بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات

موقع الرياض: صفحتك الرئيسية - إضافة للمفضلة


Thursday 30 October 2003 No. 12914 Year 39

الخميس 04 رمضان 1424العدد 12914 السنة 39

  مساءلات فكرية .. الخطاب النقدي وحيثيات إنتاجه

د. عبدالسلام المسدي

كل نص فكري هو نص نقدي، وكل نص نقدي هو نص فكري بالضرورة ،فمن الذي ينتجج الخطاب النقدي؟
سؤال قد يبدو - عند النظرة الأولى - غير ذي معنى، او قد يحمله المتلقي على ان مرده الى التجول بالفاظه بين الحقيقة والمجاز، فان نحن اعدنا صياغته فقد يخف وقع الدهشة، فلنقل على سبيل المثال: من الذي يوجه خطى النقد؟ او من الذي - ياترى - يتحكم في حيثيات انتاج الكتابة النقدية؟ وهل الناقد هو الذي يختار دوما بمحض ارادته موضوع كتابته، وسماتها، ومناويلها؟ ثم ما عسى أن يكون حظ "السياق" في تحديد وجهة النقد، السياق الداخلي كليهما؟
إن ما نطلق عليه السياق الخارجي هو ذاك الذي  امره شائع متداول، لأنه عالق بالسياق الاجتماعي وبالسياق الفكري ثم بالسياق الثقافي الذي هو قرين المؤسسات، ولكن الداخلي منهما على درجة أخرى من الدقة والخفاء، وقد يكون في ما سنذهب اليه في امره ضرب من الابتداع، لأننا نتجه فيه صوب ماهو مهمل او منسي، ونعني على وجه التخصيص المقام الذي يتنزل فيه ارسال الحكم النقدي، اي طبيعة الخطاب الذي يلف القول النقدي، فيحوطه بحيثياته، ويغلفه بظلاله ويسبغ عليه ايحاءاته.
سنكون ازاء نمط من البحث يحفر تحت قواعد السؤال النقدي سالكا من السبل ما لا نراه معبدا امامنا، انه التساؤل عن جوهر القول النقدي من خلال طبيعة الخطاب الذي ينزرع فيه، والاصل في صلاحية هذا التساؤل هو ان القول يأتي محملا بأغذية الحوض الذي يتم استزراعه فيه، ويتضاعف اثر الزرع كلما كان سياق الخطاب الحاضن مباينا لطبيعة القول النقدي، فقد تمتد آفاق البحث في "آليات السياق" وفي "حيثيات الافضاء" فنصل يوما الى الاقرار بوجاهة اسئلة جديدة.
ما الذي يطرأ على القول النقدي عندما يأتي في سياق كتابة التاريخ؟ وبم يختص الحكم المعياري المرسل على الأدب عندما ينطق به الاديب المبدع الذي ليس من همه ان يحترف النقد وانما همه أن يصنع الالفاظ فنا كما يصنع الرسام بالألوان لوحة، وان يضع بين ايدينا نصا نتلقاه بالوعي الغامض لنستلذ بشعريته قبل ان نحاول تشخيصه بالوعي الادراكي الصريح؟
ما عسى أن تكون قيمة الحكم النقدي اذا ادلى به الشاعر وهو يقول شعرا فأفاض به من داخل القصيدة الشعرية ذاتها؟ وكيف لنا نتقبل الاحكام النقدية عندما يسوقها الروائي من داخل خطابه الروائي على لسان احد ابطال السرد الحكائي او على لسانه هو ان اتخذ من الأنا ضميرا حاكيا؟ وفي اي خانة سنضع التقويمات النقدية التي تحتضنها كتابة السيرة الذاتية بصرف النظر عن هوية الذي يضعها روائيا كان، او شاعرا، او ناقدا، او عالما باحثا في واحد من شتى ضروب المعرفة الانسانية؟ ثم ما عسى ان يكون التغير الطارئ على القيمة الفنية عندما يتولى تفكيك النص باحث متفرغ لكشف اسرار المنظومة اللغوية اكثر من تفرغه لكشف اسرار المنظومة الجمالية؟
بين السياق الداخلي والسياق الخارجي يتعين استئناف اسئلة كثيرة ربما كان النقاد يظنون انها محسومة بشكل نهائي   لأنها في تصورهم قواعد مبدئية اوكليات مفهومية، كيف يتسنى لنا تأسيس مقولة "الاستئناف" هذه؟ ثم ماهي نماذج التباين بين نص نقدي يحكمه السياق الثقافي الخارجي ونص نقدي تحكمه طبيعة الخطاب المتسقة مع خصائص جنس الكتابة التي يندرج فيها؟
علينا اولا ان نعيد حصر الفعل النقدي في ضوء هذا القلق المعرفي الذي لم يكن من قبل هاجسا رئيسا يلابس حيرة التنظير النقدي، لا من لدن الناقد المحترف للكتابة، ولا من لدن المشتغلين بفلسفة الأدب ومن ورائها بفلسفة النقد.
