلف، ومن الثابت المقدس الى متحول لا قداسة فيه، فهذه الإنعطافات اللافتة في المشهد المحلي انما جاءت اثر انهيار الوهم الأيدلوجي، وما تبعه من ترد اقتصادي، وانكشاف الكائن امام قدره كفرد وليس كمنظومة او سحنة اجتماعية.
إذاً، بالراية تخيل الإنسان الجديد امكانية تحرره من قبضة الأوهام، وبها يحاول الانعتاق من لغة برانية تحدث تماسها بقشرة الحياة ولا تتوغل في احاريكها كيوميات وهوامش، على اعتبار ان الرواية بمعنى من معانيها تشكل قطعية بيت عالمين متصلين في الأساس، احدهما معاش وحادث في الآن، والثاني اخذ في الأفول، وهنا تغدو "الأنا" اصلاً لوعي الماضي ومنطلقا للتحرك في الحاضر والمستقبل، حتى وان بدت قصة زائفة بتعبير فورستر، فهي لاتتطور الا بمقدار ما تتطور الفكرة سردياً، لدرجة انها تبدو احياناً اكثر صدقية وصحة من التاريخ ذاته كوثيقة.
فؤاد الطارف مثلاً، هو الرداء الرهيف الذي تقنعه غازي القصيبي في روايته "شقة الحرية" ليروي اناه، وقد استعار لمسة الروائى لتزييف الحياة، بتعبير فورستر، على اعتبار ان الطارف كبطل هو مظهر من مظاهر شخصية القصيبي الكاملة، كما يبدو ذلك من خلال التعريف به والحاح شخصيته المتكررة، رغم انتفاء شرط التطابق الكلي بين اناه، وانا المؤلف الحقيقي، والتي استكملت بأنا اخرى هي "الأنا التاريخي" الذي ساهم مع الآخرين في صنع احداث تلك المرحلة، فيما يمكن اعتباره اول المنعطفات لحضور "الأنا" او إعادة اختراعها بروح جديدة في الرواية المحلية، بما ترسمه من فاصل بين الذاتوية كنزعة نفسية وجدانية، والفردانية كنزعة سياسية اجتماعية.
إذا، لتلك الأوتوبيوغرافيا الروائية ما يبررها، فاحساس المؤلف الضمني او الصريح بتميزه عن الآخرين- اختلافاً افقياً او ترتيباً سلميا- كان هو الدافع لسرد جوانب منتقاة من حياته، والترويج لسنته في الحياة، وكذلك اعتقاده بأهمية وجاذبية الأحداث التي عاشها خلال تلك الفترة وما تضمنته من زخ ايدلوجي وسياسي، كان دافعاً ايضاً لا يقل اهمية عن الأول في ولادة "شقة الحرية" في صيغتها البوحية، او المحروثة بمركزوية "الأنا" الاعترافية، بما هي روح السيرة الذاتية، سواء كانت مذكرات او رواية، او كتاريخ ممنتج بالمتخيل الروائي.
بذلك الوعي الفني والتاريخي تقدم القصيبي ناحية الرواية رغم اصراره على التنصل من مستوجبات فؤاد الطارف الموضوعية، فحياة اي فرد، مهما تمادت شخصيته الاعتبارية، تظل خالية من المعنى الى ان تتحول الى حكاية متداولة، بعد ان تخضع لمعالجة اسلوبية بحيث تتماسك وتتسلسل في بناء او شريط لغوي بالمعنى الموضوعي والفني، يضفي عليها شيئاً من الدلالة، على اعتبار ان مجموع الحوادث التي يختبرها الفرد ويعبرها اهم  من حياة الجماعات والدول، وان كانت من الوجهة السوسيولوجية تحيل الى ذلك الاحتشاد الانساني، فالذاتية مكمن ملذوذ للتطفل والتلصص، ومدخل استقرائي لمقاربة وحدات بشرية مكررة تستحيل في النهاية مجتمعاً بمواصفات خاصة، حتى وان بدا التاريخ الشخصي للراوي /الكاتب مسروداً بشكل انتقائي، او مموه، او ربما خاضع كوقائع لترتيب زمني ومنطقي، مخالف لأفق التوقع القرائي.
ودون تأويل قسري، يمكن مطابقة هشام العابر، بشخصية تركي الحمد في ثلاثيته "العدامة-الشميسي- الكراديب" فالرواية لاتحمل سوى الصوت الأحادي الواحد الأقرب الى الخطاب، هو صوت الراوي بكل ثقله المعرفي وحراكة الحياتي، او بمعنى ادق وعيه المنشق على نفسه، فيما يبدو انعكاساً اميناً لأنا الحمد كتجسيد لمآل بطل لا يبتعد شكله المتصور خارج النص عن قالبه الذهني والشعوري داخل النص، فموضوعة الرواية مؤسسة على فردانية صريحة، وعلى ذلك يبدو تجلي البطل بذاته دلالة على بطولة محلوم بها مقابل عجز تكويني عن اتيانها، فيما يسميه لوكاتش كتبرير فني لأصل الرواية "تجربة الفرد الخصبة عن اكتساب ابعاد كليه" وهذا ما جسده الحمد بالفعل حيث اكتفى بسرد تفاصيل المنقضي بصوت احادي والتفرج على صيرورته كحياة واقعية او مفترضة لو اذا بالمتخيل الروائي.
