بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات

موقع الرياض: صفحتك الرئيسية - إضافة للمفضلة


Thursday 30 October 2003 No. 12914 Year 39

الخميس 04 رمضان 1424العدد 12914 السنة 39

  رجفة

قلب قصة:للكاتب الكندي: مورلي كالاهان ترجمة: نادية عبدالوهاب خوندنه

بنهاية وقت الدوام في الصيدلية خلع الفريد هيجنز معطفه الأبيض وارتدى معطف الخروج استعداداً للذهاب إلى المنزل. وبينما كان مالك الصيدلية السيد سام كار ذو الشعر الرمادي الخفيف منحنياً خلف ماكينة دفع الحساب، مر بجانبه الفريد فنظر إليه وقال بلطف: "لحظة من فضلك، أود التحدث إليك قبل ان تذهب".
إن الطريقة اللطيفة والواثقة التي تحدث بها سام كار جعلت دقات قلب الفريد تتسارع لدرجة أنه أحس بصعوبة في التنفس وأخذ يقفل أزرار معطفه بطريقة عصبية وهو متأكد من ان وجهه كان يبدو شاحباً فلقد اعتاد سام على تحيته بطريقة جافة وبدون ان يرفع رأسه ففي خلال الستة شهور التي قضاها الفريد في العمل هنا لم يسمع صاحب العمل يتحدث معه قط بمثل هذه اللطف.
"ما الأمر يا سيد كار"
"يحسن بك ان تخرج بعض الأشياء من جيبك وتضعها هنا قبل ان تغادر المكان"
"أي أشياء؟ عم تتحدث"؟
"يوجد في جيبك علبة تجميل، أحمر شفاه وأنبوبان من معجون الأسنان يا الفريد"
فأجابه الفتى بغضب وقد أحمر وجهه "ماذا تقصد؟ هل تعتقد أنني مجنون؟". لقد كنت على ثقة بأنه كان يبدو غاضباً وناقماً ولكن سام كار الذي كان واقفاً بجوار الباب وعيناه الزرقاوان تلتمعان خلف نظارتيه وشفتاه تتحركان تحت شاربه الرمادي، هزّ رأسه عدة مرات الأمر الذي أخاف الفريد كثيراً وجعله في حيرة لا يدري ماذا يقول.
رفع الفريد يده وأدخلها ببطء في جيبه وبدون ان ينظر في عيني سام كار أخرج علبة تجميل زرقاء اللون وأنبوبين من معجون الأسنان وأحمر شفاه ووضعها جميعها على المنضدة.
"سرقة صغيرة؟" سأله سام، "هل تتكرم وتخبرني كم من الوقت مر على هذه الحال؟"
"إنها المرة الأولى التي أخذ فيها شيئاً"
أجابه سام كار وهو متجه صوب ماكينة دفع الحساب ليقف خلفها: "هل تعتقد ان بإمكانك ان تكذب علي؟ أي ساذج تظنني حتى لا أعرف ما يجري في متجري؟ لقد كنت تقوم بهذه السرقات الصغيرة مراراً وتكراراً.
منذ ان ترك الفريد المدرسة وهو يواجه المشاكل كلما التحق بعمل ما وكم كان والداه سيسعدان إن تمكن من الاستمرار في أي وظيفة وقد كان لا يزال يقيم في منزل العائلة مع والدته ووالده الذي يعمل عامل طباعة أما أخواه اللذان يكبرانه فكانا متزوجين كما قد تزوجت أخته في السنة الماضية.
كان سام يبتسم وهو يربت بلطف على خده بأطراف أصابعه، بينما أحس الفريد بالرعب يزداد في داخله وهو الأمر المعهود الذي كان دائماً يواجهه كلما مر بنفس المشكلة.
"لقد أحببتك ووثقت فيك ولكن انظر الآن إلي ما يجب على فعله"
نظر الفريد بعينيه الزرقاوين الممتلئتين بالخوف والترقب إلى سام وهو ينقر بأصابعه على المنضدة فقال له سام بقلق: "الأمر جلي ولكني لا أرغب في استدعاء الشرطة. أنك غبي. يجدر بي استدعاء أبيك واخباره بأنك غبي وتستحق ان تحبس".
"أبي غير موجود بالمنزل فعمله في الطباعة يتطلب منه دواماً مسائياً"
"ومن يوجد بالبيت الآن؟"
"أمي"
فقال سام: "لنر ما ستقول" واتجه نحو الهاتف وطلب الرقم.
لم يكن الفريد خجلاً بل كان يحس بخوف عميق يتصاعد في داخله وفجأة قال بكبرياء رجل قوي: "على رسلك، أنك لست بحاجة إلى تدخل أي شخص آخر وبالتالي لست بحاجة إلى اخبار والدتي بالأمر".
لقد أراد ان يبدو في خيلاء رجل يمكنه الاهتمام بشؤونه الخاصة بنفسه، ولكن في ذات الوقت، كان تتنازعه  الرغبة الطفولية القديمة نفسها بأن أحداً من عائلته سيأتي لمساعدته.
"إن ابنك يعمل لدي، نعم سيدتي، وهو الآن في ورطة ويحتاج حضورك سريعاً"
توجه السيد كار نحو باب الصيدلية بعد ان أقفل الخط وظل واقفاً هناك ينظر إلى الشارع ويراقب حركة المارة في تلك الساعة المتأخرة من إحدى ليالي الصيف ولم يقل شيئاً سوى: "سأنتظر مرور شرطي من هنا".