ان النقد هو ان تكون صاحب حق شرعي في ان تسكن داخل بيت الادب فتختار ان تخرج منه لتقيم لنفسك بيتا يحاذيه فيشارفه وتطل منه عليه دافعا به الى موالجته، فمسكنك الجديد هو بيت النقد، والناقد ينتمي الى الأدب انتماء ضرورة بينما ينتمي الاديب الى النقد انتماء صدفة او انتماء اختيار، في الدائرة الأولى يتشكل الحس النقدي وفي الدائرة الثانية يتشكل الخطاب النقدي.
ان العبور بين الدائرتين - ذهابا وايابا - هو الذي يصنع اللحظة النقدية، ونسميها بذلك الاسم لان الاعراف قضت بالفصل بين المعرفة وموضوعها والا كان الاولى أن تسمى باللحظة الادبية - النقدية حتى تستوفي التسمية شرط انتماء الناقد الى الأدب بواجب الضرورة، لحظة العبور هي نقطةالتماس بين الدائرتين وهي النقطة المشتركة الوحيدة لانها واقعة على المحيطين معا: محيط هذه ومحيط تلك.
ان النقد معرفة ويطمح ان يكون علما، ولكنه علم بغيره وليس علما بنفسه، والسبب ان موضوعه الذي هو القول الادبي ليس معطى جاهزا من معطيات الطبيعة، وليس واقعة عارضة من واقعات الوجود، وانما هو بنفسه شاهد على فعل ابداعي يؤلفه الانسان ولا يؤلفه اي انسان كما اتفق، ولكن للنقد خصوصية يمتاز بها من سائر المعارف التي هي تعوض له هذا الخسران الظاهر اذا ما قيس الى غيره، ذلك ان النقد يتمتع بصلاحية الاختراق شأنه شأن العلم اللغوي، فكلاهما قادر على أن يلج الى كل العلوم الأخرى من خلال التأمل في بنية خطاباتها، اما المعارف التي لها الاستطاعة على اختراق حدود موضوعها نحو حدود غيرها فمحدودة والتي منها مخوّل لها ان تقتحم مجال النقد فاقل عددا.
والأغلب على مألوفات العرف النقدي منذ سيطرت على الحداثة مقولة ما بعد الحداثة هو التواطؤ على كتم الصوت الذاتي الحائر  حتى لا تنفتح الجروح فيشمت التاريخ، ولكن "الكياسة" في اعراف العلم قصير جدا عمرها، وربما آن الأوان أن نبحث تحت الأنقاض متجرئين على استئناف السؤال: اي علاقة هي تلك التي قامت أو تقوم، او قد تقوم، بين النقد والايديولوجيا؟ وهل بوسعنا ان نتغاضى عن انبثاق الحقيقة التوأم، ان تحويل الاشادة بموت ادلجة المناهج ما ان يتحول الى شعار - وقد تحول فعلا - حتى يغدو اعلانا عن ميلاد ايديولوجي جديد قوامه نفي وجاهة المنهج.
واقل وضوحا ما كان قائما بين النقد والثقافة، لأن الثقافة لم تكن فيما مضى موضوعا عينيا لمعرفة مخصوصة، ولم يكن أحد تغازله فكرة الحديث عن علم الثقافة، ولكن شبكة المعرفة قد تناسجت على انساق مختلفة، فتم استعصار العلوم الانسانية لاستزراع الجنين، وتخلقت "النظرية" على نار هادئة، فانبرى النقد الثقافي دابا فزاحفا فمكتسحا، وحصل التصدع الثالث فبدا للناس اكثر انجلاء لأنه - كما رأوه - مهدد لموروثاتهم، وانه متطاول يستفز غرائزهم في حب البقاء النقدي.
وما انفك يعسر على جيل كامل من الادباء ومن النقاد - ولا سيما في بيئتنا العربية - ان يتبينوا من خلال النقد الثقافي صورة للعمق الانساني العائد الى الأدب من غير باب الايديولوجيا، او صورة للالتفاف على تناقضات التاريخ والسياسة من خلال عدسات الادب، والسؤال الذي يتحتم استئنافه متسع الأسيجة: فالثقافة الجديدة مشاهدة اكثر مما هي رؤيا، والفكر مساءلة نقضية اكثر مما هو اجوبة، والنضال السياسي غير العمل في السياسة، ولكن التفكير السياسي هو غير النضال الحزبي وغير العمل ضمن مؤسسة القرار، فيما مضى كان التأمل النظري يفضي الى الوعي السياسي، وبعدئذ اصبح الوعي السياسي هو الذي يفتح الأبواب امام تعميق الوعي الفلسفي، فكيف نعيد ترميم المنظومة بين الادب والنقد كليهما في مواجهة الثقافة؟