وهكذا حقق الحمد بسرد حكايته الشخصية، كما يفترض، شيئاً من الفردية، ليعمق مخترع القصيبي ازاء "الأنا" نبرة خطابية فارطة، فللخطاب من الوجهة الفنية والموضوعية، مكانة واسعة في السرد الأتوبيوغرفي، حسب تحليل فيلليب لوغون لميثاق السيرة وبتلك الشخصية انتصرت "أنا" الراوي، بما تحيله من نثار السيرة الذاتية والإعترافات الى رواية عبر ازاحات المتخيل الروائي، حيث اعاد الحمد اكتشاف ذاته، او بمعنى ادق، اعاد مركزتها ازاء "الآخر" بكل اطيافه وامتداداته، في منعطف العلاقات الاجتماعية، بحيث بدت تلك الوقائع والحوادث لفرط واقعيتها مسرودة بشكلها النيء الذي يحيل الى متخيل روائي محدود في تمويهاته.وهكذا صار الحمد يتحدث من داخل ثلاثيته، بروح استظهارية، وينحت هويته الجديدة في فعل التزمن الحداثي، بحيث رسم شخصيته المقدودة من حاثات اوتوبيغرافية فاقعة، بواقعها الفيزيقي وافقها الروحي، وحيث بدا التصارع جلياً في مسارب الرواية بين الذات كتعبير عن الخطابية والفردانية، وبين اللغة كأس فني للمتخيل  الروائي، لنحسم ذلك التجابه في نهاية الأمر لصالح انوية الحمد، حيث غدت هي المولد لأحاريك النص الماحي لملذوذ اللغة، بل وقعت الثلاثية يما اعتبره فيليب لوغون خللاً سيريا، اي الكتابة التنيظمية والمغالاة في النوادر المتعلقة ببطولات واستثنائية الفرد، بما يعني تفتيت العناصر، او عضوية الحياة واختصارها في زمن متوهم مفارق للحقيقة يحتله بطل لا تتطابق ذاته مع موضوعه، ولا أناه مع وجوده الأنطوقي داخل الرواية.ولأن "الأنا" لا تغدو فاعلة الا عندما تتجرد، وتكون في اقصى انطراحها، يمكن تلمس شكل حضورها والتساؤل في آن عن سر تضاؤل فاعليتها في غيمة الدميني الرصاصية مثلا، فالرواية "سيرته" بامتياز بما تسجله من توثيق مكاني وزماني وشخصاني ايضاً، لكن "الأنا" الساردة مطمورة في لعبة نصيه، قوامها متخيل روائي شديد التماس بالكتابة الحداثية المغالية في العبث ببنيتي الزمان والمكان، فأنا الدميني هنا مضطرة على الدوام الى التواري، او استعارة اصوات مصنوعة، واحياناً تبدو منزاحة لابتداع عوالم متخيلة غير مبررة فنياً، او مضللة دلاليا، فراراً من اسر الواقعي ربما، الى وساعات الافتراضي، واستبراء من استحقاقات الحضور الذاتي، والتورط في المعاش.ذلك المتخيل الروائي المراوغ لتسريب "الأنا" من النص هو ما جعل من سيرة الدميني المحالة بتصميم ذهني الى رواية تنفصم على حافة مربكة مابين اللعبة الأدبية، اللغوية تحديداً، وبين الشهادة الشخصية الحية، المنذورة لتسمية الأشياء، وان بشيء من الوجل الذاتي، الأمر الذي اسس لعازل نفسي عند احداث تلك"الأنا" تماسها بنسق الحياة الأشمل، ربما لأن الذاكرة كمكان افتراضي، بتصور برجسون، لم تقارب عمودياً، او لأن زمن الكتابة، غير زمن الحكاية، كما تحلل يمنى العيد ذلك الفاصل التعبيري، فهنالك مسافة بين الحكاية واستعادتها، او بين العيش في واقع ورؤية هذا الواقع، قد يؤدي كما حدث عند الدميني الى فصل التجربة عن الحقيقة، لولا انتباهته الى حقيقة يقرها المتخيل الروائي بشأن "الزمنية" خصوصاً في تحقق التجربة الذاتية ضمن بنية متعددة المستويات، افسحت المجال لتزمين "الأنا".
ولكن نتيجة لذلك التجزيئي، وخوف "أنا" الدميني من التوغل بكامل قوامها الى طبوغرافية الرواية صار متخيله الروائي يمارس شيئاً من التشريح التجريدي البارد للوقائع، وينبني كديالكتيك حذر "خطوتان للخلف، خطوة للأمام" وهو ما ادخل "الغيمة الرصاصية" فيما يعتبر فيليب لوغون خطيئة سيرية، اي اعادة البناء المفصلة والوهمية للمشاهد والحوارات، والحرص على ذكر اسماء الأعلام، واقحام الأجزاء غير المفهومة من اليوميات الخاصة، الأمر الذي افقد المتخيل الروائي سمة التجانس ليس مع ميثاق السيرة وحسب، بل مع البنية الروائية، نتيجة المغالاة في التمويه، ون حقق الدميني استحضاراً لمفهوم الزمنية، ليس بجاذبية المعنى الرومانسي وحسب، بل كتصور خطي ومتموج مستزرع بحراك الفرد، المولد بدوره لظلال الأشياء او الواقع المعاش كإمكان.