لقد كان الفريد على ثقة ان والدته ستأتي بسرعة وتقتحم المكان بينما عيناها تبدوان متوهجتين بل ربما ستدخل باكية ولن تصغي إليه إن حاول ان يكلمها لتشعره بازدرائها له،وبالرغم من كل هذه المخاوف كان الفريد يتمنى وصول والدته قبل ان يمر شرطي من أمام باب الصيدلية.
لم يتحدثا خلال فترة انتظارهما التي بدت طويلة جداً وأخيراً سمعا طرقاً على الباب ففتحه السيد كار وعلامات الصرامة والشدة تكسو وجهه وقال بكل وضوح: "تفضلي يا سيدة هيجنز".
كانت السيدة هيجنز كبيرة الحجم وسمينة تلوح على وجهها الودود ابتسامة ولكن هيئتها توحي بأنه كانت تتهيأ للذهاب إلى النوم عندما هاتفها السيد كار فشعرها كان لم يكن مرتباً تحت قبعتها وكانت يدها تحكم امساك معطفها حتى لا يبدو ثوبها من تحته.
لم تتمكن السيدة من رؤية ابنها الذي كان يقف في منطقة مظلمة حيث كانت معظم المصابيح في المكان مطفأة وحالماً رأته لم تبد على الصورة التي توقعها الفريد اطلاقاً بل على العكس، كانت باسمة وهادئة لم يطرف لها رمش يبدو عليها الوقار مما صرف انتباهما عن هيئتها التي تدل أنها قد خرجت على عجل.
مدت يدها لتصافح السيدكار وقالت بأدب جم: "السيدة هيجنز، والدة الفريد".
لقد أحرج هدوء السيدة وبساطتها السيد كار الذي خانته الكلمات فلم ينبس ببنت شفة فسألته السيدة: "هل يواجه الفريد مشكلة؟".
"نعم. منذ مدة وهو يسرق من المحل بعض الأشياء الصغيرة التي يسهل بيعها بعد ذلك مثل أدوات التجميل ومعاجين الأسنان وقد ضبطته هذا المساء بالجرم المشهود".
في أثناء استماعها لاتهامات السيد كار كانت السيدة هيجنز تنظر إلى ابنها وتؤمي برأسها في حزن ثم سألته بجدية بالغة: "هل الأمر كذلك يا الفريد؟"
"نعم"
و"لم كنت تقوم بذلك؟"
"لأتمكن من الانفاق على بعض الأمور"
"وما هي تلك الأمور؟"
"الخروج مع الأصدقاء"
توجهت السيد بحديثها إلى السيد سام كار وقالت له بطريقة لطيفة تنم عن تفهمها لموقفه وكأنها تخشى ان تزعجه: "ربما يمكنك ان تستمع إلى قبل ان تتخذ أي إجراء".
إن صدقها مع ذاتها جعلها تشعر بالخجل واحساسها بالخزي جعلها تهتز وتنظر بعيداً ولكن سرعانا ما عادت إليها ابتسامتها ووقارها فسألته باحترام وسعة صدر: "ماذا نويت ان تفعل يا سيد كار؟".
"كل ما في الأمر أنني فكرت في احضار شرطي".
"نعم. إنك على حق وإنني أدرك أنه لا يحق لي منعك من ذلك لأن المتهم هو ابني ولكنني أعتقد ان النصيحة المخلصة في بعض الأحيان هي كل ما يحتاجه الفتى في فترة معينة من حياته".
لم يستطع الفريد ان يصدق عينيه وهو يرى والدته تحافظ على رباطة جأشها في مثل هذا الموقف لأنه لو كانا في البيت وجاء من يخبر أمه أنه سيلقي القبض على ابنها لغضبت بشدة وصرخت في وجه ذلك الشخص.. وها هي الآن تقف وعلى محياها ابتسامة رقيقة توحي بالاعتذار: "كنت اتساءل إن كان يمكنك ان تدعه يأتي معي إلى البيت؟ يبدو فتى كبيراً، أليس كذلك؟ ولكن بعض الفتيان يحتاجون وقتاً أطول من أقرانهم ليصبحوا على درجة كافية من التعقل" واتجهت نظرات السيدة هيجنز والسيد كار صوب الفريد الذي غادر مكانه بعيداً عنهما، ولوهلة توهج وجهه النحيل ووجنتاه اللتان غطاهما بعض حب الشباب.
عندما ابتعد الفريد لشعوره بالحرج والضيق، كان يدرك ان السيد كار قد عرف ان أمه سيدة رقيقة حقاً ولابد ان هذا الأمر قد جعله يشعر بالحيرة كما لو كان قد توقع منها ان تأتي باكية متوسلة، وبالعكس ان جلدها وصبرها أشعراه بالخجل. وبينما لم يتردد في المكان سوى صوت والدته الناعم ذي اللهجة الواثقة، كان السيد كار يهز رأسه مؤمناً.. وبدلاً من ان يبدو عليها أي قلق أو ارتباك، كانت السيدة هيجنز تملأ المكان الخافت الإضاءة بثباتها وبساطتها وتفاؤلها.