و




 

بقية المواضيع

علا حجازي: أحب أن أصنع من لوحاتي تاريخي!
رمضان على شوتايم طاش.. صلاح الدين.. أيام السادات.. وأحدث أجزاء حرب النجوم..!
قراءة في مجموعة (أنت النار وأنا الفراشة) لعبدالعزيز الصقعبي
أعمال مميزة في معرض نزلاء الإصلاحيات ودور الإصلاح الاجتماعية
شذى سبت: أرفض مقارنتي بشقيقتي شيماء حتى لو تفوقت عليها!!
تزيين العشش والاهازيج تستقبل شهر الخير
المرجعيات المهمشة في الروايات الجديدة
ثقافة الشباب.. الكويت والأردن نموذجاً
شماليل
أسئلة الرواية العربية في حضرة الرباط عاصمة الثقافة العربية
مساءلات فكرية .. الخطاب النقدي وحيثيات إنتاجه
من علوم "الانساب" الى علوم "الانسان"
القصيبي: في عوالم هوليود الوهمية
المرأة بين القانون والمجتمع
الرويضان وحرية دوران الظل
ميثاق السيرة متخيلاً
أحادية الرؤية النقدية
الأنشودة الريفية الأخيرة
ثلاثية الهواجس
عندما تتداخل التفاصيل
مراوحات الذات الظامئة
اللغة ومشكلة المعنى
رمضانيات شاعر
بيت وصدى
رجفة
الحقيبة الثقافية
مسافات البوح
مت واقفاً..!!
 
 

 

 

[ عناوين الرياض اليوم | ايام رمضان | احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض | وظائف شاغرة ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2003
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

عناوين الرياض اليوم

ايام رمضان

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

وظائف شاغرة

دنيا الرياضة

الرياض @ نت

مقالات اليوم

إنضم إلى قوائم
الرياض