 

بقية المواضيع

علا حجازي: أحب أن أصنع من لوحاتي تاريخي!
رمضان على شوتايم طاش.. صلاح الدين.. أيام السادات.. وأحدث أجزاء حرب النجوم..!
قراءة في مجموعة (أنت النار وأنا الفراشة) لعبدالعزيز الصقعبي
أعمال مميزة في معرض نزلاء الإصلاحيات ودور الإصلاح الاجتماعية
شذى سبت: أرفض مقارنتي بشقيقتي شيماء حتى لو تفوقت عليها!!
تزيين العشش والاهازيج تستقبل شهر الخير
المرجعيات المهمشة في الروايات الجديدة
ثقافة الشباب.. الكويت والأردن نموذجاً
شماليل
أسئلة الرواية العربية في حضرة الرباط عاصمة الثقافة العربية
مساءلات فكرية .. الخطاب النقدي وحيثيات إنتاجه
من علوم "الانساب" الى علوم "الانسان"
القصيبي: في عوالم هوليود الوهمية
المرأة بين القانون والمجتمع
الرويضان وحرية دوران الظل
ميثاق السيرة متخيلاً
أحادية الرؤية النقدية
الأنشودة الريفية الأخيرة
ثلاثية الهواجس
عندما تتداخل التفاصيل
مراوحات الذات الظامئة
اللغة ومشكلة المعنى
رمضانيات شاعر
بيت وصدى
رجفة
الحقيبة الثقافية
مسافات البوح
مت واقفاً..!!
 
 

 

 

[ عناوين الرياض اليوم | ايام رمضان | احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض | وظائف شاغرة ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2003
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

عناوين الرياض اليوم

ايام رمضان

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

وظائف شاغرة

دنيا الرياضة

الرياض @ نت

مقالات اليوم

إنضم إلى قوائم
الرياض