وجاءها رد السيد كار حينما قال: "إنني بالطبع لا أريد ان أكون فظاً وسأخبرك بما أنوي فعله: إنني فقط سأفصله من عمله وأدع الأمر يمر بسلام. ما رأيك بهذا الحل؟" ثم نهض وصافحها وأومأ لها برأسه في احترام بالغ.
"لن أنسى لك هذا الجميل أبداً ما حييت".
أجابته بنبرة صدق وعرفان بالجميل مما جعله يحس هو أيضاً بالارتياح والسرور وقال لها: "يؤسفني ان نلتقي في مثل هذه الظروف، كل ما في الأمر أنني أردت ان أفعل ما اعتقدت أنه الصواب، وعموماً قد سررت بمعرفتك".
"تصبح على خير يا سيدي".
"تصبحين على خير يا سيدة هيجنز وأكرر لك أسفي".
خرجت السيدة وابنها إلى الشارع، كانت الأم تمشي بخطوات واسعة وثابتة وهي تنظر إلى الإمام بينما كان وجهها الجاد يعكس ما كانت تعاني من قلق. كان الفريد خائفاً من ان يتحدث إليها ولكنه في الواقع كان متوجساً من الصمت الذي ساد بينهما فما كان أمامه سوى ان ينظر إلى الأمام مثلها وشعور بالارتياح يغمره ولكنه لبرهة كان يرى ان المضي في السير في صمت مطبق كان يشعره وبشدة بمدى القوة والجدية اللتين تعتملان في داخلها.. ترى بماذا تفكر وهي تسير هكذا متجهمة محدقة أمامها؟ هل نسيت أنه يمشي إلى جانبها؟لكن دوي قطار الجادة السادسة كسر حاجز الصمت بينهما فقال لها وهما يعبران من أسفل الجسر بطريقته العاصفة - كما هي عادته دائماً - : "الحمد لله ان الموضوع قد انتهى بسلام، وأؤكد لك أنني لن أتورط بمثل هذا الموقف مرة أخرى".
فأجابته بمرارة: "اهدأ ولا تكلمني لقد اخجلتني مراراً وتكراراً".
"إنني فقط أخبرك بأنها ستكون المرة الأخيرة".
فأسكتته على الفور بقولها: "احترم نفسك واصمت" واستمرا في السير والنظر إلى الأمام.
عندما وصلا إلى المنزل وخلعت السيدة معطفها فوجئ الفريد ان أمه لم تكمل ارتداء ملابسها عندما خرجت على عجل وقد أخافته مجدداً عندما قالت له - بدون ان تنظر إليه: "إنك مصدر نحس، سامحك الله فأنت تسبب المشكلة تلو الأخرى. لماذا تقف هكذا بغباء بدون حراك؟ لم لا تدخل إلي غرفتك لتنام؟"
وعندما تحرك باتجاه غرفته قالت له: "سأصنع لنفسي كوباً من الشاي، عليك الا تذكر شيئاً مما حدث لوالدك".
كان صوت تحركاتها في المطبخ يصله في غرفته وهو يتهيأ للنوم.. ملأت غلاية الماء ووضعتها على الموقد.. وها هي تحرك كرسياً.. كان يسمع فقط، لم يخالجه أي شعور بالخجل بل كان يتعجب من قوة شخصيتها واتزانها وهما صفتان يقدرهما كثيراً في والدته.
لا يزال منظر السيد سام كار ماثلاً أمام عينيه وهو يؤمي برأسه مشجعاً لها.. ولا يزال صدى كلماتها يرن في أذنيه وهي تتحدث بهدوء ووقار.. جلس على سريره والفخر بقوتها يملأه وحدث نفسه قائلاً: "لابد ان أخبرها أنها كانت رائعة في اظهار كبريائها".
نهض الفريد من سريره وتوجه نحو المطبخ وعندما وصل إلى الباب رأى أمه تصب لنفسها كوباً من الشاي.. فظل واقفاً يراقبها من مكانه.. فرأى علامات خوف وانزعاج تكسو وجهها الذي بدا مختلفاً تماماً عما كان عليه من الثقة والصلابة عندما كانا في الصيدلية.. وقد كانت يدها ترتجف وهي تسكب الماء المغلي في الكوب فتطاير رذاذ الماء على الموقد ثم جلست على كرسي وأسندت ظهرها إلى الخلف.. تنهدت ورفعت الكوب إلى شفتيها اللتين كانتا تتلمسان طريقيهما إلى الكوب.. ارتشفت الشاي الساخن بلهفة ورفعت قامتها بارتياح على الرغم من ان يدها الممسكة بالكوب كانت لا تزال ترتجف.. كانت تبدو وكأنها شاخت فجأة.
أدرك الفريد ان هذه هي حال أمه في كل مرة يتعرض فيها لمشكلة ولابد ان هذه الرجفة كانت تعتمل في داخلها وهي تهب مسرعة لمساعدته.. وأخيراً فهم لماذا جلست وحيدة في المطبخ في الليلة التي كانت فيها أخته الصغرى تكرر على وتيرة واحدة أنها ستتزوج..
الآن فقط أحس بما كانت تفكر فيه وهما في طريق العودة إلى المنزل.. ظل ينظر إليها بصمت وفي تلك اللحظة أحس أنه غادر ملاعب الصبا وانضم إلى عالم الرجولة.. أواه يا أمي الحبيبة ان رجفة يدك الحنون قد اختزلت سنوات عمرك كلها.. وكأنني أسبر غور سنوات عمرك كلها بشفافية ولأول مرة.




 

بقية المواضيع

علا حجازي: أحب أن أصنع من لوحاتي تاريخي!
رمضان على شوتايم طاش.. صلاح الدين.. أيام السادات.. وأحدث أجزاء حرب النجوم..!
قراءة في مجموعة (أنت النار وأنا الفراشة) لعبدالعزيز الصقعبي
أعمال مميزة في معرض نزلاء الإصلاحيات ودور الإصلاح الاجتماعية
شذى سبت: أرفض مقارنتي بشقيقتي شيماء حتى لو تفوقت عليها!!
تزيين العشش والاهازيج تستقبل شهر الخير
المرجعيات المهمشة في الروايات الجديدة
ثقافة الشباب.. الكويت والأردن نموذجاً
شماليل
أسئلة الرواية العربية في حضرة الرباط عاصمة الثقافة العربية
مساءلات فكرية .. الخطاب النقدي وحيثيات إنتاجه
من علوم "الانساب" الى علوم "الانسان"
القصيبي: في عوالم هوليود الوهمية
المرأة بين القانون والمجتمع
الرويضان وحرية دوران الظل
ميثاق السيرة متخيلاً
أحادية الرؤية النقدية
الأنشودة الريفية الأخيرة
ثلاثية الهواجس
عندما تتداخل التفاصيل
مراوحات الذات الظامئة
اللغة ومشكلة المعنى
رمضانيات شاعر
بيت وصدى
رجفة
الحقيبة الثقافية
مسافات البوح
مت واقفاً..!!
 
 

 

 

[ عناوين الرياض اليوم | ايام رمضان | احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض | وظائف شاغرة ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2003
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

عناوين الرياض اليوم

ايام رمضان

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

وظائف شاغرة

دنيا الرياضة

الرياض @ نت

مقالات اليوم

إنضم إلى قوائم
الرياض